التعليق على منظومة الزمزمي  6

التعليق على منظومة الزمزمي 6

الدرس في التعليق على منظومة الزمزمي 6، ألقاها الشيخ أبو هاشم جمال بن سرور

تعريف القرآن وتفسير كلمة القرآن

يتناول هذا الفصل تعريف القرآن وتفسير كلمة القرآن، حيث يشرح معنى كلمة القرآن وهل هي مشتقة أم جامدة، مع ذكر آراء العلماء في أصل الكلمة ومعناها. يُوضح أيضًا الخلاف بين الإمام الشافعي والجمهور في هذا الشأن.

تعريف القرآن وضوابطه والفروق بينه وبين الأحاديث

يتناول هذا الفصل تعريف القرآن وبيان ضوابطه، حيث يُعرّف بأنه كلام الله المنزل على محمد صلى الله عليه وسلم، ويُستدل على ذلك من الآيات القرآنية والأحاديث النبوية. كما يُبيّن الفروق بين القرآن والأحاديث القدسية والنبوية.

الإعجاز اللفظي للقرآن وتحدي الله للخلق ومفهوم الصرفة

يتناول هذا الفصل الإعجاز اللفظي للقرآن وتحدي الله للخلق أن يأتوا بمثله أو بسورة واحدة، مع توضيح مفهوم الصرفة وبيان بطلانه. يُظهر أن الإعجاز هو في عجز العرب عن الإتيان بمثل القرآن رغم إرادتهم وقدرتهم الظاهرية.

التفريغ النصي الكامل

إن الحمد لله نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا. أما بعد، قال المؤلف رحمه الله تعالى: مقدمة. مر معنا في درس أمس ما يتعلق بهذه الكلمة، وأنها تقال مقدمة، ومقدمة بكسر الدال أو بفتحها هو الأشهر الكسر، كما في قوله تعالى: ﴿يا أيها الذين آمنوا لا تقدموا بين يدي الله ورسوله﴾. وهنا قال بعض الشراح: لأن المؤلف قال «المقدمة»، لكان أصوب «المقدمة» بالتعريف. لماذا؟ لأنه في الشطر الماضي أو في البيت السابق قال: «وقبلها لابد من مقدمة»، ثم هنا عُنونا المؤلف بقوله «مقدمة». لو تلاحظ هنا عُبر بالنكرة، وفي البيت السابق عُبر بالنكرة. وعند البلاغيين أن الإتيان بالنكرة ثم إعادتها مرة أخرى نكرة بمعنى أن الأول ليس الثاني، هذا شيء وذاك شيء. مثال ذلك تقول: جاء رجل وقام رجل، رجل نكرة وقام رجل آخر، ما الذي يتبادر إلى ذهنك؟ أن الذي قام ليس هو الذي جاء، هذا شخص وهذا شخص. كيف عرفتها؟ لأنك ذكرت نكرة، فإذا قلت: جاء رجل، إذن مباشرة تقول: هذا شخص آخر، وهذا شخص آخر؛ لأن هذا الأصل أن إعادة النكرة تأتي بنكرة ثم تأتي بها نكرة مرة أخرى، إذن الثاني ليس الأول. لما قال مؤلفنا رحمه الله تعالى في هذا البيت الأول: «وقبلها لابد من مقدمة» نكرة، ثم قال «مقدمة» نكرة، إذن كأنه ذكر شيئًا، مقدمة ليست هذه المقدمة التي بين أيدينا. ولو أنه عرف هنا، لو قال «المقدمة»، إذن سترجع هذه المعرفة إلى النكرة الأولى. وفي هذا ذاك الحديث الذي اشتهر عند الناس: «لن يغلب عسر يسرين»، على صحة أعله شيخ الألباني رحمه الله تعالى. وما معنى هذا في قوله تعالى: ﴿إن مع العسر يسرى إن مع العسر يسرى﴾؟ في الحديث على صحته: «لن يغلب عسر -عسر واحد- يسرين»، من أين جاء التثنية؟ من آية: ﴿إن مع العسر يسرى﴾ نكرة، ﴿إن مع العسر يسرى﴾ نكرة ثانية، إذن هذا شيء، وهذا شيء. ففي إعادة النكرة تحسب كل على خلاف الثانية، أن هذا شيء، وهذا شيء. فلهذا فكان ملف لو ذكر ذلك لكان أصوب، إلا أن بعض العلماء خرج على هذه القاعدة، وقال: هذا ليس دائمًا، بل أحيانًا تعاد نكرة نكرة وتؤول إلى أمر واحد. مثال ذلك قوله تعالى: ﴿وهو الذي في السماء إله وفي الأرض إله﴾، إله وإله، ومن هو المعني؟ هو الله سبحانه وتعالى. وهنا ذكرت النكرة وأعيدت نكرة، فما المقصود بالنكرة هنا؟ هو الله سبحانه وتعالى. فهذا خروج عن القاعدة، فلهذا أحيانًا تعاد النكرة مرة أخرى ويكون المعنى به واحد. قال المؤلف رحمه الله تعالى: «مقدمة»، فذاك ما على محمد نزل، ومنه الإعجاز بسورة حصل. أسلفنا كما أشار المؤلف رحمه الله تعالى إلى أن في هذه المقدمة سيتكلم حول المصطلحات المتعلقة بهذا الفن بعلوم القرآن. وأول مصطلح أراد أن يبينه لنا ما يتعلق بكلمة القرآن، ما هو القرآن؟ فقال رحمه الله تعالى: «فذاك ما على محمد نزل». فذاك: هذا اسم إشارة، ما المشار إليه؟ القرآن. وهنا لماذا عبر باسم الإشارة الدال على البعيد «فذاك»؟ ذاك البعيد، وهذا ما أخذ من قوله تعالى: ﴿ذلك الكتاب لا ريب فيه﴾. فهذا البعد استخدام اسم إشارة دال على البعد على كتاب الله، خرج مخرج التعظيم، أي أن هذا الكتاب أمره بعيد، ليس كل أحد يناله، ليس كل أحد يبلغ معرفة أسراره، بمعرفة معانيه، والحوز لما تضمنه من علوم. فـ«فذاك» قلنا: اسم الإشارة يعود على القرآن، وهو الآن بصدد أن يبين لك ما معنى القرآن. والقرآن إخوانًا من باب: كذلك الفائدة، اختلف العلماء في بعض الحيثيات في أصل هذه الكلمة، وهي: هل كلمة القرآن هل هي مشتقة أم جامدة؟ هل كلمة القرآن مهموز أو غير مهموز؟ معنى: هل هو مشتق أم جامد؟ بمعنى: هل القرآن له معنى هذا الاسم؟ هل له معنى يدل عليه مشتق أم أنه جامد ليس له معنى، وإنما هو علم مجرد، علم مجرد. ما معنى علم مجرد؟ أي إنما هو لقب أطلق على هذا الكتاب، مثل ما أطلق على الكتب السابقة «تورا»، ما معنى التورا؟ تورا اسم أنزل على هذا الكتاب الذي جاء به موسى عليه السلام. «إنجيل» ما معنى الإنجيل؟ هو اسم سمي به هذا الكتاب الذي أنزله الله على عيسى، فهي أعلام تطلق، يعني مثل ما هذا المكان «فلان» بمكان «فلان»، ما هذه البقعة؟ «فلان»، ما اسمك؟ سعيد، هذه أسماء هل لها معاني؟ لا، أسماء ترتجل. جاءك مولود، أيش تسميه؟ صالح على بركة الله، هل لها معنى؟ صالح اسم، اسم ليس له اشتقاق ولا معنى. فبعض العلماء يرى أن القرآن هو عبارة عن اسم علم فقط، جعله ربنا على هذا الكتاب المنزل، ليس له معنى، وهذا الذي ذهب إليه الإمام الشافعي رحمه الله تعالى. ذهب الشافعي لهذا كما ذكر ذلك عنه البيهقي وجماعة، وكان يقول من عباراته بمعناها: قالوا: أننا قلنا بأن القرآن مأخوذ من «قراءة الكتاب» أو من «قرأته الشيء»، لكان كل ما يقرأ قرآن، فتحرز من هذا الإلزام، وجعل أن القرآن ماذا؟ اسم علم ليس له معنى، ليس مشتقًا. وأيضًا من باب الفائدة، عند الشافعي أن القرآن يكون غير مهموز، ينطق: هذا قرآن، قرآن ليس بالهمز، لا يقال «قرآن» إنما «قرآن» بغير همز، على وزن «فعال»، على وزن «فعال». هذا ما يتعلق بقول من يقول بأنه علم يطلق، قرآن اسم علم ليس له اشتقاق، ليس له معنى. والجمهور على خلاف ذلك، جمهور العلماء على أن القرآن له معنى هذا الاسم أطلق على كتاب الله الذي بين أيدينا، وهو مأخوذ من معاني. وما هو المعنى؟ هنا تم الخلاف بين العلماء في معرفة من أين جاءت هذه الكلمة، لماذا سمي هذا الكتاب بالقرآن؟ على تفاوت، على تفاصيل. خلاصتها: منهم من ذهب إلى أن القرآن إنما أخذ من الإقتران؛ لأن فيه قرن الشيء بشيء، إقتران، قرن الشيء بشيء؛ لأن القرآن كله من أوله إلى آخره عبارة عن إقتران آية بآية، سورة بسورة متتابعة، فهذا الإقتران موجود فيه، سمي القرآن قرآنًا لظاهرة الإقتران الموجود فيه. ومنهم سمي القرآن قرآنًا للقراء، كما قال الفراء: سمي القرآن قرآنا للقراء، معنى قراء: أن كل ما فيه يدل على الآخر، تجد هذه الآية يدل عليها تلك الآية، وهذه السورة يدل عليها تلك السورة، فكل ماذا؟ يكون قرين للآخر، فسمي قرآنًا بهذا؛ لأنه فيه قراء. والأكثر إخواني في الله على أن القرآن مأخوذ من «قرأ»، مأخوذ من «قرأ». وما معنى «قرأ»؟ «قرأ» إخواني في الله من الألفاظ المشتركة، من الألفاظ المشتركة. من كان معنا في كتاب شيخ الإسلام «مقدمة في أصول التفسير»، علمنا أن الألفاظ المشتركة أو الأسماء المشتركة هي التي تتحد لفظًا وتختلف معنى. تتحد في الذات، تتحد في اللفظ وتختلف في المعاني. مثال ذلك: «العين»، لو تذكرون مثل شيخ الإسلام بكلمة «العين»، «العين» تطلق على ماذا؟ «العين» كلمة واحدة لكن تطلق على عدة أشياء: «العين» هذه الجارحة، «العين» عين الماء، «العين» على الجاسوس، كلها تسمى «عين»، «عين الماء» الينبوع، كل هذه تسمى «عين»، هي كلمة تطلق على عدة معاني. فتسمى ألفاظ مشتركة، كلمة «قرأت» «قرأ» أو قل «قرأ» تدل كذلك على الاشتراك، فتأتي «قرأ» بمعنى التلاوة، وتأتي كذلك بمعنى الجمع، بمعنى الجمع: «قرأت الماء بالحوط» أي جمعته، جمعته. فيأتي هذا وهذا، هذا معنى «قرأ» أن تأتي أحيانًا بمعنى التلاوة: «قرأ الكتاب» بمعنى تلا الكتاب، وأحيانًا «قرأ» تأتي بمعنى جمع. فـ«قرآن» قرآن هو مصدر، إما أنه مصدر مأخوذ من «قراءة» بمعنى تلا، فيكون بمعنى المفعول، أي أنه «مقروء»، أي أنه مقروء، فهذا الكتاب يقرأ بكثرة، ما يقرأ، سمي قرآنا. سمي قرآنا هذا على قول، إذا قلنا أن القرآن مصدر مأخوذ من «قراءة» وهو بمعنى تلا، فيكون بمعنى المفعولية. أو على القول الثاني: بأن القرآن مأخوذ من «قراءة» الذي بمعنى جمع، فيكون هذا القرآن مصدر مأخوذ من معنى «قراءة» الذي بمعنى جمع، فيكون بمعنى اسم الفاعل، بمعنى جامع. أي أن هذا القرآن جامع، لماذا؟ أظهر كما بين ذلك بعض العلماء: أظهر أنه جامع لما كانت عليه الكتب السماوية، كل ما كان في الكتب السماوية فإنها موجودة في القرآن، ﴿وأنزلنا عليك الكتاب بالحق مصدقًا لما بين يديه ومهيمنًا عليه﴾، فالقرآن هو خلاصة الكتب السماوية، فهو قد جمع كل ما فيها، جمع كل ما فيها، فسمي قرآنًا لأنه جامع، لأنه جامع. إذن خلاصة إخواني في الله: القرآن الأصل أنه ماذا؟ لأنه إما مأخوذ من «قرأ»، مأخوذ من «قراءة»، لكن الصحيح أنه مأخوذ من «قراءة»، فتكون الهمزة فيه أصلية على الوزن «فعلان»، قرآن على الوزن «فعلان»، تكون الهمزة أصلية لا تكون زائدة. القول الصحيح ويقول: إما مأخوذ من «قرأ» بمعنى التلا، أو «قرأ» بمعنى جمع. وحينها سنفهم ما المقصود بأن القرآن مأخوذ من «قرأ» بمعنى من تلا؟ أي أن القرآن متلو، أو أن القرآن مأخوذ من «قراءة» الذي بمعنى جمع؟ أي أنه جامع. قال رحمه الله تعالى: «فذاك ما على محمد نزل»، «ما» اسم موصول مبهم، فعلى ماذا يحمل هذا الإبهام؟ ما هو الذي أنزل على رسول الله؟ هو كلام الله، «فذاك ما» بمعنى هو كلام الله، هذا الشيء هو الذي أنزل على محمد، وهو من أصل القرآن؛ لأن القرآن هو كلام الله. وهذا يتأتى على مذهب أهل السنة والجماعة الذي يصرحون بأن الله عز وجل قد تكلم، وكلام الله حقيقي ليس مجازي، وأن الله عز وجل تكلم بصوت، وهذا مضاف هذا المباحث إخواني في الله في باب العقيدة. وهناك الأدلة الكثيرة الدالة على ما عليه مذهب السلف من أن الله عز وجل قد تكلم، وأن من كلام الله القرآن، فالقرآن ليس كله كلام الله، القرآن شيء من كلام الله، والأدلة على ذلك كما في قوله تعالى: ﴿وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلَامَ اللَّهِ﴾، ﴿حَتَّى يَسْمَعَ كَلَامَ اللَّهِ﴾. وكذلك في قوله عليه الصلاة والسلام: «إن قومي منعوني أن أبلغ كلام الله». فهذا القرآن هو كلام الله سبحانه وتعالى، تكلم به ربنا حقيقة، سمعه جبريل، ثم نزل به على نبينا عليه الصلاة والسلام. لا نقول كما تقول الأشاعرة: بأنه كلام نفسي، ولا نقول كما تقول المعتزلة: بأنه مخلوق، خلقه الله في الهواء أو خلقه الله في شجرة أو جعله الله في روع جبريل، بل هو كلام تكلم به ربنا سبحانه وتعالى حقيقة. قال: «فذاك ما على محمد نزل»، «ما» على محمد، إذن القرآن تعرفه: كلام الله، كلام الله الذي أنزله، أنزله ربنا عز وجل. وبهذا ما الذي خرج بهذا الضابط؟ خرج بهذا الضابط: ما كان من الأمور التي استأثر الله بها، فهناك أمور استأثر الله بها، ما تسمى قرآنا؛ لأننا نحن في طور ذكر ما هي القيود التي بها يعرف أن هذا هو القرآن. من هذه القيود أولًا: أنه كلام الله، إذن خرج بهذا القيد ماذا؟ ما سواه، كلام البشر، كلام الكائنات، كلام غير هؤلاء، كل هؤلاء كلامهم ما يعتبر قرآنا؛ لأن القرآن إنما هو كل ما كان من كلام الله. هذا القيد الأول، القيد الثاني: أن يكون منزلًا، أنزله ربنا عز وجل. وما الذي خرج بهذا؟ أخرج العلم بهذا القيد: ما استأثر الله به سبحانه وتعالى، ما كان من كلامه إلا أن الله استأثر به، فهذا لا يعد قرآنا. وخرج بذلك أيضًا الأحاديث، الأحاديث بنوعيها القدسية والنبوية، حديث قدسي، حديث نبوي، فهذا لا يعد قرآنا؛ لأنه إن كان قد نزله ربنا عز وجل أوحى به إلى نبيه، لكن ألفاظه ليست من الله سبحانه وتعالى. وهذه من الفروق بين الأحاديث وبين القرآن: أن القرآن لفظه ومعناه من الله سبحانه وتعالى، لفظه ومعناه من الله. أما الأحاديث فإن معناها أو لفظها -معناها- من الله عز وجل، أي كوحي، لكن لفظها والتعبير بها من رسول الله عليه الصلاة والسلام. فما تأتي مسألة وهي في ذكر الفروق بين الأحاديث وخاصة القدسية مع القرآن، ذكر العلماء إلى ستة أو سبع فروق في هذا الصدد. وهذا حقه في المطولات، لكن نعلم الذي أراده المؤلف رحمه الله تعالى: «فذاك ما على محمد نزل»، أن هذا أخرج الذي لم ينزل من كلام الله، أو نزل لكن لم يكن بلفظه، مثل ماذا؟ مثل الأحاديث، فإنها لا تسمى قرآنا. «فذاك ما على محمد نزل»، وهذا الضابط كذلك أن يكون هذا الكلام كلام الله المنزل، يكون أنزل على محمد عليه الصلاة والسلام، أنزل على محمد عليه الصلاة والسلام، لماذا؟ لأن هناك كلام الله وقد أنزل، لكن ما يعد قرآنا. هناك كلام الله وقد أنزل وما يعد قرآنا، لماذا ما يعد قرآنا؟ لأنه ما نزل على محمد عليه الصلاة والسلام، وإنما نزل على إبراهيم وهي الصحف، نزل على داود وهي الزبور، نزل على عيسى وهو الإنجيل، ونزل على موسى وهي التوراة. فهذه الكتب هي نعم كلام الله، وهي منزلة من عند الله عز وجل بألفاظها ومعانيها، لكن ما جعلناها قرآنا، لماذا؟ لأن هذا القيد قد تخلف، وهو أنها ما أنزلت على محمد عليه الصلاة والسلام. إذن القرآن من ضوابطه: وكلام الله المنزل على محمد عليه الصلاة والسلام. قال: «فذاك ما على محمد نزل، ومنه الإعجاز بسورة حصل». «ومنه الإعجاز» هذا كذلك يجعله بعض العلماء القيد الرابع في معرفة القرآن، وهو الذي يعبر بعضهم بقولهم: بأنه معجز بلفظه، أنه معجز بلفظه، فهذا يكون ماذا؟ من حد، من معنى القرآن: أنه كلام الله المنزل على محمد عليه الصلاة والسلام المعجز بلفظه. المعجز بلفظه، فطبعًا هناك قواعد أو ضوابط أو قيود أكثر من هذا، لكن نكتفي بما اكتفى به المؤلف رحمه الله تعالى؛ لأن شيخنا رحمه الله تعالى فسر في النقاية القرآن بهذا الذي ذكره المؤلف رحمه الله تعالى: هو الكلام المنزل على رسول الله صلى الله عليه وسلم المعجز بلفظه. والقرآن معجز، وهو معجزة، وقد تحدى الله سبحانه وتعالى به الخلق جميعًا، ليس أهل مكة بل جميع الإنس، وليس البشر بل حتى الجن، بل حتى الجن تحداهم ربنا عز وجل أن يأتوا بمثل هذا القرآن. وكان هذا التحدي على مراحل كما قال علماء، كان من مراحل التحدي: أن الله تحداهم أن يأتوا بمثل هذا القرآن، أن يأتوا بمثله بكماله وتمامه، ما استطاعوا ولن يستطيعوا، ثم كان التحدي بعشر سور، بعشر سور من مثله فقط، ليس القرآن بأكمله، عشر سور تحداهم الله بها، فما استطاعوا. حتى وصل التحدي أن الله عز وجل تحداهم أن يأتوا بسورة بسورة واحدة فقط، يتحدون، «أدعوهم هم العرب الذين لا أحد يدانيهم» -يعني هذا الميدان هو ميدانهم- ميدان الفصاحة والبلاغة وقوة العبارة والجزالة في الألفاظ والمعاني، هذا لا يشكهم غبار، العرب قد عرفوا هذا، بل هذا فنهم. ما هناك أمة تتحدى العرب في هذا الباب، في باب البلاغة والفصاحة، فكلهم أذناب، وقوة بيان ومع ذلك تحداهم ربنا من جنس ما قد تمكنوا فيه، في البلاغة تحداهم ربنا بالقرآن، بسورة، بسورة، ومع ذلك ما استطاعوا، ما استطاعوا أن يقوموا وأن يأتوا بهذا القرآن، ولا على منواله، ولا على منواله. طبعًا يا إخواني في الإعجاز إعجاز القرآن كثير، صور الإعجاز كثير جدًا في القرآن، وقد تنوعت صور الإعجاز حتى أوصلها بعض العلماء إلى أنها تؤول وتعود إلى سبعة أنواع من أنواع الإعجاز، بعضهم بالغ وجعلها إلى عشرة أنواع من أنواع إعجاز القرآن. منها جعل إعجاز في لفظه وبيانه وفصاحته، ومنها جعل إعجاز في حكمه وأحكامه وتشريعاته، ومنها جعل إعجاز في تأثيره على القلوب والنفوس، زد على ذلك أنواع كثيرة. قال: «فذلك ما على محمد نزل، ومنه الإعجاز بسورة حصل». طيب الإعجاز، الإعجاز القرآن، وأن الناس قد عجزوا أن يأتوا بمثله، هل كل القرآن الإعجاز حتى في سورة؟ حتى في سورة؟ بقي مسألة أحيانًا قد تسمع بعضهم يعبر عن هذا، وهو: هل يمكن التحدي والإعجاز في آية واحدة؟ هل يكون التحدي والإعجاز في آية واحدة؟ هذا ما وقع، الله عز وجل إنما تحدى العرب وأعجزهم على الإتيان بسورة واحدة، أما آية لم يأت هذا؛ لأن إخواني في الله من الآيات من الآيات ما تعد ماذا؟ كلمة واحدة، آية «مدهامتان» في سورة الرحمن، كلمة هذه آية انتهت. أو «ثم نظر»، «ثم عبس وبسر»، «ثم نظر»، هل ما يمكن لأحد أن يأتي «ثم نظر»؟ يقول: هذا من القرآن، سأتحدى القرآن وسأتي بآية أنافس بها القرآن، سأتي يأتي بعبارة على نفس هذا الوزن «ثم نظر»، أو «مدهامتان»، يتحدى بها القرآن، ويأتي بكلمة مثنى، يقول: هذا مثل ذاك. لهذا إخواني ما ثبت وما جاء أن الله تحدى العرب آية، أقل ما ذكر: سورة، سورة واحدة. طيب ما هي أصغر سورة في القرآن؟ يقول علماء: «الكوثر»، كم عدد الآيات؟ ثلاثة، إذ لم نكن نحسب البسملة، على من ذهب الجمهور هي ثلاث آيات، على من يرى أن البسملة لآية تابع للسورة فيجعلها أربع آيات. لكن على قول جمهور: ثلاث آيات، فيقول علماء: إذن التحدي إنما كان على سورة، فكل ما هي سورة فإن الله تحدى بها العرب، كل ما هو سورة. قال: هو أدنى سورة «الكوثر»، إذن الله تحدى العرب أن يأتوا بمثل سورة «الكوثر»، إذن سورة «الكوثر» ثلاث آيات. قال علماء: أو ما كان بمثل مقدار «الكوثر»، وهي ثلاث آيات، يمكن أن تأتي إلى ثلاث آيات تتحدى بها الناس أن يأتوا على غرارها، وأن يأتوا على منوالها. فتنبه بهذا، قد لهذا ماذا قال المؤلف رحمه الله تعالى؟ قال: «ومن الإعجاز بسورة»، ما قال «بآية»، «بسورة»؛ لأن هذا أدنى ما جاء فيه التحدي، أن الله أعجزهم على أن يأتوا بسورة واحدة، أي سورة. إن أردتم أن تأتوا بسورة طويلة فالمجال لكم، وإن أردتم أن تتحدوا القرآن بأن تأتوا على منوال أصغر سورة، فهذا يدخل في التحدي. وكم أصغر سورة؟ «الكوثر»، من ثلاث آيات، فتحداهم ربنا بأصغر بما يسمى سورة، ومما يسمى سورة «الكوثر»، فإذا أراد أحد، فالتحدي الذي أقامه ربنا على أهل الكفر إلى يوم الدين، إلى أن يأتوا بمثله، السورة «الكوثر»، أو ما كان على منوالها، أو ما كان أكبر منها، مثل «آية الدين»، «آية الدين» هي آية واحدة، لكن في حجمها تعادل «الكوثر» وأكثر من «الكوثر»، أو أكثر من «الكوثر». هنا نبه العلماء على مسألة مهمة ما يتعلق بإعجاز القرآن في لفظه، أن القرآن معجز، القرآن كله معجزة، لكن من الآيات ما هو معجز بذاته، ومنه ما هو معجز بماذا؟ بغيره، معجز بغيره. فمثل «مدهامتان» قد يأتي واحد بأي كلمة، يجعله يقول: انظر هذه الكلمة مثل هذه الكلمة، يقول: انتظر، لكن هذه السابق وهذه اللاحق، وهذه الكلمة التي ستأتي بها سترى أن بضميمة غيرها السابق واللاحق الآيات التبع لهذه الكلمة، أنك لو جئت هنا وجئت هنا، ثم جئت بالكلمة التي ستبدلها تجعل المعنى يختل، المعنى يختل. فهذه آيات قرآنية إعجاز، فيقول بعض المعنى: أن من القرآن كله معجز، لكن من القرآن ما هو معجز بذاته، ومنه ما هو معجز بماذا؟ بضميمة غيره، مثل هذه الآيات التي تكون من كلمة واحدة أو من كلمتين. وبعضهم أدخل القسم، مثل «والضحى» و«الليل»، «والضحى» مثلًا، و«والفجر»، بعضهم جعلها باعتبار أنها كلمة واحدة، إلا بعضهم جعلها جملة ليست كلمة، فالحاصل إخواني في الله المتعلق بهذا الباب: إذا نفهم بقول المؤلف رحمه الله تعالى: أن من تمام تعريف القرآن: هو كلام الله المنزل على محمد عليه الصلاة والسلام المعجز بلفظه. المعجز بلفظه، وإنما يرجع العلماء الإعجاز اللفظي، وإنما كما أسلفنا الإعجاز القرآن له أنواع وصور كثيرة، صور كثيرة، لكن يذكرون الإعجاز باللفظ؛ لأنه هو الذي قام به التحدي؛ لأن هذا الذي قام به التحدي، وإلا كما قلنا: صور الإعجاز كثيرة في كتاب الله سبحانه وتعالى. طيب ما الذي صار؟ أن الله عندما تحدى العرب، ما الذي وقع؟ وقع أنهم عجزوا، أنهم عجزوا، عندهم قدرة، عندهم قدرة على أن يأتوا بمثل القرآن، حاولوا فما استطاعوا، إذن هذا الذي ينبغي أن يفهم: أن مسألة إعجاز إعجاز العرب عن الإتيان بمثل هذا القرآن، هذا دليل على أنه من عند الله. وهذا يجرنا إخواني في الله إلى ما يسمى بالصرفة، ما يسمى بالصرفة، الصرفة إخواني في الله: هذا نوع من أنواع الإعجاز يدعيه بعض المبتدعة، وذكره النظام ومن رؤوس المعتزلة، وتبع على ذلك بعض الشيعة كالمرتضى، وتأثر بهذا القول بعض من ينتسب للسنة. وهو الصرفة: هو أن الله أبعد العرب عن الإتيان بمثل هذا القرآن بالصرفة، ما معنى الصرفة؟ الصرفة معنى: وهو أن الله صرف العرب على أن يأتوا بمثل هذا القرآن، وهم قادرون عليه، انتبه: وهم قادرون عليه، وهذا قول باطل. معنى هذا: أهل بدع يقولون: مثلا يقولون: أن العرب بإمكانهم أن يؤلفوا مثل هذا القرآن بإمكانهم، لكن ما الذي صار؟ قال: هناك آية من آيات الله، ما هي الآية؟ قال: أن الله صرفهم عن هذا، صرفهم عنه، وهم بإمكانهم أن يأتوا بحبر ومداد وورق يكتبون، هم أهل شعر وفصاحة وبلاغ وبيان، يأتون بآيات وصور تشابه القرآن بإمكانهم. لكن ما الذي صار؟ أن الله صرفهم، صرفهم، ثم تنوعوا أو لا في من أين جاءت الصرفة؟ إما أن الله أذهب بعقولهم، أو أن الله أضعف الإرادة، أو أن الله ضيع عليهم العلوم التي بها ذكروا، وهذا القول باطل، هذا القول بالصرفة باطل. لأن كما قلنا: معناه أن العرب هم قادرون قادرون على أن يؤلفوا مثل القرآن، لكن ماذا؟ هناك شيء أزاحهم، شيء صرفهم عن هذا، هذا ليس بصحيح، هذا ليس بصحيح، بل العرب عندهم قدرة على هذا، عندهم إرادة على هذا، لكن ما استطاعوا. ألفوا ما استطاعوا يؤلفوا؛ ولأن اجتمعت الإنس والجن على أن يأتوا بمثل هذا القرآن لا يأتون بمثله ولو كان بعضهم لبعض ظهيرًا، فربنا أخبر أنهم عندهم إرادة وعندهم يعني نية على أن يؤلفوا مثل هذا القرآن، لكن ما استطاعوا أن يؤلفوا. فهم لم ما صرفوا، بل عندهم ما استطاعوا، هنا وجه الإعجاز: أنهم ما استطاعوا أصلا، كما ذكر ذلك شيخ الإسلام رحمه الله تعالى: بأنهم قال: وهذا المقطوع الذي لا شك فيه أنهم أرادوا أن يؤلفوا مثل هذا القرآن، لكنهم استطاعوا؛ لأن هذا كلام البشر الذي لا يمكن لأحد ماذا؟ أن يؤلف على منواله. مجرد ناس أرادوا أن يؤلفوا مثل القرآن، فأصبحوا مهزلة، أصبحوا مضحكًا عند الخلق؛ لأنه كلام ركيك إذا قرنا بكلام رب الأرباب سبحانه وتعالى. فهذا ما يسمى بالصرفة، وهذا قول جاء به بعض المبتدع، وتأثر به بعض من ينتمي للسنة، ظنا منه أن هذا فيه قوة، قوة وفيه معنى عظيم: أن الله صرف العرب صرفهم عن هذا، لا هذا ليس بالصحيح. بل هم أرادوا أرادوا ما صرف لهم، أرادوا أن يتحدوا الله الرب عز وجل في هذا الأمر، لكن ما استطاعوا، حاولوا أن يؤلفوا ويأتوا بأفكارهم وتعبيراتهم، لكن ما استطاع أن ينظموا مثل هذا القرآن. فهذا أرادوا فيما يتعلق بهذا الأمر الأول، وهو الذي أراده المؤلف. وإذا كمقدمة مهمة في معرفة ما هو القرآن، القرآن خلاصته: هو كلام الله المنزل على محمد عليه الصلاة والسلام المعجز بلفظه. وسيأتي إن شاء الله معنا كذلك بقية المصطلحات التي تفيدنا في هذا الباب. إلى هنا والله تعالى أعلم، وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.