وقفات مع دخول عام وخروج عام

وقفات مع دخول عام وخروج عام

الخطبة بعنوان وقفات مع دخول عام وخروج عام، والتي كانت بدار الحديث بالفيوش بتاريخ 4 محرم 1448هـ الموافق 20 يونيو 2026م ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني

الاعتبار بمرور الأعوام وقصر الدنيا ووجوب المراجعة الذاتية

تدعو الخطبة المسلمين إلى اغتنام فرصة انقضاء عام وإقبال آخر لمحاسبة النفس، مستشهدةً بقول نوح عليه السلام عن قصر الدنيا كدخول وخروج. وتؤكد ضرورة الاستعداد للآخرة بإصلاح النفس والأهل والمجتمع والتمسك بالكتاب والسنة.

مراجعة النفس والاستعداد للقاء الله والتمسك بالتقويم الهجري

يحث الخطيب على محاسبة النفس والاستعداد للموت المفاجئ مستشهداً بأقوال السلف والأحاديث النبوية. ويؤكد أهمية الاعتصام بالتقويم الهجري كهوية إسلامية محذراً من إضاعة الوقت في المعاصي والملهيات.

أهمية الوقت والتوبة وفضائل شهر المحرم ويوم عاشوراء

يحث الخطيب على اغتنام الوقت في طاعة الله وضرورة التوبة والاستغفار الدائمين اقتداءً بالنبي صلى الله عليه وسلم. ويبين فضائل شهر المحرم وعاشوراء داعياً لاستغلالها بالطاعات والدعاء للأمة واليمن بالخير والنصر.

دعاء الاستسقاء وإقامة الصلاة

يدعو المتحدث الله أن ينزل غيثاً نافعاً غير ضار مكرراً دعاء الاستسقاء ثلاث مرات. ثم يأمر بإقامة الصلاة لختم الخطبة.

التفريغ النصي الكامل

موقع دار الحديث بالفيوش يقدم كيف رأيت الدنيا؟ قال: رأيتها كرجل دخل من باب وخرج من باب آخر. ووقفة أخرى نقفها في ذهاب عام وإقبال عام آخر: أننا نقف مع أنفسنا وقفة، وقفة اتعاظ وذكرى بما ينبغي أن يصلح المرء مع نفسه، ومع أسرته، ومع مجتمعه. ماذا قدمت لنفسك حتى تفرح بذهاب عام وتستقبل عام آخر؟ فإن عمرك إنما هو الساعات والأيام والأسابيع والأشهر والأعوام. خطبة لفضيلة شيخنا العلامة عبد الله بن مرعي حفظه الله تعالى، كانت بتاريخ الرابع من شهر الله المحرم لعام ألف وأربعمائة وسبعة وأربعين من الهجرة النبوية على صاحبها الصلاة والسلام. سجلت هذه المادة في دار الحديث بالفيوش حرسها الله. إن الحمد لله، نحمد تعالى ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا. من يهدي الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ﴾. ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَن يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾. أما بعد، فيا عباد الله: إن أصدق الحديث كتاب الله تعالى، وخير الهدى هدى محمدٍ صلى الله عليه وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار. أيها المسلمون، يا عباد الله: يقول الله جل وعلا في كتابه الكريم: ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَآيَاتٍ لِّأُولِي الْأَلْبَابِ﴾. فالله سبحانه وتعالى يقلب الليل والنهار ليجعل في ذلك العبرة والاعتبار، ويكور الليل والنهار، ويقلب الليل والنهار لأجل أن يعتبر أولو الأبصار. فإن من حكمة الله عز وجل أن تمضي الأيام والأسابيع والشهور والأعوام تتقلب واحدًا بعد واحد، ليحصل فيها من الاعتبار، وليحصل فيها من التذكر لأولي الأبصار ما يكون به منفعة لأنفسهم ولمن معهم في الدنيا والآخرة. ومن ذلك ما يمر علينا من ذهاب عام وإقبال عام آخر، فإن بذلك من العظات والعبر ما يستوجب الوقفات مع تلك الأحداث العظيمة التي مرت بالمسلمين في عامهم الماضي: في أنفسهم، وفي أسرهم، وفي مجتمعاتهم، وفي قضاياهم المختلفة، وقضيتهم العظيمة: قضية الإسلام والتوحيد والسنة. وحريٌ بكل مسلم إذ يمر به عام ويُقبل عليه عام آخر أن يقف وقفات: يقف وقفات مع نفسه، مع نفسه ومع أسرته، ومع أبنائه، ومع مجتمعه، ومع دينه وربه وخالقه قبل ذلك. وقفات عظيمة يصحح ويراجع لأجل أن يقبل على الله سبحانه وتعالى في عام جديد وهو على أحسن ما ينبغي أن يكون من عبد متعبد لربه وخالقه، ومن صالح يصلح نفسه وأسرته ومجتمعه، ومن مصلح يعين على إصلاح غيره والأخذ بيد الآخرين إلى ما فيه رضوان رب العالمين سبحانه وتعالى. أول هذه الوقفات، أيها المسلمون، يا عباد الله: أننا في إقبال عام وإقبال آخر نتذكر قصر هذه الدنيا، وأنها مهما طالت فإنها قصيرة، فما هي إلا كلمح بصر أو أقل من ذلك. سُئل نوح عليه الصلاة والسلام كما رويا، وهو ممن طال عمره كما أخبرنا الله عز وجل: ﴿فَلَبِثَ فِيهِمْ أَلْفَ سَنَةٍ إِلَّا خَمْسِينَ عَامًا﴾، فما بالك بعمره؟ قيل له: كيف رأيت الدنيا؟ قال: «رأيتها كرجل دخل من باب وخرج من باب آخر». فكيف بنا ونحن هذه الأمة الضعيفة التي أعمارنا ما بين الستين والسبعين كما أخبر النبي عليه الصلاة والسلام؟ ولهذا قد أعذر وأنذر كما أخبر النبي صلى الله عليه وسلم: «من بلغه الله الستين فقد أعذر إليه في العمر». أي: كان له العذر كفاية بما مضى من عمره وما تقلب عليه من أعوامه ما يكون عظة وعبرة بإذن الرحيل والخروج من هذه الدنيا. أيها المسلمون، يا عباد الله: حري بنا أن نعتبر بذهاب عام وإتيان آخر: أن هذه الدنيا مهما طالت فهي كهذه الأيام والأسابيع والأشهر في العام الماضي، فإنها ما هي إلا ذكريات كأنها حلم في نوم قصير، إذا أردت أن تذكره فإنه لن يمر عليك إلا مرورًا يسيرًا. وهكذا عمرك: إذا فني ولقيت ربك سبحانه وتعالى. فكل منا يحتاج أن يراجع نفسه وأن يستعد للقاء ربه بما يكون به الفلاح له في هذه الدنيا وفي الدار الآخرة. وأن نعتبر بما وعظنا الله عز وجل به في آياته الشرعية وآياته الكونية. آياته الشرعية التي تذكرنا بقصر هذه الدنيا وكذلك فناءها، وأن الحياة الحقيقية هي الحياة في الدار الآخرة التي هي الحياة الباقية. ﴿فَمَا هَذِهِ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ﴾، ﴿وَمَا هَذِهِ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا لَهْوٌ وَلَعِبٌ وَإِنَّ الدَّارَ الْآخِرَةَ لَهِيَ الْحَيَوَانُ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ﴾. فما هذه الدنيا إلا دار ممر، وأما الآخرة فهي دار المستقر. فلنعتبر بهذا، وهكذا بالآيات الكونية: ما جعلها الله عز وجل لنا عظات وعبرة بموت من حولنا من الأحبة والأقربين وغيرهم. فمنهم من يموت في شبابه، ومنهم من يموت في نصف عمره، ومنهم من هو دون ذلك أو أكثر من ذلك. فلا تستبعد الموت أن يأتيك فجأة وأن يهجم عليك وأنت غير مستعد للقاء ربك. وقفة صادقة نقفها مع أنفسنا بمراجعة أنفسنا وأعمالنا وأقوالنا. وكان كثير من السلف يذكرون بمثل هذا المقام بمراجعة أنفسهم ومراجعة أعمالهم والاستعداد للقاء ربهم. جاء عن ابن غزوان رحمه الله تعالى أنه خطب في نهاية عام فقال: «أيها الناس، إنكم قد مضت من أعماركم ما كان منكم، ولم يبق من أعماركم منها إلا ما كان كنهاية صبابة في إناء. فاستعدوا للقاء ربكم، واعتبروا بما وعظكم ربكم». ثم قال رحمه الله: «وقد أخبرنا أن حجرًا يهوي في نار جهنم سبعين خريفًا لا يقر قراره إلا بعد ذلك، وإنها والله لتملأ، وإنها والله لتملأ، فلا يكونن أحد منكم ممن تملأ بهم جهنم»، أو كما قال رحمه الله تعالى. أيها المسلمون، يا عباد الله: وقد صح عن النبي صلى الله عليه وسلم من حديث ابن عمر في البخاري وغيره أنه قال: «أخذ النبي صلى الله عليه وسلم بمنكبي فقال: كن في الدنيا كأنك غريب أو عابر سبيل». وكان ابن عمر يقول: «إذا أصبحت فلا تنتظر المساء، وإذا أمسيت فلا تنتظر الصباح». أي: أنك كن في كل لحظة وحين مستعدًا للقاء ربك. وصح عن النبي صلى الله عليه وسلم عند الترمذي والنسائي وغيرهما بإسناد صحيح أنه قال عليه الصلاة والسلام: «ما لي وللدنيا؟ إنما أنا كرجل استظل تحت شجرة ثم راح وتركها». أيها المسلمون، يا عباد الله: وإن من هذه الوقفات وقفة في التاريخ الهجري. فإن التاريخ الهجري كما صح عن عمر رضي الله عنه أرضاه: أنه أول من وقته وأرخه في السنة الثالثة أو الرابعة. أخبره أبو موسى الأشعري أنه يخاطب ويراسل القوم فيرسلون له خطابات ورسائل مؤرخة، فلا يدري ما الأول والآخر منها. فأمر عمر أن نؤرخ، فأعرض على عمر تاريخ فارس والروم، فكرهه عمر وكرهه الصحابة رضي الله عنهم أرضاهم. فتشاور عمر مع من معه وهو الملهَم رضي الله عنه أرضاه، فأرخ للمسلمين التاريخ الهجري. وذلك أن شهر محرم هو أعظم الشهور الحرم، فلم يضف النبي صلى الله عليه وسلم شهرًا إلى الله بمثل ما أضاف هذا الشهر، فقال: «شهر الله المحرم». ولأن النبي صلى الله عليه وسلم عزم الهجرة في محرم، ولأن النبي صلى الله عليه وسلم كذلك بايع الأنصار في محرم على الهجرة. فلهذه الأمور الثلاثة، ولأنها أي: أشهر العام تنتهي بحجة الإسلام في ذي الحجة، فكان غروب العام في ذي الحجة، وشروقه في محرم. فاجتمعت كلمة الصحابة على أن يكون شهر محرم هو أول أشهر العام الهجري، وبه يؤرخ أهل الإسلام. ينبغي أن يعتز أهل الإسلام بالتاريخ الإسلامي، التاريخ الهجري، في سنتهم، والتوقيت اليومي بالتوقيت بالشروق والغروب: فأول اليوم شروقه، وآخره غروبه، وإقبال اليوم الآخر بأول الليل بعد الغروب. وهكذا أول الأسبوع عند أهل الإسلام أو نهاية الأسبوع عند أهل الإسلام بيوم الجمعة، الذي هو سيد الأيام، والذي غفل عنه اليهود والنصارى، فألهم الله عز وجل به أهل الإسلام. وهكذا أشهر العام: فإنها تبدأ بالمحرم وتنتهي بذي الحجة. وفي هذه التاريخات اليومية والأسبوعية والشهرية والعامية ما فيها من المصالح المحسوسة والمعقولة، مع الموافقة لما كان عليه سلف الأمة، وما دلت عليه عمومات النصوص الشرعية من المصالح والمنافع الكثيرة. بخلاف التاريخ عند أهل الكفر وأهل الكتاب، مما يؤرخ بنبيهم كفرس والروم والصين وغيرها، فإن تاريخهم لا يقوم على أمر محسوس ولا معقول، ولا كذلك على أمر ديني مستند عليه صحيح. فمن الخطأ العدول عن التقويم الشرعي والذهاب إلى ذلك التقويم الكفري. بل الواجب على أهل الإسلام أن يعتزوا بهويتهم الإسلامية، سواء كان في التاريخ أو كان في اللغة أو كان في غير ذلك من معالم ومباني هذا الدين العظيم. ووقفة أخرى نقفها في ذهاب عام وإقبال عام آخر: أننا نقف مع أنفسنا وقفة، وقفة اتعاظ وذكرى فيما ينبغي أن يصلح المرء مع نفسه، ومع أسرته، ومع مجتمعه. ماذا قدمت لنفسك حتى تفرح بذهاب عام وتستقبل عام آخر؟ فإن عمرك إنما هو الساعات والأيام والأسابيع والأشهر والأعوام. فإن لم تعمرها بخير فإنها ستكون حسرة وندامة. فكيف، كيف إذا عمرتها بغير ذلك من أبواب السيئات وطرق الخطيئات، والسقوط في أنواع القاذورات والمحبطات؟ فإنك تكون على ندامة عظيمة وحسرة كبيرة. ولهذا كان السلف يعظمون الوقت أشد التعظيم لعلمهم أنه هو حياة هذا الإنسان الذي به يلقى ربه. وكما قال الحافظ: «وقتك أسدك، إن أمسكته حرسك، وإن أطلقته افترسك». فإن لم تحمِ نفسك بالمحافظة على وقتك بالاستكثار من الحسنات والاستزادة من الطاعات والقربات، فإن ذلك ينقلب عليك حسرة وندامة، إن كان في الغفلة والضياع، فكيف إذا كان في السيئات والذنوب والخطيئات، ورمي نفسك في أنواع القاذورات؟ خصوصًا وأننا نبتلي في هذا الزمان من أنواع الملهيات والمغريات والشهوات والشبهات ما يجر الإنسان إلى الطرق المنحرفة الزائغة التي تهلكه وتضره. فهذه الوسائل المتنوعة في هذه الجوالات أو الشاشات أو غيرها، ورفقاء السوء، وأماكن السوء، ووسائل الإعلام المتنوعة، كلها إلا ما رحم الله وهو قليل نادر، مدعاة لجر الإنسان إلى طريق الغواية وإبعاده عن طريق الاستقامة. والمسلم من سلم نفسه بالمحافظة على الدين القويم والصراط المستقيم وثوابت هذا الدين العظيم، الذي به يسلم وتسلم أسرته وأبناؤه ويسلم مجتمعه. فالله الله أيها المسلم أن تكون ممن يحافظ على وقتك في طاعة الله ومرضاته، وفي منفعة دينية أو دنيوية. وكان السلف كما جاء عن ابن مسعود وغيره يكرهون الرجل أو الشاب لا ينتفع بوقته في دين ولا دنيا. بل لنكن من الجادين في هذه الحياة بإعمار هذه الدنيا بخير ننتفع به في الآخرة أو ننتفع به في هذه الدنيا. نسأل الله عز وجل أن يفقهنا في أمر شرعنا، وأن يبصرنا بأمر ديننا، وأن يجعلنا هداة مهتدين. والحمد لله رب العالمين. الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له ولي الصالحين، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله وصفيه وخليله الصادق الأمين. أما بعد، فيا أيها المسلمون، يا عباد الله: وإن من الوقفات والعظات والعبر أن يقف المسلم كذلك مع نفسه وقفة توبة واستغفار، فهو يتوب إلى الله ويستغفره بكل وقت وحين، كما كان نبينا صلى الله عليه وسلم يتوب إلى الله ويستغفره في المجلس الواحد أكثر من سبعين مرة، كما جاء من حديث الأغر والأغر - أو كما جاء من حديث البراء والأغر - وجاء من حديث ابن عمر عند الترمذي وغيره أنه كان يكثر أن يقول: «رب اغفر لي وتب علي، إنك أنت التواب الرحيم»، أكثر من سبعين أو مائة مرة. وهكذا نحن أحرى بهذا، فإن المذنبون المقصرون المخطئون، ونحن أحوج بهذا. وذكر الله عز وجل عند انتباهنا بذهاب عام وإقبال عام، لا على وجه التخصيص ولكن على وجه العموم، فإنك تذكر نفسك دائبا وأبدا بالتوبة، ويزداد هذا التذكير بالتوبة وذكر الله والاستغفار عند حصول مثل هذه الأحداث. فقد أمرنا الله عز وجل عند انقضاء الأعمال الصالحة بذكر الله عز وجل وتكبيره، كما قال سبحانه: ﴿فَإِذَا قَضَيْتُمُ الصَّلَاةَ فَاذْكُرُوا اللَّهَ﴾، وكما قال جل وعلا: ﴿فَإِذَا أَفَضْتُم مِّنْ عَرَفَاتٍ فَاذْكُرُوا اللَّهَ﴾، وكما قال الله عز وجل: ﴿فَإِذَا قَضَيْتُم مَّنَاسِكَكُمْ فَاذْكُرُوا اللَّهَ﴾، وكما قال الله عز وجل: ﴿شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِّلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِّنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ فَمَن شَهِدَ مِنكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ﴾ إلى أن قال: ﴿وَلِتُكْمِلُوا الْعِدَّةَ وَلِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾. تأمل هذا، وتأمل حاجتنا لذلك عند استحضارنا لوقوع الكثير من الغفلة والسقطة والنقص والتقصير. فإنك في حاجة أن تكثر من التوبة والاستغفار والإنابة والذكر لله عز وجل. وهكذا تستفتح عامك بطاعة الله عز وجل وتوبة صادقة خالصة مستوفية لشروطها، حتى يعينك الله عز وجل لمحو ما مضى والاستفتاح بجديد صالح ناصع فيما بقي. ونسأل الله سبحانه وتعالى حسن الخاتمة والدوام على الطاعة. ومن الوقفات، أيها المسلمون، يا عباد الله: أن يقف المسلم مع نفسه كذلك في فضل هذا الشهر، فإن لهذا الشهر فضائل. ومن فضائله: أنه أفضل الأشهر في الصيام بعد شهر الصيام رمضان. وقد صح عن النبي صلى الله عليه وسلم في صحيح مسلم من حديث أبي هريرة رضي الله عنه وأرضاه أنه قال عليه الصلاة والسلام: «أفضل الصيام بعد رمضان شهر الله المحرم». فهو أفضل الأشهر للصيام على الإطلاق. فمن تيسر له الصيام في شهر الله المحرم فإنه ينال فضلًا عظيمًا لما جاء في فضله عن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم. وجاء في السنن وغيره بإسناد صحيح أنه سُئل النبي صلى الله عليه وسلم عن أفضل الصلاة بعد المكتوبة، فقال: «قيام الليل»، أو قال: «الصلاة في جوف الليل». وعن أفضل الصيام بعد رمضان، فقال: «صيام في شهر الله المحرم». وهكذا من فضائله، كما ذكر الحافظ ابن رجب وغيره: أن فيه عشرًا هي من أفضل العشر في العام. فكان السلف يقولون، كما روي ذلك عن أبي عثمان النهدي رحمه الله تعالى وهو ممن أخذ عن الصحابة: «كانوا يرون ثلاث عشرات معظمات في العام: عشر ذي الحجة، والعشر الأخير من رمضان، والعشر الأول من محرم». وذلك لما في هذه العشر كذلك من يوم عاشوراء، الذي فيه من الفضل ما جاء تخصيصه بالصيام عن النبي صلى الله عليه وسلم، ويُسن أن يصام يوم قبله أو يوم بعده، كما صح عن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم. وبهذا تعرف أن أشهر العام فيها مزايا وخصائص وفضائل ينبغي أن تتتبعها، وينبغي أن تتعلم فقهها وتأخذ وتعمل بالفضائل التي ورد فيها. أيها المسلمون، يا عباد الله: لا يزال المسلم في خير ما دام أنه بقي يستطيع العمل في هذه الدنيا. فهذه الدنيا دار عمل، والآخرة دار مستقر وحساب. فمن وفق أن يستزيد من الأعمال الصالحة، فيتوب إلى الله ويستزيد من الحسنات، ويتوب ويستغفر من السيئات، ويجتهد ويجاهد في الوصول إلى أرفع الدرجات، فهو في خير وعافية. نسأل الله سبحانه وتعالى أن يوفقنا وإياكم لكل خير، وأن يدفع عنا وعنكم كل شر وضير، وأن يجعلنا هداة مهتدين غير ضالين ولا مضلين. اللهم أصلح أحوالنا وأحوال المسلمين في كل مكان. اللهم أصلح أحوالنا في بلادنا اليمن وسائر بلاد المسلمين يا رب العالمين. اللهم أصلح أمتنا ولاة أمورنا، واجعل ولايتك في من خافك واتقاك واتبع رضاك يا رب العالمين. اللهم اجعل لهذه الأمة أمر رشد يعز فيه أهل طاعتك ويذل فيه أهل معصيتك. اللهم يا ربنا، اللهم يا ربنا، أغثنا غيثًا مغيثًا. اللهم اسقنا وسقِ العباد والزرع والضرع والحاضر والباد. اللهم غيثًا ينفعنا ولا يضرنا. اللهم أغثنا، اللهم أغثنا، اللهم أغثنا. وأقم الصلاة.