الدرس في التعليق على الجواب الكافي 126، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد
يُناقش أهمية تنظيم الوقت للاستفادة القصوى من العبادات والتفكر في آيات الله ونعمه. يُشدد على ضرورة استغلال الوقت في الطاعات وطلب العلم.
يُوضح أنواع الخواطر والأفكار التي تُشغل العاقل وتحتاج إلى تنظيم الوقت. تصنف الخطرات إلى أقسام خمسة وما عداها يعتبر وساوس شيطانية أو أمان باطلة.
يُحذر من ضياع الوقت في الفراغ الذي قد يؤدي إلى الانشغال بالباطل. من يضيع وقته يفقد مصالحه كلها، ومن يضيعه في الحرام أو الغفلة يعيش عيش البهائم.
بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على رسول الله وآله وصحبه ومن والاه. بعد، فذكر الإمام ابن القيم رحمه الله خطرات العاقل، وأن خطراته لا تتجاوز المصالح المترتبة على هذه الخطرات، وأن تكون لله عز وجل والدار الآخرة. فذكر الإمام ابن القيم بعد ذلك الخواطر والأفكار التي تكون لله عز وجل أنواعًا، فذكر لنا أربعة أنواع: الفكرة في آيات الله المنزلة، والفكرة في آيات الله المشهودة والاعتبار بها، والثالثة الفكرة في آلائه وإحسانه وإنعامه على خلقه، والرابع الفكرة في عيوب النفس وآفاتها وفي عيوب العمل. ثم قال رحمه الله: الخامس الفكرة في واجب الوقت ووظيفته، وجمع الهم كله عليه. فالعارف ابن وقته، فإن أضاعه ضاعت عليه مصالحه كلها. فجميع المصالح إنما تنشأ من الوقت، فمتى أضاع الوقت لم يستدركه أبدًا. والمراد هنا أنه كيف يوظف وقته وينظم وقته. هذه الأشياء الآن التي ذكرها الأربعة الأولى تحتاج إلى وقت ينظمها. متى يكون عنده يتفكر في آيات الله عز وجل، في تلاوته في الليل، في صلاة الليل، في الصلوات الأخرى؟ وفي أيضًا يكون له ورد من القرآن في وقت ما، أو ورد يراجعه. فهذا كله يحتاج إلى تنظيم. كذلك أيضًا التفكر في آيات الله عز وجل عندما يخلو بنفسه، كذلك أيضًا يتفكر في آلاء الله وإنعامه عليه، ويجتهد أن يشكر الله عز وجل على هذه النعم، ويحمده سبحانه وتعالى. ثم أيضًا يحتاج إلى بعض الوقت ليعيد حساباته، ويفكر في عيوب نفسه، وماذا قدم وماذا أخر، وماذا فعل؟ هل فعل الخير والإحسان أم أنه فعل شرًا؟ هذا كله يحتاج إلى وقت. وكذلك أيضًا الوقت هذا يجعله في شكره لله عز وجل، في طاعة الله سبحانه وتعالى. لكن غالبًا إذا كان الإنسان لا ينظم وقته، فإنه قد يضيع هذا الوقت عليه دون أن يستفيد منه. وأما إن كان ينظم وقته، حتى أمور العبادة تحتاج إلى تنظيم، تحتاج إلى وقت يجعل له. ولهذا كان النبي صلى الله عليه وسلم له ورد من القرآن يقرأه، وكذلك أيضًا عليه الصلاة والسلام كان يحافظ على وقته. أيضًا المحافظة على الوقت أيضًا فيها نظم الوقت وتوظيفه، فيه أيضًا أن الإنسان يعتني بعباداته وطاعاته، فيصلي كل صلاة في وقتها، وكذلك يصلي السنن والرواتب، فيداوم عليها. فلهذا جاء في الحديث: حديث عائشة أن النبي عليه الصلاة والسلام قال: «أحب الأعمال إلى الله ما دوم عليه العبد وإن قل». فمداومتك على طاعة الله عز وجل شيء عظيم، ولو كانت قليلة، لكنها يداوم عليها. ومعنى يداوم عليها: يصليها في أوقاتها. وكذلك أيضًا يداوم على هذه الطاعات، سواء كانت صلاة أو صيامًا أو غيره، فيكون منتظمًا فيها. وأيضًا طلب العلم والتفرغ لذلك أيضًا يحتاج إلى تنظيم وقت: وقت الدروس، وقت الكتابة، وقت المراجعة، وقت أيضًا كذلك الحفظ، وقتًا كذلك للنظر أو مطالعة الكتب والبحث. وكل ذلك يحتاج إلى وقت. فلو كان مثلًا الإنسان لا ينظم وقته وتضيع عليه الأوقات، فلهذا فالوقت له أهمية عظيمة. وقد قال نبينا عليه الصلاة والسلام كما في البخاري في حديث ابن عباس قال عليه الصلاة والسلام: «نعمتان مغبون فيهما كثير من الناس: الصحة والفراغ». الصحة والفراغ: الصحة هي أيضًا وقت، والفراغ أيضًا وقت. ومعنى ذلك: أن الإنسان يحافظ على وقته، فيغتنم وقت صحته حتى لا يأتي وقت مرضه فلا يستطيع أن يفعل هذه الأشياء. وأيضًا يغتنم وقت حياته وعمره وشبابه حتى لا يضيع عليه ثم يتندم على ذلك. قال الإمام الشافعي رضي الله عنه: «صحبت صوفية فلم أستفد منهم سوى حرفين: أحدهما قولهم الوقت سيف، فإن لم تقطعه قطعك». وذكر الكلمة الأخرى: «ونفسك إن لم تشغلها بالحق وإلا شغلتك بالباطل». هذه كلمة حق. إن لم تشغل نفسك بالحق وبالخير وبما ينفعك في هذه الحياة، فلا شك أنها ستشغلك بالباطل. لأن إذا كان عندك الفراغ وعدم استغلال الوقت، ستشغل بالباطل. فالواجب على المسلم خاصة طالب العلم أن يحافظ على وقته. فهذه النفس الأمارة بالسوء إذا وجدت فراغًا وإذا وجدت ضياعًا في الوقت أشغلت الإنسان. قال: «فوقت الإنسان هو عمره في الحقيقة، وهو مادة حياته الأبدية في النعيم المقيم، ومادة المعيش الضنك في العذاب الأليم». قال: «وهو يمر أسرع من مر السحاب». فما كان من وقته لله وبالله فهو حياته وعمره. ولهذا جاء في الآيات: ﴿قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ لَا شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ﴾. فقوله: «ومحياي» أي حياتي كلها لله. حياتي كلها لله عز وجل، ووقت العبادة لله. فمن جعله لغير الله أو أضاعه وجعله لنفسه، فإنه لا شك أنه سيخسر هذا الوقت وسيتندم عليه. وأما من حافظ على وقته، وكذلك لم يجعل لنفسه حظًا، أي لنفسه حظًا من شهواتها وملذاتها، بل قادها بكتاب الله عز وجل وبسنة رسوله صلى الله عليه وسلم، وألزمها هذه الطريق، فإنه على خير عظيم. قال رحمه الله: «وهو مادة حياة الأبدية في النعيم المقيم، ومادة المعيش الضنك في العذاب الأليم». أن هذا الوقت إن شاء جعله في نعيم مقيم، في راحة أبدية، في طمأنينة، في راحة بال. وإن كان مثلًا يبتلى، إن كان يعذب، وإن كان أيضًا كذلك لا يجد مالًا، لا يجد كذا، لكنه في طمأنينة وراحة. وإلا صارت هذه الأوقات معيشة الضنك، إذا كان معرضًا عن الله أو مضيعًا لأوقاته في الحرام. قال: «فما كان من وقته لله وبالله فهو حياة وعمره، وغير ذلك ليس محسوبًا من حياته، وإن عاش فيه طويلًا، فهو يعيش عيش البهائم». فإذا قطع وقته في الغفلة والشهوة والأماني الباطلة، وكان خير ما قطعه بالنوم والبطالة، فموت هذا خير له من حياته. إذا كان سيضيع وقته. قال: «وإن العبد لفي الصلاة ليس له في الصلاة إلا ما عقل منها». أي ما أدرك فيها وما تدبر فيها. وهذا كما قال الإمام الشوكاني: مجمع عليه بين العلماء. قال الإمام الشوكاني في النيل: «وأجمعوا على أنه ليس للرجل من صلاته إلا ما عقل». ليس له من صلاته أي ليس له من أجرها إلا ما عقله منها. ولهذا قال النبي عليه الصلاة والسلام: «إن العبد لا يصلي الصلاة فلا يدرك منها إلا نصفها، وثلثها، وربعها، وخمسها، بحسب حضوره في الصلاة». بحسب حضوره في الصلاة، إن حضر الصلاة كله وخشع فيها كان أجره كاملًا، وإن ترك ذلك كان أجره ناقصًا. قال: «فليس له من عمره إلا ما كان فيه بالله وله». وما عدا هذه الأقسام من الخطرات والفكر عن هذه الخمسة الأقسام ما عداها، فإما وساوس شيطانية، وإما أمان باطلة وخدع كذابة، في منزلة خواطر المصابين في عقولهم من السكارى والحشاشين والموسوسين. ولسان حال هؤلاء يقول: «عندك شارف الحقائق، إن كان منزلتي في الحب عندكم ما قد لقيت، فقد ضيعت أيامي أمانيًا، ظفرت نفسي بها زمنًا، واليوم أحسبها أضغاثًا وأحلامًا».