تفسير سورة الواقعة من تفسير الجلالين 4

تفسير سورة الواقعة من تفسير الجلالين 4

الدرس في تفسير سورة الواقعة من تفسير الجلالين 4، ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني

مقدمة في وصف نعيم الجنة والحور العين

يبدأ الحديث بوصف نعيم أهل الجنة والحور العين، موضحًا معنى "حور عين" وصفاتهن. يُظهر أن الحور العين من نعيم أهل الجنة الذي لا يفترق في الكمال والجمال.

تفاصيل وصف الحور العين ونعيم الجنة

يشرح تفاصيل وصف الحور العين ونعيم أهل الجنة، مبينًا أن جمال الحور العين أعظم من نعيم الجنة. يُوضح أن نعيم أهل الجنة هو فضل من الله تعالى وليس جزاءً على أعمالهم.

نعيم الجنة وطيب ما فيها

يصف نعيم الجنة وطيب ما فيها، حيث لا يسمع فيها لغو أو تأثيم، بل يكون كل ما فيها سلامًا وإكرامًا. يُكرم الله أهلها بكل ما هو طيب وكامل.

ختام الحديث عن الجنة ونعيمها

يختتم الحديث بوصف نعيم الجنة وما فيه من إكرام الله تعالى لعباده، مع صلاة على النبي محمد وآله وصحبه. يُظهر امتنان المتحدث لله على نعمه ويطلب من الله أن يجعل السامعين من أهل الجنة.

التفريغ النصي الكامل

﴿وَحُورٌ عِينٌ﴾ كَأَمْثَالِ اللُّؤْلُؤِ الْمَكْنُونِ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ لَا يَسْمَعُونَ فِيهَا لَغْوًا وَلَا تَأْثِيمًا إِلَّا قِيلًا سَلَامًا سَلَامًا. قَالَ الْمُفَسِّرُ رَحِمَهُ اللَّهُ: وَلَهُمْ لِاسْتِمْتَاعٍ حُورٌ نِسَاءٌ شَدِيدَاتُ سَوَادِ الْعُيُونِ وَبَيَاضِهَا عِينٌ، وَخَامِ الْعُيُونِ، كُسِرَتْ عَيْنُهُ بَدَلَ ضَمِّهَا لِمُجَانَسَةِ الْيَاءِ، وَمُفْرَدُهُ عَيْنَاءُ كَحَمْرَاءَ. فِي قِرَاءَةٍ بِجَرِّ حُورِ عِينٍ كَأَمْثَالِ اللُّؤْلُؤِ الْمَكْنُونِ الْمَصُونِ. جَزَاءً مَفْعُولٌ لَهُ أَوْ مَصْدَرٌ، وَالْعَامِلُ مُقَدَّرٌ أَيْ جَعَلْنَا لَهُمْ مَا ذُكِرَ لِلْجَزَاءِ أَوْ جَزَيْنَاهُمْ بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ. لَا يَسْمَعُونَ فِيهَا فِي الْجَنَّةِ لَغْوًا فَاحِشًا مِنَ الْكَلَامِ، وَلَا تَأْثِيمًا مَا يُؤَثِمُ، إِلَّا قِيلًا قَوْلًا سَلَامًا سَلَامًا بَدَلٌ مِنْ قِيلًا، فَإِنَّهُمْ يَسْمَعُونَهُ. بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ، وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلَّمَ. مَا زِلْنَا بِهَذِهِ الْآيَاتِ مِنْ هَذِهِ السُّورَةِ الْعَظِيمَةِ سُورَةِ الْوَاقِعَةِ، وَمَا ذَكَرَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ مِنْ وَصْفِ الْجَنَّةِ وَنَعِيمِ أَهْلِهَا، جَعَلَنَا اللَّهُ وَإِيَّاكُمْ وَالسَامِعِينَ مِنْ أَهْلِهَا. وَهَا هُنَا قَوْلُ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ فِي وَصْفِ بَعْضِ مَا فِي الْجَنَّةِ مِنْ نَعِيمٍ وَحُورِ عِينٍ، أَيْ وَكَذَلِكَ لِأَهْلِ الْجَنَّةِ وَأَهْلِ هَذِهِ الطَّائِفَةِ. وَقَدْ ذَكَرَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ فِي أَوَّلِ السُّورَةِ ثَلَاثَةَ أَصْنَافٍ، صِنْفَيْنِ مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ، وَمِنْهُمُ السَّابِقُونَ الْمُقَرَّبُونَ. فَمِنْ نَعِيمِهِمْ أَنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ يُعْطِيهِمْ حُورًا عِينًا. قَالَ: «وَحُورٌ عِينٌ»، قَالَ: نِسَاءٌ شَدِيدَاتُ سَوَادِ الْعُيُونِ وَبَيَاضِهَا. وَتَقَدَّمَ مَعْنَى «وَحُورٌ عِينٌ»، وَتَكَرَّرَ بِأَنَّ اخْتِلَافَ الْمَبْنَى يَدُلُّ عَلَى اخْتِلَافِ الْمَعْنَى. فَالْحُورُ وَصْفٌ يُرَادُ بِهِ غَايَةُ الْكَمَالِ وَالْجَمَالِ فِي الْمَرْأَةِ، وَذَلِكَ بِاكْتِمَالِ صِفَاتِهَا. فَهِيَ فِي جَسَدِهَا كَامِلَةٌ، كَمَا مَرَّ مَعَنَا مِنْ صِفَاتِهَا فِي الْآيَاتِ الْأُخْرَى فِي السُّوَرِ السَّابِقَةِ. وَمِنْ ذَلِكَ هَذَا الْبَيَاضُ الْمَأْخُوذُ مِنْ مَعْنَى هَذَا الْكَمَالِ. فَلِغَضِ الْحُورِ لَا يُقْتَصَرُ عَلَى بَيَاضِ الْجَسَدِ وَسَوَادِ الْعُيُونِ وَالشَّعْرِ، بَلِ الْمَقْصُودُ كَمَالُ الصِّفَةِ الَّتِي يَكُونُ بِهَا غَايَةُ الْجَمَالِ. وَمِنْ ذَلِكَ اكْتِمَالُ هَذِهِ الصِّفَاتِ بِحَسَبِهَا، وَلَا يَلْزَمُ تَسَاوِي هَذِهِ الصِّفَةِ. وَلِهَذَا يَجْعَلُ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ عَدَدًا مِنَ الْحُورِ الْعِينِ. وَحِكْمَةُ هَذَا الْعَدَدِ هُوَ اخْتِلَافُ هَذِهِ الصِّفَاتِ وَتَفَاوُتُهَا، مَعَ مَا لَا يَنْقُصُ مِنَ الْكَمَالِ وَالْجَمَالِ. فَيَكُونُ الْكَمَالُ وَالْجَمَالُ أَنْوَاعًا وَأَصْنَافًا، وَلَا يُنَافِي كُلُّ وَاحِدٍ الْآخَرَ. وَهَكَذَا كَذَلِكَ «عِينٌ». قَالَ: ضَخَامُ الْعُيُونِ، كُسِرَتْ عَيْنُهُ بَدَلَ ضَمِّهَا لِمُجَانَسَةِ الْيَاءِ، وَمُفْرَدُهَا عَيْنَاءُ كَحَمْرَاءَ. قَالُوا: فِي قِرَاءَةٍ بِجَرِّ «حُورِ عِينٍ»، يَعْنِي «حُورَ عِينٍ» بِالضَّمِّ، وَهِيَ قِرَاءَةٌ سَبْعِيَّةٌ مَشْهُورَةٌ. وَ«حُورُ عِينٍ» بِالْكَسْرِ، كَمَا أَشَارَ فِي التَّعْلِيقِ، قِرَاءَةٌ سَبْعِيَّةٌ أُخْرَى لِحَمْزَةَ وَالْكِسَائِيِّ. وَيَكُونُ بِذَلِكَ الْعَطْفُ عَلَى «فَاكِهَةٍ» وَ«فَاكِهَةٍ مِمَّا يَتَخَيَّرُونَ وَلَحْمِ طَيْرٍ مِمَّا يَشْتَهُونَ». وَ«حُورُ عِينٍ» مَعْطُوفٌ الْمَجْرُورُ عَلَى الْمَجْرُورِ. وَعَلَى الرَّفْعِ إِمَّا لِلِاسْتِئْنَافِ، وَ«حُورُ عِينٍ» اسْتِئْنَافُ جُمْلَةٍ جَدِيدَةٍ. وَكُلُّ الْمَعْنَيَيْنِ صَحِيحٌ. فَمِنْ نَعِيمِ أَهْلِ الْجَنَّةِ الَّذِي لَا يَفْتَرِقُ فِي الْكَمَالِ وَالْجَمَالِ مَا ذُكِرَ مِنْ هَذِهِ الصِّفَاتِ. فَكَذَلِكَ يَكُونُ الْمَجْرُورُ مَعْطُوفًا عَلَى مَجْرُورٍ. وَإِنْ أُرِيدَ ذِكْرُ جَمَالٍ فَوْقَ جَمَالٍ الْمَذْكُورِ السَّابِقِ، فَتَكُونُ جُمْلَةً اسْتِئْنَافِيَّةً، كَأَنَّهُ يَقُولُ: جَمَالُ كُلِّ الْمَذْكُورِ شَيْءٌ، وَجَمَالُ الْحُورِ الْعِينِ شَيْءٌ آخَرُ أَعْلَى مِنْ ذَاكَ الْمَذْكُورِ. وَلِهَذَا أُتِيَ لَهَا بِجُمْلَةٍ اسْتِئْنَافِيَّةٍ، يَدُلُّ عَلَيْهِ هَذَا الرَّفْعُ، كَأَنَّهُ يَقُولُ: وَجَمَالُ حُورِ الْعِينِ أَعْظَمُ جَمَالًا وَكَمَالًا مِنْ كُلِّ الْمَذْكُورِ مِنْ نَعِيمِ أَهْلِ الْجَنَّةِ. وَلِذَلِكَ تَجِدُ أَنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ ذَكَرَ وَصْفَ الْحُورِ الْعِينِ بِأَكْثَرَ مِمَّا ذَكَرَ مِنْ النَّعِيمِ الْمَذْكُورِ مِنْ نَعِيمِ أَهْلِ الْجَنَّةِ، كَمَا رَأَيْنَا فِي آيَاتِ سُورَةِ الرَّحْمَنِ، وَهَكَذَا قَبْلَهَا مِنْ السُّوَرِ، وَهَكَذَا كَذَلِكَ هَا هُنَا فِي سُورَةِ الْوَاقِعَةِ. وَسَيَأْتِي مَعْنَى كَذَلِكَ مِنْ ذَلِكَ شَيْءٌ كَثِيرٌ مِمَّا يَدُلُّ وَيُؤَكِّدُ هَذَا الْمَعْنَى. وَهَذَا مِنْ بَلَاغَةِ الْقُرْآنِ وَفَصَاحَتِهِ، أَنَّ تَرَاكِيبَ الْجُمَلِ يَزِيدُ فِي الْمَعَانِي. فَمَعْنَى الْجُمْلَةِ الِاسْتِئْنَافِيَّةِ يَخْتَلِفُ عَنْ مَعْنَى الْجُمْلَةِ الْمَعْطُوفَةِ، كَمَا نَرَى الْآنَ كَيْفَ أَنَّ الْمَعْنَى تَغَيَّرَ بِتَغَيُّرِ هَذِهِ الْجُمْلَةِ وَسِيَاقِهَا. وَقَوْلُهُ رَحِمَهُ اللَّهُ فِي تَفْسِيرِ قَوْلِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ: ﴿كَأَمْثَالِ اللُّؤْلُؤِ الْمَكْنُونِ﴾، قَالَ: الْمَصُونِ. وَعَلَى الْقَاعِدَةِ: اخْتِلَافُ الْمَبْنَى يَدُلُّ عَلَى اخْتِلَافِ الْمَعْنَى. فَالْمَصُونُ مَعْنًى مِنْ مَعَانِي الْمَكْنُونِ. فَالْمَكْنُونُ هُوَ الْمَصُونُ وَزِيَادَةٌ، وَهُوَ الَّذِي صِينَ بِشَيْءٍ مِنَ الْعِنَايَةِ وَالرِّعَايَةِ. فَلُؤْلُؤٌ لَيْسَ كَسَائِرِ اللُّؤْلُؤِ. فَلَوْ عِنْدَكَ لُؤْلُؤٌ، وَتَعْرِفُونَ لِمَنْ يَعْرِفُ أَشْكَالَ اللُّؤْلُؤِ أَنَّ اللُّؤْلُؤَ يَتَفَاوَتُ فِي الْكَمَالِ وَالْجَمَالِ. وَكُلَّمَا كَانَ اللُّؤْلُؤُ فِيهِ مَعْنَى الصِّيَانَةِ وَالرِّعَايَةِ وَالْحَفْرِ فِي مَكَانِهِ وَزَمَانِهِ وَكِبَرِهِ، كَذَلِكَ أَوْقَعَتْهُ، فَإِنَّهُ يَكُونُ أَكْثَرَ وَأَكْبَرَ وَأَعْظَمَ جَمَالًا. لِأَنَّ اللُّؤْلُؤَ يُصَانُ دَاخِلَ صَدَفَتِهِ. وَهَذِهِ الصَّدَفَةُ إِذَا كَانَتْ كَامِلَةً كَانَ لُؤْلُؤُهَا مَاذَا؟ أَكْمَلَ. فَالصَّدَفَةُ الْكَبِيرَةُ الْمُكْتَمِلَةُ تَكُونُ لُؤْلُؤُهَا كَبِيرَةً كَامِلَةً، وَالصَّغِيرَةُ تَكُونُ صَغِيرَةً، وَالَّتِي فِيهَا ثَغَرَاتٌ يَدْخُلُ مِنْ هَذِهِ الثَّغَرَاتِ مَا يُشَوِّشُ جَمَالَ وَكَمَالَ مَاذَا؟ ذَلِكَ مِنَ اللُّؤْلُؤِ. وَهَكَذَا كَذَلِكَ مَوْضِعُ هَذِهِ الصَّدَفَةِ. فَكَذَلِكَ الْحُورُ الْعِينُ، أَيْ مِنْ كَمَالِهِنَّ وَجَمَالِهِنَّ، جَعَلَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ هُنَّ مِنْ الْعِنَايَةِ وَالرِّعَايَةِ وَالصِّيَانَةِ وَإِكْمَالِ مَعَانِي الْجَمَالِ وَالْكَمَالِ مَا هُوَ أَعْظَمُ مِنْ صِيَانَةِ وَرِعَايَةِ وَجَمَالِ وَكَمَالِ اللُّؤْلُؤِ الْمَكْنُونِ. فَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ، فَهَذَا يَدُلُّ عَلَى بُلُوغِ الْكَمَالِ وَالْجَمَالِ فِيهِنَّ غَايَتَهَا وَأَعْلَاهَا. فَإِذَا كَانَ هَذَا فِي حَقِّ الْحُورِ الْعِينِ، فَكَيْفَ بِنِسَاءِ الْمُؤْمِنِينَ؟ فَإِنَّ اللَّهَ يَجْعَلُ لَهُنَّ مِنْ الْكَمَالِ وَالْجَمَالِ وَالصِّيَانَةِ وَالْكِنَانِ مَا هُوَ أَعْظَمُ مِمَّا هُوَ لِهَؤُلَاءِ الْحُورِ الْعِينِ. وَقَوْلُهُ: «جَزَاءً»، قَالَ: مَفْعُولٌ لَهُ أَوْ مَصْدَرٌ، وَالْعَامِلُ مُقَدَّرٌ أَيْ جَعَلْنَا لَهُمْ مَا ذُكِرَ لِلْجَزَاءِ أَوْ جَزَيْنَاهُمْ. وَالْمَعْنَى يَخْتَلِفُ بِحَسَبِ التَّقْدِيرِ. فَبَعْدَ أَنْ ذُكِرَتِ الْجُمَلُ الْمَذْكُورَاتُ، فَيَكُونُ التَّقْدِيرُ إِمَّا «جَعَلْنَا ذَلِكَ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ» أَوْ كَمَا قَالَ رَحِمَهُ اللَّهُ: «جَزَيْنَاهُمْ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ». فَفِيهِ أَنَّ مَا ذُكِرَ يَتَفَاوَتُ بِتَفَاوُتِ مُجَازَاةِ اللَّهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى لِأَهْلِ الْجَنَّةِ بِمَا كَانَ مِنْ اخْتِلَافِ أَعْمَالِهِمْ وَدَرَجَاتِهِمْ وَمَنَازِلِهِمْ فِي الدُّنْيَا. وَهَذَا مِنْ فَضْلِ اللَّهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى. فَنَعِيمُ أَهْلِ الْجَنَّةِ هُوَ فَضْلٌ مِنْ اللَّهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى. وَفِي حَدِيثِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «لَنْ يَدْخُلَ أَحَدٌ مِنْكُمُ الْجَنَّةَ بِعَمَلِهِ»، قَالَ: «وَلَا أَنْتَ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟» قَالَ: «وَلَا أَنَا، إِلَّا أَنْ يَتَغَمَّدَنِيَ اللَّهُ بِرَحْمَةٍ مِنْهُ وَفَضْلٍ». فَدُخُولُ الْجَنَّةِ الْأَعْمَالُ الصَّالِحَةُ سَبَبٌ وَلَيْسَتْ جَزَاءً. وَلِهَذَا قَالَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ: ﴿تِلْكَ الْجَنَّةُ أُورِثْتُمُوهَا﴾ مَاذَا؟ ﴿بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾. فَهِيَ بِسَبَبِ هَذَا الْعَمَلِ، وَلَيْسَتْ جَزَاءَ هَذَا الْعَمَلِ. وَإِلَّا لَوْ جُوزِيَ الْإِنْسَانُ بِمَا أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِ فِي الدُّنْيَا، لَكَانَ قَلِيلًا مُقَابِلَ عَمَلِهِ. فَإِنَّ اللَّهَ يُعْطِي الْإِنْسَانَ مِنْ عَظِيمِ فَضْلِهِ وَوَاسِعِ عَطَائِهِ فِي الدُّنْيَا، فَضْلًا عَنْ الْآخِرَةِ، مَا لَا يُجَازِي الْعَبْدُ فِيهِ رَبَّهُ. فَكَيْفَ بِمَا هُوَ أَعْظَمُ مِنْ ذَلِكَ مِنْ عَطَاءِ اللَّهِ وَفَضْلِهِ وَرِضْوَانِهِ فِي جَنَّتِهِ؟ فَإِنَّهُ لَا شَكَّ لَيْسَ فِيهِ مَعْنَى هَذَا الْجَزَاءِ. وَلَكِنَّ هَذَا مِنْ إِكْرَامِ الرَّبِّ الْكَرِيمِ الرَّحِيمِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى، أَنَّهُ يُجَازِي بِأَفْضَلِ مِمَّا كَانَ مِنَ الْعِبَادِ. وَفِي هَذَا حَثٌّ لِلْإِنْسِ وَالْجِنِّ عَلَى الْإِحْسَانِ بِالْأَعْمَالِ الصَّالِحَةِ، وَأَنَّكَ كُلَّمَا أَحْسَنْتَ أَكْرَمَكَ اللَّهُ بِوَاسِعِ عَطَائِهِ وَعَظِيمِ فَضْلِهِ وَرِضْوَانِهِ، مِمَّا هُوَ أَعْظَمُ مِمَّا كَانَ مِنْ عَمَلِكَ. قَوْلُهُ: ﴿لَا يَسْمَعُونَ فِيهَا لَغْوًا﴾، قَالَ: فِي الْجَنَّةِ. ﴿لَغْوًا﴾ قَالَ: فَاحِشًا مِنَ الْكَلَامِ. وَاللَّغْوُ هُوَ أَبْلَغُ مِنَ الْفَاحِشِ مِنَ الْكَلَامِ. وَالْقَاعِدَةُ كَمَا تَقَرَّرَ وَتَكَرَّرَ: اخْتِلَافُ الْمَبْنَى يَدُلُّ عَلَى اخْتِلَافِ الْمَعْنَى. فَاللَّغْوُ هُوَ الْكَلَامُ الَّذِي يُسْتَغْنَى عَنْهُ وَيَكُونُ زَائِدًا. فَإِذَا كَانَ اللَّغْوُ نَفْيًا، فَالْفَاحِشُ مِنْ بَابٍ أَنْفَى. لِأَنَّ اللَّغْوَ دُونَ الْفَاحِشِ. فَلَيْسَ فِي الْجَنَّةِ لَغْوٌ، بَلْ كُلُّ مَا فِيهَا مِمَّا تُطَيَّبُ بِهِ الْأَسْمَاعُ، وَكَذَلِكَ تُصْلِحُ بِهِ الْأَجْسَادُ وَالْقُلُوبُ. فَمَا يَسْمَعُهُ الْإِنْسَانُ ثَلَاثَةُ أَقْسَامٍ: قِسْمٌ النَّافِعُ، يَكْمُلُ بِهِ جَسَدُهُ وَقَلْبُهُ وَجَوَارِحُهُ. وَقِسْمٌ ضَارٌّ، يَتَضَرَّرُ بِهِ قَلْبُهُ وَجَسَدُهُ وَجَوَارِحُهُ. وَقِسْمٌ ثَالِثٌ هُوَ لَغْوٌ، لَا يَنْتَفِعُ وَلَا يَتَضَرَّرُ فِي الْغَالِبِ. فَإِذَا نُفِيَ اللَّغْوُ، فَإِنَّهُ مِنْ بَابٍ أَوْلَى نَفْيُ مَاذَا؟ الْفَاحِشِ. وَلِهَذَا أَكَّدَ بَعْدَ ذَلِكَ، وَهَذَا مِنَ التَّدْرِيجِ، بِقَوْلِهِ: ﴿وَلَا تَأْثِيمًا﴾، أَيْ وَلَا مَا يُؤَثِمُ. وَهَلْ مَعْنَاهُ أَنَّ فِي الْجَنَّةِ شَيْءٌ مِمَّا يُوقِعُ فِي الْإِثْمِ؟ الْجَوَابُ: لَا. وَلَكِنَّهُ مِنْ بَابِ التَّأْكِيدِ أَنَّ الْجَنَّةَ لَيْسَ فِيهَا إِلَّا مَعَانِي النَّعِيمِ وَالرِّضْوَانِ، وَمَعَانِي كَذَلِكَ الصَّلَاحِ وَالْإِصْلَاحِ. فَنَفْيُ اللَّغْوِ وَالتَّأْثِيمِ، وَهَذَا فِي السَّمْعِ، يُقَاسُ عَلَيْهِ غَيْرُهُ فِي الرُّؤْيَةِ، وَفِي الْكَلَامِ، وَفِي سَائِرِ مَا يَكُونُ مِنْ جَوَارِحِ الْإِنْسَانِ. فَإِنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ يُكْرِمُهُمْ بِدَارٍ طَيِّبَةٍ، طَيِّبُونَ أَهْلُهَا، طَيِّبَةٌ كَذَلِكَ كُلُّ مَا يَصْدُرُ مِنْهَا وَفِيهَا. فَلَا يَكُونُ فِيهَا إِلَّا الشَّيْءُ الطَّيِّبُ الْكَامِلُ مِنْ كُلِّ الْوُجُوهِ. قَوْلُهُ: ﴿إِلَّا قِيلًا سَلَامًا سَلَامًا﴾، هَذَا اسْتِثْنَاءٌ مُنْقَطِعٌ مَشْهُورٌ عِنْدَ الْبَلَاغِيِّينَ، وَهُوَ أَنْ يَكُونَ الْمُسْتَثْنَى لَيْسَ مِنْ جِنْسِ الْمُسْتَثْنَى مِنْهُ. وَإِرَادَتُهُ هَا هُنَا لِتَأْكِيدِ كَمَالِ النَّعِيمِ وَالرِّضْوَانِ الَّذِي يَجْعَلُهُ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ لِأَهْلِ الْجَنَّةِ، جَعَلَنَا اللَّهُ وَإِيَّاكُمُ السَّامِعِينَ مِنْ خَاصَّةِ أَهْلِهَا. فَيَقُولُ سُبْحَانَهُ: ﴿إِلَّا قِيلًا سَلَامًا سَلَامًا﴾. السَّلَامُ السَّلَامُ هُوَ طِيبٌ وَإِكْرَامٌ، لَيْسَ فَقَطْ كَلَامٌ طَيِّبٌ، بَلْ إِكْرَامٌ. مَعْنَاهُ: لَا يَسْمَعُونَ فِيهَا إِلَّا غَايَةَ الْإِكْرَامِ، وَتَأْكِيدُ «سَلَامٍ» يَدُلُّ عَلَى تَأْكِيدِ هَذَا الْإِكْرَامِ. كَأَنَّهُ يَقُولُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى: يَكُونُ فِيهِ إِكْرَامٌ مُتَكَرِّرٌ غَيْرُ مُنْقَطِعٍ. وَهَذَا هُوَ وَصْفُ مَا يَكُونُ لِأَهْلِ الْجَنَّةِ. فَلَا يَسْمَعُونَ إِلَّا كَلَامًا طَيِّبًا مُتَكَرِّرًا. وَكَذَلِكَ فِيهِ مِنْ مَعَانِي الْإِكْرَامِ مَا لَا يَنْقَطِعُ. وَهَذَا هُوَ مَعْنَى تَكْرِيرِ «سَلَامٍ». وَهَذَا مِنْ فَصَاحَةِ الْقُرْآنِ وَبَلَاغَةِ اللُّغَةِ. قَالَ: «سَلَامًا سَلَامًا» بَدَلٌ مِنْ «قِيلًا». فَإِنَّهُمْ يَسْمَعُونَ، يَعْنِي: لَا يَسْمَعُونَ مِنَ الْقِيلِ إِلَّا السَّلَامَ. وَهَكَذَا كَذَلِكَ فِي سَائِرِ الْجَوَارِحِ، فَلَا يَرَوْنَ إِلَّا السَّلَامَ، وَلَا كَذَلِكَ يُبَاشِرُونَ إِلَّا مَا هُوَ سَلَامٌ. لَيْسَ فِي الْجَنَّةِ مَا يُرَى إِلَّا الطَّيِّبُ، وَلَا مَا يُسْمَعُ إِلَّا الطَّيِّبُ، وَلَا مَا يُنْطَقُ بِهِ إِلَّا الطَّيِّبُ. وَلَيْسَ فَقَطْ طَيِّبًا، بَلْ يَكُونُ فِيهِ مِنْ مَعَانِي الْإِكْرَامِ مَا يَزِيدُ فِي تَنَعِيمِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ، وَظُهُورِ مَعَانِي رَحْمَتِهِ وَرِضْوَانِهِ وَفَضْلِهِ، وَكَذَلِكَ عَطَائِهِ لِأَهْلِ الْجَنَّةِ، جَعَلَنَا اللَّهُ وَإِيَّاكُمْ وَالسَّامِعِينَ مِنْ خَاصَّةِ أَهْلِهَا فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ. وَإِلَى هُنَا، وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ، وَصَلَّى اللَّهُ وَسَلَّمَ عَلَى نَبِيِّنَا مُحَمَّدٍ وَآلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلَّمَ. شُكْرًا.