الدرس في الصحيح المسند مما ليس في الصحيحين 346، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد
يروي مطرف بن عبد الله عن الزبير بن العوام أنه جاء إلى ضيعة الزبير بعد مقتل عثمان، وكان الزبير وطلحة يريان عدم قتل المصريين الذين قتلوا عثمان. منع عثمان الصحابة من الدفاع عنه حتى لا يقع قتال بين المسلمين.
قتلة عثمان عوقبوا في الدنيا قبل الآخرة، ويستشهد بقصص بعضهم مثل ابن سريح وعمرو بن الحمق. الصحابة مثل الزبير وطلحة اختلفوا في الفتنة التي حصلت بعد مقتل عثمان.
أهل السنة يبررون تصرفات الصحابة، حتى لو أخطأوا، بأنهم أرادوا الخير. خرج الصحابة إلى الجمل بقصد الإصلاح لا القتال، ولكن حدثت الفتنة بسبب ترصد البعض.
الخوارج أشعلوا الفتن بين الصحابة، ونتج عن ذلك فتنة الجمل التي حصلت بسبب تحرك بعض الصحابة للقتال رغم تحريهم للخير. لم يقتلوا أحدا من القادة.
بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله، الصلاة والسلام على رسول الله وآله وصحبه ومن والاه بعد. قال شيخنا محمد: من هذا الواد، قال: لما رحمة الله تعالى، حدثنا أبو سعيد مولى بني هاشم، وهو عبد الله بن عبد الرحمن مولى بني هاشم، قال: حدثنا شداد عن ابن سعيد، قال: حدثنا غيلان بن جرير، وهو بصري، شداد أيضا البصري، عن مطرف، ومطرف ظهر أنه ابن عبد الله بن الشخير، والده ووالده صحابي، عبد الله بن الشخير، وله أيضا أخ محدث، وهو أبو العلاء، ومطرف كان فقيها، وحصلت له عدة كرامات ذكرها الإمام على الكائن في كرامات الأولياء. قال مطرف: قلنا للزبير رضي الله عنهما: يا أبا عبد الله، ما جاء بك إلى ضيعتنا الخليفة حتى قتل، ثم جئتم تطلبون بدمه؟ قال الزبير رضي الله عنه: إنا قرأناها على عهد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، وأبي بكر، وعمر، وعثمان رضي الله عنهم، واتقوا فتنة لا تصيبن الذين ظلموا منكم خاصة، لم نكن نحسب أن أهلها كذلك حتى وقعت منا حيث وقعت. قال: هذا إسناد صحيح، رجاله رجال صحيح، والزبير رضي الله عنه كان من خيار أصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، كما تقول: وهو مبشر بالجنة، وهذا اختلاف بينه وبين علي رضي الله عنهما جميعا، من الاختلاف الذي ليس بذاك الاختلاف الذي يؤدي إلى شيء من التجريح، لأن كل منهما مجتهد، كل منهم مجتهد، كلهم اجتهدوا رضي الله عنهم. وكان الزبير وطلحة رأيهما أنه لا يقتل من قتل عثمان من المصريين الذين جاءوا من مصر، وكذلك كان معهم من أهل الجزيرة، فتألبوا على عثمان رضي الله عنه، وقد أراد الصحابة أن يدافعوا عنه، لكن منعه، جاءه بريرة، وجاءه العباس، وجاءه غيره رضي الله عنهم، لكن قال: إن كنتم ترون أنه حقا عليكم، فاذهبوا، والله ما أريد أن يصفك دما مسلم بسببه، وهذا من دينه وإخلاصه رضي الله عنه، فأصرف عن قتاله، فدى نفسه حتى لا يكون بين المسلمين قتال، وإلا لو حصل قتال لقد قتل كثير من المسلمين في ذلك المكان، لكن عثمان رضي الله عنه صرف هذا الأمر، وصار بقتله أي هذا الأمر قتلوه رضي الله عنه، وهو صائم قارئا للقرآن. وذكر أهل التاريخ أن هؤلاء الذين قتلوا عثمان وشاركوا فيه، عوقبوا في الدنيا قبل الآخرة، حتى أن ابن سريح قال: وجبت رجلا في الحج، كان يقول: اللهم اغفر لي، وما أظنك أن تغفر، قال: فتعجبت من هذا، فقلت له: ماذا تدعو بهذا الدعاء؟ قال: أنا ممن شارك في قتل عثمان رضي الله عنه، وضربته، أردت أن أقتله، فتقدمت امرأة، فضربت السيف في يدها، فقال عثمان: اللهم أشل يده، قال: فشلت يده، فنظرت إلى يده فإذا هي يابسة، قد شلها الله تعالى فيها الشلل. وأما عمرو بن الحمق، فكذلك أيضا، كفاه الله شر نفسه، وجد الناس من شغله، كانوا من أولئك الذين خرجوا على عثمان رضي الله عنه، فقال الزبير رضي الله عنه: لم نكن نحسب أن أهلها كذلك حتى وقعت منا حيث وقعت، واتقوا فتنة لا تصيبن الذين ظلموا منكم خاصة، بل تكون عامة، وتكون أيضا خاصة، فصيب بها أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم. يقول للزبير: إنه في هذه الفتنة التي حصلت بعد موت عثمان رضي الله عنه، وهذه الفتنة التي قد أخبر بها رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، كما جاء في الحديث الذي رواه موسى بن طلحة، لما دخل أبو موسى عند النبي صلى الله عليه وسلم، فقال له: أيد الله له، وبشره بالجنة، ثم دخل عمر، فقال: أيد الله له، وبشره بالجنة، ثم جاء عثمان، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: إذن له، وبشره بالجنة، على بلوى تصيبه، على بلوى تصيبه، وجاء في الوحي على فتنة تصيبه. فلما حصلت هذه الفتنة، وقتل عثمان، كانت الزبير وطلحة رضي الله عنهما بعيدان عن أن يكونا ممن أخذ على عثمان شيئا، لكن لم يتدخلا في هذا الأمر، فلما سمع ذنب قتل عثمان، فكان ذلك عليهما من صاحب فتنة، ففكر وكلم من أهله، ومن عائشة رضي الله عنها، على أنهم لابد أن يقتلوا من قتل عثمان رضي الله عنه، ثم يبايعوا لعلي، هم يبايعوا بعد ذلك العلم، فهم لم يرفضوا مبايعة علي، وإنما رفضوا أن يبايعوا أولا قبل أن يحاسب من قتل عثمان، ورأوا أن الأفضل الأولى أن تستتب الأمور، ثم بعد ذلك يحاسب من أخذ عثمان، وإلا فلو قتل قبل أن يكون خليفة، فقد تزداد الأمور تعقيدا، ولا يكون في أحد طاعة، فهذا رأيهم، وهذا رأي علي، كلهم مجتهدون، بين الأجر والأجرين رضي الله عنهم. ومن عقيدة أهل السنة أنهم لا يتكلمون في الصحابة رضي الله عنهم، ولا يتأولونهم بشيء، بل كلهم أهل اجتهاد وأهل دين، وكذلك هم أرادوا خيرا، فهم بين الأجر والأجرين، من أصاب منهم فلهم أجر، ومن أخطأ منهم فلهم أجر، ثم أنهم رضي الله عنهم لما خرجوا إلى الجمل، أرادوا أن يصلحوا فقط، ولم يردوا قتالا، كما جاء عن الزبير أنهم خرجوا ما أرادوا شيء أن يحصل قتالا، لكن هناك من يتربص بمثل هذه الفتن، فهو الذي أشعلها. ولهذا لما عزم الزبير أن يرجع، ورجعت عائشة رضي الله عنها، وأراد الزبير أن يرجع، فضربه بعض من كان مع علي، وقال: إنه يروغ عن الحرب، ويقال: إنه ضربه بسهم، فأثبته، فقتل في ذلك اليوم، وقتل أيضا طلحة، وقتل أيضا غيرهم من الصحابة رضي الله عنهم، وقتلوا غدرا، لم يكن هناك قتال بينهم وبين علي رضي الله عنه، بل أرادوا أن يرجعوا، واقتنعوا على الرجوع، لكن لما رأوا بعضهم أنهم سيرجعون، فحاولوا غدرهم، فقتلوا رضي الله عنهم. ولهذا قال مطرف: قلنا للزبير رضي الله عنه: يا أبا عبد الله، ما جاء بكم إلى الجمل؟ ما جاء بكم إلى ضيعتنا الخليفة حتى قتل، ثم جئتم تطلبون بدمه؟ قال الزبير رضي الله عنه: إنا قرأناها على عهد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، وأبي بكر، وعمر، وعثمان رضي الله عنهم، وهذا يدل على فقهه، وشدة معرفته بكتاب الله تعالى، وعلى فهمهم لما كانوا يتوقعون أن المراد بها الفتنة الخاصة التي تقع بينهم. واتقوا فتنة لا تصيبن الذين ظلموا منكم خاصة، فلهذا ما كانوا يتوقعون أنه سيحصل بينهم شيء، ولهذا في حديث عبد الله بن عمر في صحيح مسلم، لما قال النبي عليه الصلاة والسلام: كيف إذا فتحت عليكم فارس والروم؟ قال عبد الرحمن بن عوف: نقول كما قال ربنا: ﴿الحمد لله رب العالمين﴾، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: أو هذا أو هذا فقط؟ بل أنتم تتباغضون وتتدابرون وتتحاسدون، أو قال: ويسير بعضكم فيطير بعضكم رقاب بعض، بسبب هذه الفتن التي تحصل بعد دخول المال وغيرها، فيتدابر الناس، ويتنافر الناس، فيقتلون فقراء مهاجرين، ويكون بينهم وبينهم حرب، فهذه الفتن أخبر بها النبي عليه الصلاة والسلام. لكن الصحابة لم يكونوا يتوقعون أن يحصل بينهم هذا، فجاء هؤلاء الخوارج، فأشعلوا هذه الفتن بين الصحابة، ومن معهم، وصارت مثل هذه الفتن العظيمة، فقال الزبير: لما كنا نحسب أن أهلها كذلك حتى وقعت منا حيث وقعت، فرضي الله عنهم، مع تحريهم للخير، إلا أن حصلت بينهم هذه الفتنة العظيمة، وهي فتنة الجمل، أو في الجمل، لكن بحمد الله أنه لم يقتلوا أحدا من القادة، زبير وطلحة، ما قتلوا أحدا، ولا شاركوا أيضا في القتال، لا اجتمعوا أنهم يخرجوا، فحصل ما حصل، قلوا: أحد، وقتلوا أحد.