الدرس في الفروق والتقاسيم البديعة النافعة 8، الدرس الثامن: فيه (ومن الفروق الضعيفة كراهة السواك للصائم بعد الزوال لا قبله ... والصحيح أن له الرجوع في الأمرين لأنه لا فرق بينهما إلا فرقاً صورياً). ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني
يناقش ضعف القول بكراهة السواك للصائم بعد الزوال، ويبين استحباب السواك في جميع الأوقات لورود الأحاديث الصحيحة بذلك. السواك مستحب للصائم سواء قبل الزوال أو بعده.
يناقش تفريق الفقهاء بين البيع والإيجارة عند وجود عيب، ويبين استواء المعاملتين في التعامل مع العيوب حيث يمكن الرد أو أخذ الأرش. الصواب هو التعامل بنفس الأحكام في كلا العقدين.
يناقش مسألة الرجوع في الوصية والوقف بعد الموت، ويبين جواز الرجوع في كليهما لعدم وجود فرق حقيقي بينهما حيث يتم تعليق العقدين على وفاة الشخص. يمكن الرجوع في الوصية والوقف قبل حدوث الوفاة.
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، يسر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم هذه المادة لفضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك حفظه الله تعالى. والآن مع المادة. بسم الله الرحمن الرحيم، قال المؤلف رحمه الله تعالى: ومن الفروق الضعيفة كراهة السواك للصائم بعد الزوال لا قبله، والصحيح استحباب السواك للصائم قبل الزوال وبعده، كما هو ظاهر الأحاديث، ولم يصح حديث في الفرق. ذكر رحمه الله تعالى هذا، كذلك في باب الفروق الصحيحة والفروق الضعيفة في الصلاة، وفي غيرها. فيقول رحمه الله تعالى: ومن الفروق الضعيفة كراهة السواك للصائم بعد الزوال لا قبله، والصحيح استحباب السواك للصائم. ويشير إلى بعض قول المتأخرين من الشافعية في ذلك، وأن الصواب خلاف ذلك، إذ لا فرق لعدم الدليل المفرد بين ما قبل الزوال وما بعد الزوال. أما قول النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم: «لخلوف فم الصائم أطيب عند الله من ريح المسك»، فالجواب أن أولا: هذا الحديث مع صحته، فإنه لا يدل على المقصود الذي ذهبوا إليه. وكما مر معنا أن الاستدلال بالدليل لابد أن يثبت من جهتين: الجهة الأولى صحة الدليل، والثانية صحة المدلول. فالدليل إذا صح، بقي هل يدل على المدلول الذي أريد الاستدلال به؟ فإن قول النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم في هذا الحديث: «ولخلوف فم الصائم أطيب عند الله من ريح المسك»، ليس به -لا من قريب ولا من بعيد- أن الصائم لا يجوز له بعد الزوال أن يستاك، ليس فيه ذلك. أولا: لأنه ليس بصريح، وقد جاءت أحاديث صريحة صحيحة عنه كثيرة تدل على جواز استياك الصائم في سائر أوقاته. ففي حديث أبي هريرة: أنه عليه الصلاة والسلام أمر بالسواك مع كل صلاة، وفي بعض الروايات: مع كل طهور. وهكذا كذلك صح عنه عليه الصلاة والسلام: أنه كان يكثر من السواك عند صلاته، وهكذا عند استيقاظه من نومه، وهذا يشمل نوم النهار ونوم الليل. ثم يقال ثانيا -كما أفاده ابن القيم رحمه الله تعالى في الزاد-: بأن خلوف فم الصائم إنما هو يخرج من البطن، لا من الفم، يخرج من الجوف. فكون الرجل يستاك والسواك يصيب الأسنان والفم، لا يزيل ذلك. ولو قدر أن الرائحة هذه تزال، فكذلك إزالتها إذا كان بنص شرعي صحيح، فإنه لا ينافي ما وصف من الفضل في خروجها. مثله مثل ما يصيب المجاهد في سبيل الله من الغبار، هل معنى إبقاء الغبار في رجليه وأنه يؤجر على هذا الغبار إذا يبقيه؟ أم أنه يؤجر ولو لم يكن حتى غبار؟ كما أن بعض الصائمين لا يكون لهم خلوف، أو يكون خلوفهم ضعيف، هل يعني ذلك أن الأجر ينقص لنقصان هذا الخلوف ولنقصان هذه الرائحة؟ الجواب: لا. وهكذا كذلك يقال بهذا الحديث، ومثل هذا وأشباهه ونضائره كثيرة. قال رحمه الله تعالى: ومن الفروق الضعيفة تفريق الفقهاء بين البيع والإيجارة، وأن من وجد عيبا في مبيع خير بين الرد أو الأرش، وفي الإيجارة يخير بين الإمساك بالأرش وبين الرد. والصواب بين الإمساك بلا أرش. يقول: ومن الفروق الضعيفة تفريق الفقهاء -أي بعض الفقهاء- بين البيع والإيجارة، ومقتضاه أن عقد الإيجارة ليس كعقد البيع. ومبنى ذلك القياس، وهكذا كذلك المعقول. وأما الأدلة الشرعية، فلم تفرق، فليس هناك دليل صحيح صريح يدل على التفريق. قال: تفريق الفقهاء بين البيع والإيجارة، وعقد البيع معروف ما يحصل فيه تبادل المنفعة بتبادل التقايض بين البائع والمشتري. وعقد الإيجارة هو تبادل المنفعة في العين من دون امتلاك -أي من أحد الطرفين-. قال: وأن من وجد عيبا في مبيع خير بين الرد أو الأرش. يقول: من وجد عيبا في مبيع خير بين الرد أو الأرش. الرد واضح، والأرش هو الفرق بين قيمة الشيء سليما ومعيبا، كما مر معنا في دروس سابقة. وهنا قوله: خير بين الرد أو الأرش، الصحيح أن في هذا تفصيلا؛ لأن العيب قد يكون من المشتري، ليس من البائع. فإن ثبت أن العيب من البائع وغبن فيه، فإنه يخير بين الرد والأرش، بل قد يجوز له الإرجاع، يجوز له أن يرده إذا كان ذلك فيه شيء من الغش أو الغبن أو نحو ذلك. قال: وفي الإجارة يخير بين الإمساك بلا أرش وبين الرد -يعني ليس له أرش في الإجارة-. يقول: يخير بين الإمساك بلا أرش -يعني بلا عوض- وبين الرد -يعني إذا كان في الإجارة عيبا-. وهذا ليس بالصحيح، كيف يخير بين الإمساك بلا أرش وبين الرد؟ بل يمكن أن يمسك بالأرش، وهو الفارق بين قيمة الشيء معيبا وسليما. وفي الإجارة بين إجارة الشيء سليما ومعيبا. مثاله: لو أن رجلا استأجر مثلا شقة على أنها بالوصف المتكامل المعتاد الذي اتفق عليه بشروطه، فلما دخل في الشقة وجدها على خلاف ذاك الوصف، فهنا ما دام أنهم اتفقوا على أشياء وكان هذا منافيا للمتفق عليه وللشروط، فإنه يجوز له أحد أمرين: أن يمسك وأن يطلب الفارق بين قيمة هذا الإيجار سليما وقيمته معيبا، وبين أن يرده يقول: لا أريده. يجوز له ذلك، ويجوز هذا، وهذا هو الصواب. ثم قال الشيخ رحمه الله: والصواب استواء البيع والإيجارة في ذلك، وليس بينهما فرق. وهذا الذي قاله رحمه الله تعالى هو الصواب. وهذا إذا كان العيب ثبت أنه من جهة الباع أو المؤجر المالك. ثم قال رحمه الله تعالى: وليس بينهما فرق في أخذ الأرش أو عدمه -يعني ليس معناه عدم ثبوت الأرش، ولكن معناه أنه إذا تكافأ ثبوت الأرش في الإيجارة وفي البيع، فإنه يثبت الأرش، وإذا لم يثبت فإنه لا يثبت-. فلا نفرق بين البيع وبين الإيجارة، فنقول: يثبت الأرش في البيع ولا يثبت في الإجارة. بل الصحيح أن الشرع لا يجمع بين متفرق، ولا يفرق بين مجتمع. فالمتماثلات يلحق بعضها ببعض، والمختلفات لا يلحق بعضها ببعض. وعقد الإيجارة لما كان من عقد البيع، فالصحيح أنه يلحقه ما يلحق البيع من أحكام، فلذلك لا فرق. ثم انتقل رحمه الله تعالى إلى مسألة أخرى شبيهة بهذه المسألة، قال: وشبيه لهذا تفريقهم بين الوصية ببيته ونحوه بعد موته وبين وقفه بعد موته. قال رحمه الله تعالى: وشبيه لهذا تفريقهم بين الوصية ببيته -ويكون هذا صوابه- ونحوه بعد موته، وبين وقفه -أو وقف البيت- بعد موته. وأنه ليس له أن يرجع إذا وقفه بعد موته، لكنه يكون من الثلث، وله أن يرجع إذا أوصى به. والصحيح أن له الرجوع في الأمرين؛ لأنه لا فرق بينهما إلا فرقا صوريا. وهذه مسألة أخرى تشبه بما سبق، وهو التفريق بين الوصية والوقف. يقول: تفريقهم بين الوصية ببيته ونحوه -يعني مزرعة، بستان، سيارة، أو شيء من المال- ونحوه بعد موته -يعني يصرف به مثلا لجهة معينة، إما في سبيل الله أو غير ذلك- وبين وقفه بعد موته -يعني أنه يوقف هذا الشيء بعد موته-. وصي بعد الموت أو وقف بعد الموت. فيقول بعض الفقهاء -كما ذكر الشيخ رحمه الله-: وأنه ليس له أن يرجع إذا وقفه بعد موته، لكنه يكون من الثلث، وله أن يرجع إذا أوصى به. يريد أن يقول: أن الوقف لا رجوع فيه، وأن الوصية له الرجوع فيها. وذكر الشيخ رحمه الله: أن الصحيح له الرجوع في الأمرين؛ لأنه لا فرق بينهما إلا فرقا صوريا. والمراد بالفرق الصوري: أي الفرق غير الحقيقي، وذلك لأن العقد في الحقيقة لم يتم ولم ينعقد، وهو أنما علقه بوفاته وموته، فله التصرف به قبل ذلك. بل جاء الحديث الصحيح الصريح الذي يدل على ما هو أولى من هذا. ومع ذلك صح التصرف فيه. ما هو هذا الحديث؟ حديث في قصة العبد المدبر؛ فإن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم ألغى هذا العقد، مع أنه العقد تم بنوع من أنواع الهبة. وقد قال عليه الصلاة والسلام: «العائد في هبته كالكلب يقيء ثم يعود في قيئه». ومع ذلك فإن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم أبطله، وأجاز له التصرف فيه؛ أداء لحقوق الغرماء؛ لأنه لم يأت وقته أولا، ولأنه أولى به ثانيا. فإذا من باب أولى إذا كانت وصية بعد الموت أو كان وقف بعد الموت، فلا فرق، يجوز للإنسان الرجوع فيه. وأما تفريقهم بأنه يكون له من الثلث، استدلالا بما جاء في الصحيحين بقصة سعد، فهذا ليس هذا موضع ذكر هذا الدليل. الدليل صحيح، والاستدلال به في مواضعه صحيح. الاستدلال به في مواضعه صحيح، وأما الاستدلال به في هذا الموضع، فالصحيح: لا. وبعضهم ذكر تفاصيل أشار إلى ذلك شيخنا محمد بن صالح العثيمين رحمه الله تعالى في شرحه، فقال الفقهاء يقولون: الحكم سواء فيهما إن خرج من الثلث، وإلا فالخيار للورثة. وأن بعضهم فرق بين الوقف اللازم وبين الوصية له. ثم ذكر رحمه الله: أن الصحيح أن له أن يرجع فيهما جميعا؛ لأن الوقف المعلق بالموت لا ينفذ حتى يموت الإنسان. فهو كما قال شيخ شيخنا رحمه الله تعالى في هذا الموضع -يعني أنه لا فرق بين الوصية، ولا فرق بين الوقف على الصحيح-. نكتب بهذا القدر، وإلى هنا. والله تعالى أعلم.