الدرس في كتاب الصيام 13، ألقاها
يستحب صيام أيام معينة مثل أيام البيض والاثنين والخميس لما لها من فضائل وأجر عظيم. هذه الأيام لها ميزة خاصة في السنة النبوية.
يُكرَه إفراد يوم الجمعة بالصيام، بينما لا كراهة في صيامه مع يوم قبله أو بعده. كما ناقش آراء العلماء حول صيام السبت والأحد.
الصائم المتطوع له حرية الفطر دون قضاء، بينما الحج والعمرة يجب إتمامهما وقضاء ما تم إفساده لوجوب الإتمام كما أمر الله تعالى.
المقطع ينتهي بالصلاة والسلام على النبي محمد وآله وصحبه، وهذا الختام يعبر عن التوقير والاحترام للنبي.
الحمد لله رب العالمين، الصلاة والسلام على أشرف الخلق والمرسلين، نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين. أما بعد، قال المؤلف رحمه الله: ويستحب صيام أيام البيض والاثنين والخميس من الصيام التطوع المستحب. صيام أيام البيض وهي الثالث عشر، والرابع عشر، والخامس عشر من كل شهر، كما ورد في حديث أبي ذر رضي الله تعالى عنه أن النبي عليه الصلاة والسلام قال: «إذا صمت من الشهر ثلاثا فصم ثلاث عشرة، وأربع عشرة، وخمس عشرة». رواه الترمذي. وسميت أيام البيض بهذا الاسم لحصول البياض في لياليها بنور القمر. وصيام أيام البيض هذه الثلاثة الأيام من كل شهر هو الأفضل والأحسن، وإلا فيجوز أن يصام ثلاثة أيام يعني من كل شهر، ولو كانت غير هذه الثلاثة الأيام، فالنبي صلى الله عليه وسلم أخبر أنه من صام ثلاثة أيام من كل شهر فإنه مثل صيام الدهر. وفي حديث عائشة أن النبي عليه الصلاة والسلام كان يصوم من الشهر ثلاثا، لا يبالي من أول الشهر صام أو من أوسطه أو من آخره. فيدل على أنه يجوز أن تصام هذه الثلاثة الأيام من أول الشهر أو من وسط الشهر أو من آخر الشهر، وأنه إذا صامها على هذا الوصف فإنه يكتب له أجر صيام الثلاثة الأيام التي تعدل بصيام الدهر، وذلك أن الحسنة بعشر أمثالها، فصيام ثلاثة أيام بمنزلة صيام ثلاثين يوما من كل شهر. لكن الأفضل والأكمل هو صيام أيام البيض من الشهر، الثالث عشر، والرابع عشر، والخامس عشر. وقد أوصى النبي عليه الصلاة والسلام بصيام ثلاثة أيام من كل شهر، أوصى بذلك أبا هريرة، وأبا الدرداء، وأبا ذر. فإذا أراد المسلم أن يصوم صياما مستحبا فمما يستحب هذه الصيام ثلاثة أيام من كل شهر، والأفضل أن تكون أيام البيض. قال: والاثنين والخميس أيضا من الصوم المستحب، الصوم يوم الاثنين ويوم الخميس من كل أسبوع، وذلك لإخبار النبي عليه الصلاة والسلام حين سئل عن صيامه ليوم الاثنين والخميس قال: «فيه ترفع أو تعرض أعمال الناس، فأحب أن يعرض عملي وأنا صائم». أخبر بأنه تعرض أعمال الناس يوم الاثنين والخميس. قال: «فأحب أن يعرض عملي وأنا صائم». وهذا الحديث رواه أبو داود وغيره، وهو صحيح. وأخبر النبي عليه الصلاة والسلام كذلك لما سئل عن صومه ليوم الاثنين قال: «ذاك يوم ولدت فيه، وبعثت فيه، وأنزل علي فيه». وصوم الاثنين أوكد استحبابا من يوم الخميس لكثرة الأسباب التي ذكرها النبي عليه الصلاة والسلام لصيامه لهذا اليوم. إذن يستحب صيام الاثنين والخميس من كل أسبوع. وأما بقية الأيام فهل معنى ذلك أنه لا يستحب صيامها؟ الجواب: نعم، يجوز صيامها ويستحب على جهة الإطلاق، يعني ليس على جهة التعيين كالاثنين والخميس. لو أراد صائما يصوم يوم الأربعاء أو يوم الثلاثاء يعني مرة في الأسبوع أو أحيانا، ليس على سبيل الاعتياد ولا على سبيل التعيين، فهذا جائز. أما على سبيل التعيين فالمستحب الاثنين والخميس. وهناك أيام يكره صيامها، يوم الجمعة، يوم الجمعة يكره إفراده بالصيام للحديث الصحيح الوارد في النهي عن ذلك، كحديث أبي هريرة في الصحيحين: «لا تخص يوم الجمعة بصيام، ولا ليلته بقيام». وفي حديث جويرية أن النبي عليه الصلاة والسلام دخل عليها وهي صائمة يوم الجمعة، قال: «أصمت أمس؟» قالت: لا. قال: «أتصومين غدا؟» قالت: لا. قال: «فأفطري». وفي حديث أبي هريرة في مسلم قال عليه الصلاة والسلام: «لا تصوم يوم الجمعة إلا أن تصوم يوما قبله أو يوما بعده». فهذه الأحاديث تدل على كراهية إفراد يوم الجمعة بالصيام، لكن إذا صامه الإنسان بأن صام يوما قبله هو الخميس، أو صام يوم السبت بعده، فهذا لا كراهة فيه، أو صادف صياما معتادا له كصوم يوم وإفطار يوم، فهذا أيضا لا شيء فيه. وكره بعض أهل العلم كذلك إفراد يوم السبت بالصيام، قالوا لورود الحديث في ذلك، حديث صماء بنت بسطام أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «لا تصوموا يوم السبت إلا فيما افترض عليكم، فإن لم يجد أحدكم إلا لعاب تمر، أو عود خشب، أو لحاء شجر فليمضغه». هذا الحديث رواه بعض أهل السنن، واختلف في صحته، وقد حكم عليه بالاضطراب، وحكم عليه بالشذوذ وبالضعف، وبعض أهل العلم يحسنه. لكن هذا الحديث كما قال بعض أهل العلم، منهم العثيمين رحمه الله، في متنه شذوذ ونكارة. وجه ذلك أن النبي صلى الله عليه وسلم يقول في هذا الحديث: «لا تخصوا أو لا تصوموا يوم السبت إلا فيما افترض عليكم»، يعني لا تصوموه إلا صوم فريضة كصيام رمضان، أو صيام نذر، أو قضاء. فكيف نفعل بالحديث التي وردت وسمعنا ذكرها قبل قليل التي فيها جواز صيام يوم الجمعة مع السبت؟ في حديث جويرية قال: «أتصومين غدا؟» يعني السبت. وقال: «لا تخصوا يوم الجمعة بصيام إلا أن تصوموا يوما قبله أو يوما بعده»، والذي بعده هو السبت، وصيامه في هذا الحال هو صوم مستحب، وليس صوم واجب. وفي الحديث: «لا تصوموا يوم السبت إلا فيما افترض عليكم»، يعني فيما كان صوما واجبا. وهذه الأحاديث أصح من ذلك، منها ما في الصحيحين، ومنها ما رواه مسلم، فهي أصح من هذا الحديث. فهذا يدل على وجود النكارة والشذوذ في متن هذا الحديث. وعلى ذلك فإنه لا يكره إفراد يوم السبت بالصيام. ويبقى يوم الأحد، بعض أهل العلم قال: يستحب صيامه مخالفة للنصارى لأن النصارى يتخذونه عيدا، ومن لوازم الفرح والعيد الأكل والشرب، فيخالفون بذلك بالصيام. ومنهم من قال بعكس ذلك، بأنه يستحب فطره، لأن صيامه من التعظيم له، فيكون في ذلك مشابهة لهم، أو مشاركة لهم في تعظيمهم لهذا اليوم. ولم يأت في الشرع شيء يخص ذلك بصيامه أو عدم صيامه، فالأصل هو الإباحة. فلم يثبت كراهة صيام شيء من أيام الأسبوع إلا يوم الجمعة، كراهة إفراده بالصيام. وما ورد في الاستحباب صوم الاثنين والخميس، وغيرها من الأيام، فيجوز صيامها ويستحب على جهة الإطلاق. كقول النبي صلى الله عليه وسلم: «من صام يوما في سبيل الله، باعد الله وجهه عن النار سبعين خريفا». لو صام الإنسان يوم الأربعاء أو يوم الثلاثاء فإنه ينال هذا الأجر إن شاء الله، لكن تعود أو استمرار والاعتياد على صيام أيام محدودة من كل أسبوع، هذا الذي ورد في استحبابه هو يوم الاثنين والخميس. قال: والصائم المتطوع أمير نفسه، إن شاء صام وإن شاء أفطر، ولا قضاء عليه. الصائم المتطوع يعني المتنفل بالصيام أمير نفسه، يعني هو مخير ومالك لأمره، إن شاء صام واستمر في الصيام، وإن شاء أفطر إذا أصبح وهو صائم مثلا يوم الاثنين، ثم بدا له أن يفطر، له ذلك، لأن هذا الصوم ليس بواجب، إنما هو مستحب. فله أن يفطر، وإن كان الأولى إن لم يكن هناك سبب الأولى أن يستمر في صيامه وينال الأجر الصيام. لكن لو بدا له أن يفطر فله ذلك لأنه ليس بواجب. لكن كما قلنا قد يكون هناك سبب للفطر، مثلا قدم عليه ضيف، ولا شك أن الضيف يحب من صاحب البيت أن يأكل معه، فإذا كان هذا أطيب لخاطره فالأولى أن يفطر. أو دعيت إلى طعام أو وليمة وأنت صائم، وفطرك أطيب لخاطر صاحبك صاحب الوليمة، فهنا تفطر والأمر في ذلك واسع، فالصوم هذا مستحب وليس بواجب. وعلى كل لو أفطر من غير سبب فليس عليه شيء لأنه ليس بواجب. والنبي صلى الله عليه وسلم كان يدخل على عائشة رضي الله عنها فيقول: «هل عندك من طعام؟» فتقول: لا. فيقول: «إني صائم». وإن كان هناك طعام أكل. فالصوم المستحب إذا شاء الصائم استمر في الصيام، وإن شاء أفطر ولا قضاء عليه. قال: وكذلك سائر التطوع، سائر التطوع يعني نوافل العبادة إذا قطعها الإنسان فليس عليه قضاء، ليس عليه قضاء في فعلها لأنها ليست بواجبة في الأصل. قال: إلا الحج والعمرة، إلا الحج والعمرة، قال: فإنه يجب إتمامهما وقضاء ما أفسد منهما. الحج والعمرة يجب الاستمرار فيهما ولو كان نفلا، بقول الله جل وعلا: ﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ﴾. أمر الله جل وعلا بإتمام الحج والعمرة، فيجب إتمامهما وقضاء ما أفسد منهما، يعني لو أفسد عمرته أو أفسد حجه فعليه أن يتم الحج، عليه أن يتمه. كأن مثلا يأتي أهله في الحج قبل التحلل الأول، قبل التحلل الأول بات في مزدلفة فأتى أهله هنا فسد حجه. قال العلماء: عليه أن يستمر في الحج، وعليه التوبة، وعليه بدنة، وعليه قضاء هذا الحج. وبهذا أفتى الصحابة رضي الله تعالى عنهم. لماذا يستمر؟ لأن الحج والعمرة أمر الله جل وعلا بإتمامهما. أما غيرها من النوافل إذا أفسدها فليس عليه قضاؤها، لو أن الإنسان صلى ركعتين صلاة نافلة ثم قطعها، ليس عليه قضاؤها لأنها ليست بواجبة. أو صام مثلا ثلاثة أيام من كل شهر، صام يوما ثم أفطر في أثناء هذا اليوم، ليس عليه قضاء إلا الحج والعمرة فعليه قضاؤها إذا أفسدها. وصلى الله وسلم على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.