التعليقات على كتاب الأدب المفرد 379

الدرس في التعليقات على كتاب الأدب المفرد 379، ألقاها

نهي النبي عن لبستين وبيعتين

نهى النبي ﷺ عن لبستين وبيعتين لما فيهما من ضرر وعدم تراضي، حيث نهى عن بيوع المنابذة والملامسة لعدم وجود التراضي والعلم بالسلعة. كما نهى عن لباس قد يخشى منه كشف العورة.

إكرام الضيف وتوفير المكان المناسب

يستحب إكرام الضيف وتوفير المكان المناسب له، مثل تقديم الوسادة أو القطيفة، استدلالاً بأحاديث نبوية تبين تكريم النبي للضيوف وتوفير مكان مناسب لهم.

أحكام الجلوس أثناء تلقي العلم

يستحب تكريم من يتلقى العلم بتوفير مكان مناسب للجلوس، مثل القطيفة أو الوسادة، استدلالاً بحديث يصف تكريم النبي لشخص ما بتوفير قطيفة ليجلس عليها.

التفريغ النصي الكامل

الحمد لله رب العالمين، الصلاة والسلام على أشرف الخلق والمرسلين، نبينا محمد، على آله وصحبه أجمعين. أما بعد، قال الإمام البخاري رحمه الله في كتابه «الأدب المفرد»، باب الاحتباء في الثوب، حدثنا عبد الله بن صالح، وهو كاتب الليث، قال: حدثني الليث وابن سعد، قال: حدثني يونس وابن يزيد، عن ابن شهاب، وهو الزهري، محمد بن مسلم بن عبد الله بن عبيد الله، قال: أخبرني عامر بن سعد أن أبا سعيد الخدري قال: نهى رسول الله ﷺ عن لبستين وبيعتين، نهى عن الملامسة والمنابذة في البيع. والملامسة: يمس الرجل ثوبه، والمنابذة: ينبذ الآخر إليه ثوبه، ويكون ذلك بيعهم عن غير نظر. واللبستين: احتباء الصماء، والصماء: أن يجعل طرف ثوبه على إحدى عاتقيه، فيبدو أحد شقيه ليس عليه شيء. واللبسة الأخرى: احتباؤه بثوبه، وهو جالس ليس على فرجه منه شيء. هذا الباب ترجمه الإمام البخاري رحمه الله بقوله: «باب الاحتباء في الثوب»، يعني ذكر ما ورد في أن نهي عن ذلك. وهو أن يحتبي المرء بثوبه. والاحتباء: كما هو معلوم، ضم القدمين بثوب، كهذه الجلسة. لكن الاحتباء المنهي عنه هو ما يخشى منه انكشاف العورة. أما إذا كان متسترا ولابسا لثوب أو أكثر من ثوب، كأن يكون عليه سروال، أو يكون ثوبه واسعا، أو عليه أكثر من ثوب، أو نحو ذلك مما يأمن منه انكشاف العورة، فلا بأس. فلا بأس في الجلوس في هذه الجلسة. وإنما كره أو نهي عن الاحتباء في مثل هذه الحالة إذا خشي انكشاف العورة. ذكر رحمه الله حديث أبي سعيد الخدري رضي الله عنه، قال: نهى رسول الله ﷺ عن لبستين وبيعتين، نهى عن الملامسة والمنابذة، ثم فسر الملامسة، قال: يمس الرجل ثوبه، أن يمس الرجل ثوبه، يمس الثوب، فإذا مسه وقع البيع، سواء رضي به أو لم يرض. وكذلك أيضا ربما لا يراه. المهم باللمس، إذا لمسه خلاص تم البيع، ليس له أن يرجع. ليس له أن يرجع في البيع، مع أن النبي ﷺ يقول: «البيعان بالخيار ما لم يتفرقا». وكان جميعا، الأصل في البيع المشروع والجائز: ثبوت الخيار فيه بين الباع وبين المشتري في المجلس. يثبت لهم الخيار في المجلس، إذا أراد إنسانا يشتري سلعة، مثلا ثوب، أخذ يقلبه عند صاحب المحل، مثلا ينظر فيه، يعجبه أو لا يعجبه. فإذا لم يعجبه رده، أو اشترى مثلا وهو ما زال في المجلس، ثم رأى أنه ما يحتاج له فرده، يجب على الباع أن يرده؛ لأن للمشتري الخيار ما دام أنه في المجلس. هذا معنى قول النبي ﷺ: «البيعان بالخيار»، يعني يثبت لهما الخيار ما لم يتفرقا، وكان جميعا، ما دام أنهما لم يتفرقا، فلهما الخيار. للباع الخيار، لو أراد أن يرد البيع له الحق، لو قال المشتري: هات السلعة هذه، أنا ما سأبيعها، له حق في ذلك، ويجب على المشتري أن يردها. والعكس إذا أراد المشتري أن يرجعها، وهما ما زالا في المجلس، يجب على الباع أن يقبلها. لكن هذا البيع، بيع الملامسة، ليس فيه خيار، بمجرد أن يلمس الثوب وقع البيع، رضي به أو لم يرض، أعجبه أو لم يعجبه. هذا البيع منه عنه، وكانت من بيوع الجاهلية. والمنابذة، قال: ينبذ الآخر إليه ثوبه، ينبذ إليه ثوبه، يعني يرميه له، يرميه له، فيأخذه، ويتم البيع، أو بمجرد أن يرميه له يتم البيع. يقول: تريد هذا؟ يقول: نعم، يرميه له، خلاص تم البيع، ولا خيار. ولا خيار، هذا أيضا منه عنه. هاتان البيعتان منهي عنهما: الملامسة والمنابذة. قال: ويكون ذلك بيعهم عن غير نظر، يعني من غير أن ينظر إلى السلعة، ومجرد أن يرميه له أو أن يلمسه تم البيع، رضي أو لم يرض. هذا مخالف لماذا؟ البيع الشرعي: من وجود التراضي والعلم بالسلعة. نعم، هذا لا، مجرد لمس أو نبذ إليه الثوب وقع البيع، هذا نهى عنه النبي ﷺ. وفي رواية: ويكون ذلك بيعهم عن غير تراض، يعني ولو لم يرض، يلزمه البيع، هذا لا يجوز. إنما البيع عن تراض، قال النبي ﷺ: «إنما البيع عن تراض». ومشروط البيع التراضي، حصول الرضا. فهذا البيع لا يجوز، مثله قد يقع بين الناس، مثل هذا البيع. يقول مثلا شخص لأناس: عندي ساعة، ومن يشتريها؟ وهذه الساعة إما في جيبه وإما أن يغطيها بيده، يقول: عندي ساعة، من يشتري؟ يقول فلان منهم: أنا أشتري، يقول: بعت، يخرج الساعة، يوم الساعة تكون خربانة ما تشتغل، يقول: خلاص أنت اشتريت، أنت اشتريت، تم البيع. هذا لا يجوز، أو عندي قلم، أو عندي كذا، أي شيء، والمشتري ما نظر إليه ولا يعرفه، هذا لا يجوز مثل هذا البيع. قال: واللبستين: احتباء الصماء، والصماء: أن يجعل طرف ثوبه على إحدى عاتقيه، فيبدو أحد شقيه ليس عليه شيء. أن يجعل طرف ثوبه على إحدى عاتقه، يعني يكون عليه ثوب واحد، طيب، فيأخذ أحد طرفي هذا الثوب ويجعله على عاتقه، يجعله على أحد عاتقيه، فإذا فعل ذلك انكشفت عورته. فالأجل ذلك نهى النبي ﷺ عن هذه اللبسة. قال: فيبدو أحد شقيه ليس عليه شيء؛ لأنه سيرتفع سيرتفع الثوب من الجانب الذي رفع منه الثوب، فتنكشف العورة. فهذه اللبسة منهي عنها. قال: واللبسة الأخرى: احتباؤه بثوبه، وهو جالس ليس على فرجه منه شيء، يعني من هذا الثوب، يكون عليه ثوب واحد، فيحتبي به، فتنكشف عورته. هذه الجلسة منهي عنها. أما إذا كان عليه أكثر من ثوب، فهذا لا بأس أن يحتبي، نعم. فإذا كان على هذه الوصف، يعني متستر وعنده ثوب آخر، فهذا جائز. وأما إن لم يكن له إلا ثوب واحد، فإنه ينهى أن يجلس هذه الجلسة، فيحتبي بهذا الثوب، فتنكشف بسبب ذلك عورته. قال: باب من ألقي له وسادة، حدثنا عبد الله بن محمد، قال: حدثنا عمر بن عوف، قال: حدثنا خالد بن عبد الله عن خالد، عن أبي قلابة وعبد الله بن زيد الجرمي، قال: أخبرني أبو المليح، قال: دخلت مع أبيك زيد على عبد الله بن عمر، فحدثنا أن النبي ﷺ ذكر له صومه، فدخل علي، فألقيت له وسادة من أدم حشوها ليف، فجلس على الأرض، وصارت الوسادة بيني وبينه، فقال لي: أما يكفيك من كل شهر ثلاثة أيام؟ قلت: يا رسول الله، قال: خمسا، قلت: يا رسول الله، قال: سبعا، قلت: يا رسول الله، قال: تسعا، قلت: يا رسول الله، قال: إحدى عشرة، قلت: يا رسول الله، قال: لا صوم فوق صوم داود شطر الدهر، صيام يوم وإفطار يوم. والحديث في الصحيحين. قال: وحدثنا مسلم بن إبراهيم، قال: حدثنا شعبة، عن يزيد بن خمير، عن عبد الله بن بسر، أن النبي ﷺ مر على أبيه، فألقى له قطيفة، فجلس عليها. هذا الباب: باب من ألقي له وسادة، يعني من باب الإكرام أن يكرم الإنسان ضيفه، ومن زاره، بأن يقرب له وسادة يتكى عليها أو يجلس عليها، هذا من الإكرام. ولا زال هذا الخلق مستعملا عند أهل الكرم وأهل الفضل، تجد من زارهم قدموا له الوسادة. وكذلك أيضا ربما فرش له فرش تحته، كما سيأتي، هذا كله من الإكرام. وذكر حديث عبد الله بن عمر، أن النبي ﷺ ذكر له صومه، يعني صوم عبد الله بن عمر، حين كان يصوم يوما ويقطع يوما، أو كان يصوم كل يوم. فذكر ذلك للنبي ﷺ، فأرشده عليه الصلاة والسلام بالاقتصاد في العبادة. وفي هذا الحديث أن النبي ﷺ دخل على عبد الله بن عمر، قال: فألقيت له وسادة من أدم حشوها ليف. أدم يعني جلد، وحشوها ليف، الليف ما يستخرج من النخل. كانت الوسادة على هذا الوصف، وهذا كان ربما المتيسر عندهم. وكذلك أيضا هي في نفس الوقت ليست بتلك المريحة كالوسائد المتطورة من الإسفنج أو القطن أو نحو ذلك. ومع ذلك قربها للنبي ﷺ، فالنبي ﷺ لم يجلس عليها، ليس تكبرا، وإنما تواضعا عليه الصلاة والسلام، رضي أن يجلس على الأرض، كما أن عبد الله بن عمر جالس على الأرض. فترك الجلوس عليها، مع أن الجلوس عليها أفضل من الجلوس على الأرض، لكن تواضعا منه عليه الصلاة والسلام، جلس على الأرض. قال: وصارت الوسادة بيني وبينه، يعني بين النبي ﷺ وبين عبد الله بن عمر. ثم قال: أما يكفيك من كل شهر ثلاثة أيام؟ يعني أنت تصوم من كل شهر ثلاثة أيام. وصوم ثلاثة أيام من كل شهر صوم الدهر، كما قال النبي ﷺ؛ لأن الحسنة بعشر أمثالها، فصوم ثلاثة أيام بثلاثين حسنة. والنبي ﷺ يقول: «صوم شهر الصبر، وثلاثة أيام من كل شهر، صوم الدهر». فأرشده أن يقتصد، وأن يصوم ثلاثة أيام من كل شهر. فقال عبد الله بن عمر: قلت: يا رسول الله، يعني زدني، أجد قوة وعندي همة ونشاط، قال: خمسا، يعني صوم خمسة أيام من الشهر، قال: يا رسول الله زدني، قال: سبعا، قلت: يا رسول الله زدني، قال: تسعا، قلت: يا رسول الله، قال: إحدى عشرة. وهذا نصف الشهر، معنى أنه سيصوم يوما ويبطر يوما، أو يعني بتقريبا. ثم قال: قلت: يا رسول الله، يعني زدني، أريد أكثر من ذلك، قال: لا صوم فوق صوم داود شطر الدهر، صيام يوم وإفطار يوم، لا زيادة على ذلك. هذا لمن أراد الإكثار، فهذا أكثر ما يجوز صيامه. الشاهد من الحديث هو قوله: «فألقيت له وسادة من أدم حشوها ليف». الشاهد هو هذا، فيه جواز تقديم الوسادة، من باب الإكرام. وكذلك أيضا الإحسان إلى الزائر والضيف. والحديث الثاني: حديث عبد الله بن بسر، أن النبي ﷺ مر على أبيه، وهو بسر، وألقى له قطيفة، فجلس عليها. ألقى للنبي ﷺ قطيفة، القطيفة: تكون من قماش أو شيء من ذلك مما ينسج، حتى يجلس عليها الجالس. وهذا أيضا فيه استحباب إكرام الضيف والزائر بذلك، أن يفرش له شيء تحته يجلس عليه، من قطيفة أو فراش أو حصير أو شيء من ذلك. ولا يجلس على الأرض. قال: فألقى له قطيفة، فجلس عليها. القطيفة أو الوسادة أو أي شيء يكرم به من مثل ذلك، فهذا أمر مستحب. هذا هو الشاهد من ذكر هذا الحديث في هذا الباب.

شاركنا على