الدرس في الصحيح المسند مما ليس في الصحيحين 347، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد
في غزوة أحد، خالف الرماة أوامر النبي صلى الله عليه وسلم، مما أدى إلى هجوم الكفار من الخلف ومقتل العديد من المسلمين. أسفرت المعركة عن مقتل حمزة بن عبد المطلب ومصعب بن عمير وتعرض النبي صلى الله عليه وسلم للإصابة.
دافع الصحابة، ومنهم طلحة بن عبيد الله، عن النبي صلى الله عليه وسلم في غزوة أحد، وقاتلوا الكفار حتى استطاع النبي صلى الله عليه وسلم الصعود إلى الصخرة. أثنى النبي صلى الله عليه وسلم على طلحة لما قام به من دفاع.
يروي الزبير بن العوام عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: «يومئذ أوجب طلحة» في إشارة إلى بطولته في يوم أحد. يُثني الحديث على دور طلحة بن عبيد الله في الدفاع عن النبي صلى الله عليه وسلم.
صعد النبي عليه الصلاة والسلام على جبل مع الصحابة، يذكر الحديث هذا الحدث. الله تعالى أعلم بتفاصيل القصة.
بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وسلم. أما بعد، قال شيخنا محمد بن هاد الوادي، رحمه الله: قال الإمام أحمد، رحمه الله: حدثنا يعقوب. يعقوب بن إبراهيم بن سعد بن إبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف الزهري، قال: حدثنا أبي، إبراهيم بن سعد، عن ابن إسحاق. وإبراهيم بن سعد هو أوثق من روى، أو أثبت من روى السيرة عن ابن إسحاق، لكن المشهورة، السيرة المشهورة، هي عن البكائي، فهو روى أكثر السيرة عن ابن إسحاق، وأكثر من رواها عن ابن إسحاق رواها من طريقه، من طريق البكائي. قال ابن إسحاق، وهو محمد بن إسحاق بن يسار المدني، وهو موسوعة في علم التاريخ والسير: حدثني يحيى بن عباد بن عبد الله بن الزبير، وهو ثقة، عن نبيه، وهو عباد بن عبد الله، عن عبد الله بن الزبير، عن الزبير، رضي الله عنه، قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يقول: «يومئذ أوجب طلحة»، حين صنع برسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ما صنع، يعني حين برك له طلحة، وصعد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم على ظهره. قال: هذا حديث حسن، وقد أخرجه ابن أبي عاصم في «السنة»، وابن يعلى، والترمذي، وقال: هذا حديث حسن، صحيح غريب. هذا حديث الزبير، رضي الله عنه، في فضل طلحة بن عبيد الله، رضي الله عنه. وطلحة من المبشرين بالجنة، وقد أخر النبي عليه الصلاة والسلام بينه وبين الزبير، وكان في أكثر الأحيان يكون رأيهما واحدًا. ولهذا إذا ذكر الزبير ذكر بعده طلحة، أو إذا ذكر طلحة ذكر الزبير، رضي الله عنهما. والزبير أسدي، وطلحة تيمي، من قبيلة أبي بكر الصديق. ولهذا ذكر ابن إسحاق في السيرة، وكذلك الواقدي، وذكرهم أيضًا ابن سعد، عن الواقدي: أنه كان معنى بسنده أن رجلًا من آل الزبير، أو من أقارب آل التيم، الله. وجاء في رواية أخرى: أنه أسدي، لكن الصحيح أنه تيمي أيضًا. وكان أخو طلحة الكبير، فكان لما أسلم طلحة قرنه بأبي بكر الصديق، وربطهما معًا، أنه ربطهما معًا حتى لا يتحرك، فلهذا سمي «القرينان»، سمي «القرينان»، أي الصديق وطلحة. فقال الزبير، رضي الله عنه: يقول: سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يقول: «يومئذ»، يومئذ، أي يوم أحد، يوم أحد، كان كله لطلحة، معناه قد أبلى بلاءً عظيمًا، رضي الله عنه، ودافع عن رسول الله عليه الصلاة والسلام أشد الدفاع. معلوم أن أحد كانت الغلبة للمسلمين، حتى أن الكفار قد انسحبوا، قد تراجعوا، لكن لما خرج الرماة من الجبل، ورأوا أن الناس يجمعون الغنيمة، فقال لهم عبد الله بن جبير - وكان قد وكله النبي صلى الله عليه وسلم في الرماة -: قال لا تخرجوا، النبي عليه الصلاة والسلام أمركم أن لا تخرجوا، فلم يسمعوا له وخرجوا. فوجد خالد بن الوليد - رضي الله عنه - قد كان مع الكفار، وجد هذه الثغرة، فجاء من خلف الجبل، وجاء للمسلمين من خلفهم، فلهذا صار أهل الإسلام بين الكفار، أن صار في الوسط، من أمامهم كفار، ومن خلفهم كفار، أي جيش الكفار من أمامهم ومن خلفهم، فلهذا حوموا عليهم من هنا ومن هنا، حتى لم يستطع أهل الإسلام أن يخرجوا منهم. وقتل صاحب الراية، مصعب بن عمير، رضي الله عنه، كانت الراية معه، وقتل أيضًا أسد الله وأسد رسوله صلى الله عليه وعلى آله وسلم، حمزة، وقتل قرابة سبعين رجلًا من المسلمين. لكن مع هذا القتل الذي استحر بالمسلمين، الصحابة رضي الله عنهم لم يعرف بعضهم بعضًا، حتى أنهم لم يعلموا مكان رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم، وظن بعضهم أنه قد مات أو قتل. حتى أن بعضهم قد جلس، فرأى عبد الله بن عمر بن حرام، أو أنس بن النضر، رأى بعض الصحابة جلوسًا، فقال: ما أجلسكم؟ قالوا: قد مات رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم. قال: وقد مات، فما تريدون بالدنيا بعده عليه الصلاة والسلام؟ فقاموا وقاتلوا، فقاتلوا، رضي الله عنهم. وكان الكفار قد رأوا رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم، ورآه بعض المسلمين، ظاهر أنه عقبة بن عامر، أو البراء بن عازب، حتى أن النبي عليه الصلاة والسلام قال له: على أن يسكت. فلما علم المسلمون بحياة رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم قاموا وشدوا، لكن الكفار اجتمعوا على رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم، وأرادوا أن يقتلوا النبي عليه الصلاة والسلام، فشجه ابن قمئة، كماه الله في رأسه، ويقال أيضًا أن عتبة بن أبي وقاص ضربه في رباعيته، معنى في سنه، كسر سنه، فشج رأسه عليه الصلاة والسلام، وكسرت رباعيته، صلوات الله والسلام عليه، حتى سال الدم عن وجهه عليه الصلاة والسلام. وكما قال ابن مسعود: كان النبي صلى الله عليه وسلم يمسح عنه الدم، ويقول: «اللهم اغفر لقومي فإنهم لا يعلمون»، نبيًا من أنبياء الله أدموه قومه، وهو يقول: «اللهم اغفر لقومي فإنهم لا يعلمون». فحاط بعض الكفار بالنبي عليه الصلاة والسلام، فلما رأى بعض الأنصار هذا حاطوا بالنبي عليه الصلاة والسلام، يدافعون عنه. والنبي صلى الله عليه وسلم أراد أن يصعد الجبل، فأرادوا أن يمنعوه، فكان الأنصار 13 رجلًا من الأنصار، وجاءت في رواية مسلم: 12 رجلًا من الأنصار، واثنان من المهاجرين، منهما طلحة بن عبيد الله، فقاتل الأنصار، رضي الله عنهم، وقتلوا كلهم، ما بقي إلا مع النبي عليه الصلاة والسلام إلا طلحة، فكان طلحة يردهم وحده. وقد جاء أيضًا الصديق، وجاء سعد بن وقاص، يقول سعد، رضي الله عنه: لما كان يوم أحد رأينا الناس اجتمعوا، أي الكفار اجتمعوا على شيء، قال: فلما ذهبنا، فإذا رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم، وعنده طلحة، والأنصار، فدافعوا، لكن طلحة كان قريبًا من النبي عليه الصلاة والسلام، وكان يرد النبل بجسده، رضي الله عنه، ويردهم كذلك بسيفه، حتى صعد النبي عليه الصلاة والسلام الصخرة. لكن لما أراد أن يصعد ما استطاع؛ لأنه قد وقع في بعض الحفر التي كان عملها الكفار في مكان أحد، والظاهر أنها عملها ذلك الشيطان، عمر بن مالك النكري، فوقع النبي عليه الصلاة والسلام في بعض هذه الحفر، فلهذا لم يستطع أن يصعد على الصخرة. فلما رأى طلحة أنه لم يستطع، فمد ظهره، رضي الله عنه، وصعد رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم على الصخرة. وهذا الذي ذكر هنا الزبير، رضي الله عنه، قال النبي عليه الصلاة والسلام: «أوجب طلحة»، أي أوجب الجنة. قال: حين صنع برسول الله ما صنع، من مدافعته عن رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم. ثم قال: يعني حين برك له طلحة، فصعد رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم على ظهره. وإنما فعل ذلك؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم لم يستطع أن يصعد للصخرة؛ لأنه صار فيه شيء، معنى لما وقع في الحفرة ما استطاع أن يصعد، فبرك له طلحة حتى صعد رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم. فقال: «أوجب طلحة». قال النبي عليه الصلاة والسلام: «أوجب طلحة». وجاء عن أبي بكر الصديق، ذكره ابن إسحاق في السيرة، وكذلك ذكره الواقدي، لكن سنده فيها ضعف: أن أبا بكر الصديق، رضي الله عنه، قال: «كان يوم أحد يوم طلحة»، كان يوم أحد يوم طلحة، معنى أنه أعظم من دافع وفعل واجتهد في قتال الكفار، هو طلحة بن عبيد الله، رضي الله عنه. فهذا قصة هذا الحديث. ثم بعد ذلك صعد النبي عليه الصلاة والسلام على جبل، وصعد معه الصحابة، رضي الله عنهم. فهذا ما يذكر بهذا الحديث، والله تعالى أعلم.