الدرس في الصحيح المسند مما ليس في الصحيحين 413، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد
يبدأ المقطع بشرح حديث أبي سعيد الخدري عن خلق الله مئة رحمة ووضع واحدة في الأرض، ويوضح معنى إضافة الرحمة إلى الله عز وجل. يبين أن الرحمة قد تكون إضافة صفة أو إضافة خلق.
يتناول هذا الفصل صفة الرحمة في الإسلام، حيث يبين أن الله عز وجل رحيم ونبينا عليه الصلاة والسلام رحيم، وقد وصف الله نبيه بأنه "رحمة للعالمين". يشمل ذلك الرحمة العامة والخاصة وتجلياتها في دعوة الناس إلى الخير.
يناقش هذا الجزء أهمية الرحمة بين المؤمنين وطلبة العلم، وكيف ينبغي لهم أن يتصفوا بها ويتعاطفوا فيما بينهم. يستشهد بحديث النبي عليه الصلاة والسلام الذي يضرب المثل للمؤمنين في توادهم وتراحمهم كمثل الجسد الواحد.
بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وسلم. أما بعد، قال شيخنا مقبل بن هادي الوادعي رحمه الله: قال الإمام أبو عبد الله بن ماجه رحمه الله تعالى: حدثنا أبو قريب وأحمد بن سنان، أبو قريب هو محمد بن العلاء الهمداني البخاري، وأحمد بن سنان أبو جعفر القطان، وكلاهما من الحفاظ الكبار، قال: حدثنا أبو معاوية، وهو محمد بن خازم الضرير، وكان راوية الأعمش، وكان أصحاب الأعمش يحتكمون إلى كتابه، ولهذا قال بعض العلماء: كأحمد أنه أوثق الناس في الأعمش، أو من أوثقهم، أن بعض العلماء يقدم شعبة، وسفيان عليه؛ لأنهم أحفظ منه وأدق، لكن كتاب أبي معاوية أيضًا متقن، فلهذا قورن بشعبة وسفيان، قال: عن الأعمش، وهو سليمان بن مهران أبو محمد الكاهن، قال: عن أبي صالح، وهو ذكوان السمان المدني أبو صالح المدني، قال: عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم: «خلق الله عز وجل يوم خلق السماوات والأرض مئة رحمة، فجعل في الأرض منها رحمة، فبها تعطف الوالدة على ولدها، والبهائم بعضها على بعض، وأخر تسعة وتسعين إلى يوم القيامة، فإذا كان يوم القيامة أكملها الله بهذه الرحمة». قال: هذا حديث صحيح على شرط الشيخين. فهذا الحديث على شرط الشيخين كما قال شيخنا حفظه الله، رحمه الله: أن هذا إسناد البخاري ومسلم، لكن لم يخرجاه بهذا الإسناد، قد أخرج البخاري ومسلم هذا الحديث من حديث أبي هريرة من طرق كثيرة عن أبي هريرة، لكن لم يخرجه عن أبي سعيد، أو لم يخرج أحدهما عن أبي سعيد، وكذلك أخرجه الإمام مسلم عن سلمان الفارسي، عن سلمان الفارسي، وجاء أيضًا عن عدة من الصحابة. وهذا الحديث فيه أن الله عز وجل -أو النبي عليه الصلاة والسلام- يخبر أن الله سبحانه وتعالى خلق مئة رحمة، فجعل في الأرض منها رحمة، فبها تعطف الوالدة على ولدها، بل جاء في بعض طرق حديث أبي هريرة: حتى الوحش أن الوحش تعطف على ولدها، مع أنها متوحشة، إلا أنها تكون لها رحمة على ولدها، فهذه الذئاب تجد أنها متوحشة وتهجم، لكنها تجد رحمتها على ولدها رحمة عظيمة، كذلك الأسود والنمور وغيرها من الوحش. لهذا قال أيضًا: «والبهائم بعضها على بعض»، جاء في حديث أبي هريرة: حتى أن الناقة لترفع طرفها عن ولدها خشية أن تطأه، ونتحامل أن ترفع رجلها عن ولدها حتى لا تدعسه، هذا من الرحمة التي جعلها الله عز وجل. وهذه الرحمة التي ذكر في هذا الحديث رحمة مخلوقة، وإن أضيفت إلى الله، فالمضاف إلى الله عز وجل على نوعين: يضاف إضافة صفة له سبحانه وتعالى، وهذا كإضافة صفاته جل وعلا، ومنها صفة الرحمة، مثل القول عز وجل: ﴿وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ﴾، وقال الله عز وجل أيضًا: ﴿وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ رَحْمَةً وَعِلْمًا﴾، وأيضًا: ﴿وَكَانَ بِالْمُؤْمِنِينَ رَحِيمًا﴾، كذلك جاءت آيات كثيرة في إثبات صفة الرحمة لله عز وجل، سواء كان في الآيات أو في الأحاديث، إنما يرحم الله من عباده الرحمة، فرحمة الله هنا أيضًا في حديث: «لا يرحم لا يرحم»، حديث أبي هريرة، حديث جرير بن عبد الله، «إنما يرحم الله من عباده الرحمة»، أيضًا الحديث المشهور المسلسل بالأولية الذي رواه سفيان بن عيينة، عن عمرو بن دينار، عن قابوس مولى عبد الله بن عمر، عن عبد الله بن عمر قال: أول ما سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم سمعته يقول: «الراحمون يرحمهم الرحمن، يرحموا من في الأرض يرحمكم من في السماء»، «الراحمون يرحمهم الرحمن»، فهذه كلها الآيات والأحاديث تدل على صفة الرحمة، فإضافته هنا إضافة صفة. وقد تكون أيضًا إضافة خلق، مثل: ناقة الله، وسماء الله، وغيرها من إضافات المخلوقات، فهذا من إضافة الخلق، ومثلها هذا الحديث، هذا الحديث فيه إضافة الرحمة، لكن إضافة خلق: «خلق الله عز وجل مئة رحمة»، «خلق الله عز وجل مئة رحمة»، وفي هذا الحديث، حديث أبي سعيد فيه زيادة: «يوم خلق السماوات والأرض مئة رحمة خلقها الله»، فهي رحمة مخلوقة، وليس هي صفة لله عز وجل، وإنما هذه الرحمة خلقها لعباده، خلقها لعباده يتراحمون بينهم، فجعل في الأرض منها رحمة واحدة، واحتفظ عنده سبحانه جل وعز بتسعة وتسعين رحمة، يجعلها للعباد في الجنة، وهذا ما دام هذه الرحمة تكون بين الخلق وهي وسعتهم، فرحمتهم في الجنة -أو فيما بينهم- تكون عظيمة جدًا، فيجعل الله عز وجل مئة رحمة لعباده في جنته سبحانه وتعالى. وهذه الصفة العظيمة، صفة الرحمة، هي صفة عظيمة في ديننا، فربنا عز وجل رحيم، ونبينا عليه الصلاة والسلام أيضًا رحيم، وصفه ربه جل وعلا بالرحمة، بل إنه عليه الصلاة والسلام وصفه الله بأنه «رحمة للعالمين»، ليس فقط للمؤمنين، بل للعالمين، وصفه أيضًا بأنه «رحمة للمؤمنين»، فهو رحمة للعالمين. ولهذا عليه الصلاة والسلام ثبت عنه في جهاد الأعداء، جهاد الكفار، أنه ينهى عن قتل المرأة، وينهى عن قتل الصبي، وعن الشيخ، وعن الراهب الذي يترهب، وعن غيرهم ممن لا حيلة له، أو أنه ضعيف، فإن النبي عليه الصلاة والسلام نهى عن قتله، نهى عن قتله إلا إذا شارك، إذا شارك في القتل فإنه يقتل. وقد وجد النبي عليه الصلاة والسلام امرأة مقتولة، فقال: «من قتل هذه؟» ثم نهى عن قتل النساء والولدان عليه الصلاة والسلام، وكان أيضًا يقول عليه الصلاة والسلام: لما قيل له: «ألا تدعو على قريش؟» فقال عليه الصلاة والسلام: «إني لم أبعث لعنًا، وإنما بعثت رحمة»، «إني لم أبعث لعنًا، وإنما بعثت رحمة» عليه الصلاة والسلام. وكذلك سمي «نبي الرحمة»، ما جاء في الصحيحين في عائشة، وأبي هريرة، وغيرهما من أسمائه صلى الله عليه وسلم: «نبي الرحمة»، فهو رحمة عليه الصلاة والسلام. وكذلك القرآن وصفه الله عز وجل بالرحمة، وكذلك قبل هذا قال للنبي عليه الصلاة والسلام أي الله عز وجل: ﴿فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ﴾، فكان عليه الصلاة والسلام رحمة. ولهذا قال العلماء: إن الداعي إلى الله عز وجل يحتاج إلى الرحمة، أن الداعي إلى الله يحتاج إلى الرحمة، الرحمة العامة والخاصة؛ لأن الرحمة رحمتان: رحمة عامة لجميع الخلق، ورحمة خاصة بالمؤمنين، ﴿وَكَانَ بِالْمُؤْمِنِينَ رَحِيمًا﴾، وقال الله عز وجل: ﴿مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ﴾، فهناك رحمة عامة يرحم بها أهل الإيمان، حتى أهل الكفر، كيف يرحمونهم؟ يرحمونهم ويشفقون عليهم بأنهم لو ماتوا على الكفر لكانوا من أهل النار، فلهذا يدعونهم إلى الله، يدعونهم إلى دين الله عز وجل، وهذا رحمة بهم. ولهذا قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: «أهل السنة أرحموا الناس للناس»، أو «أرحموا الناس بالناس»، فرحمتهم هذه في دعوة الناس إلى الخير، كما كان يفعل رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم. ولهذا إذا بعث جيشًا فيقول له أولًا: «ادعوهم إلى الإسلام، فإن هم أجابوك، وإن لا فعرض عليهم الجزية، فإن هم أجابوك، وإن لا فاستعن بالله وقاتلهم»، إنه يقدم أولًا الدعوة، دعوتهم إلى الإسلام، وكذلك أيضًا إن كانوا من أهل الكتاب، عرض عليهم الجزية، حتى لا يحصل القتال، وإنما القتال صار مثل الضرورة إذا لم يأتوا إلا بالقتال، فإنهم يقاتلون حتى يدعوا للإسلام ويدخلوا في دين الله، فهذه أيضًا من الرحمة؛ لأن هذا إرادة الخير للناس، وهذه هي الرحمة: إرادة الخير للناس هي الرحمة كذلك. فلهذا فصفة الرحمة صفة عظيمة، هي صفة الله جل وعلا، صفة كتابه، وصفة أيضًا نبيه عليه الصلاة والسلام، وكذلك صفة عباده الصالحين، ينبغي أن يتصفوا بالرحمة، سواء كان رحمة عامة، لكن ليس من الرحمة أن المسلم يحب الكافر، لا، هذه ليست رحمة، بل الواجب عليه أن يبغضه، كما قال الله عز وجل: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي إِبْرَاهِيمَ وَالَّذِينَ مَعَهُ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ إِذْ قَالُوا لِقَوْمِهِمْ إِنَّا بُرَآءُ مِنْكُمْ وَمِمَّا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ كَفَرْنَا بِكُمْ وَبَدَا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةُ وَالْبَغْضَاءُ أَبَدًا حَتَّى تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَحْدَهُ﴾، فليس الشدة تكون عن عدم رحمة، لا، أحيانًا الشدة تكون لأجل الرحمة، فيبغضون ويقاتلون لأجل رجوعهم إلى الله، وهذا مثل: رحمة الولد، أو الوالد بولده، أحيانًا قد يضربه، أحيانًا قد يعاقبه، ليس لأجل أنه لا يرحمه، بل هذا رحمة، وإنما فعل ذلك لعجل رحمته، أو رحمته به: أنه لا يذهب مذاهب أهل الباطل، ويذهب مذاهب أهل الشر، فهذه أيضًا كما قلنا رحمة. فهي رحمة عامة للخلق، ينبغي المؤمن أن يتصف بها، وكذلك أيضًا وهي أعظم بين المؤمنين، أن تكون رحمة بينهم، لتراحمون فيما بينهم، وهذا لابد منه، لابد أن تكون الرحمة بين المؤمنين. وكما قال عليه الصلاة والسلام كما في الصحيحين في حديث النعمان بن بشير قال عليه الصلاة والسلام: «مثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم وتعاطفهم كمثل الجسد إذا اشتكى منه عضوا تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى»، انظر إلى هذه الرحمة العظيمة، بل إنه ذكر الرحمة والعطف، والعطف هو أصل الرحمة، فذكر النبي عليه الصلاة والسلام: «تراحمهم وتعاطفهم»، وهذا أنه ينبغي أن ينشر الرحمة فيما بينهم، ينشر الرحمة فيما بينهم، يتراحمون فيما بينهم. ولهذا أولى الناس بهذه الرحمة هم طلبة العلم، أولى الناس بهذه الرحمة هم طلبة العلم فيما بينهم أولًا، وكذلك للناس جميعًا، وخص لأهل الإيمان، وعامة لها للناس جميعًا، فيتراحمون بينهم، لا ينبغي أن طالب العلم يحقد على أخيه، أو يجد غلظة على أخيه، وكأنه ليس من إخوانه الذين يطلبون العلم معه، وهم هدفهم واحد: الوصول إلى الله عز وجل، فهذا ما ينبغي أن يكون، تجد الطالب يحقد على أخيه، أو يبغضه، أو مثلًا يمكر به، ويدور به الدوائر، وهذا كله لا ينبغي. بل كما ذكر الله عز وجل عن المهاجرين، عن الأنصار، تلك الرحمة العظيمة التي جعلها الله عز وجل في قلوبهم، كانوا يتراحمون ويتواسون فيما بينهم، وهكذا هم القدوة رضي الله عنهم، وطلبة العلم يقتدون بأولئك السلف، وهذا من أعظم الصفات التي تكون قدوة للسلف عند طلبة العلم، وهي أن تنتشر بينهم الرحمة، تنتشر بينهم الرحمة في معاملتهم، ما تكون المعاملة بالغلظة والعنف. فبينما عليه الصلاة والسلام قد قال: «ما كان الرفق في شيء إلا زانه، وما نزع من شيء إلا شانه»، وجاء في لفظ آخر: «وما كان العنف في شيء إلا شانه»، فالعنف لا ينفع، لا ينبغي للمسلم، وطالب العلم، والمؤمن أن يعامل أخاه بالغلظة والفضاضة والعنف، بل يعامله بالرحمة، بل يعامله بالرحمة والود والرفق، فإن هذا الذي حكاه النبي عليه الصلاة والسلام عن المؤمنين. فمن صفات أهل الإيمان أنهم يتراحمون، ولهذا لا تنزع الرحمة إلا من شقي، كما قال النبي عليه الصلاة والسلام: «لا تنزع الرحمة إلا من شقي»، الشقي الذي تنزع منه الرحمة. ولهذا قال النبي عليه الصلاة والسلام: حتى في معاملة الأولاد، كما جاء في الصحيحين: لما دخل عليه الأقرع بن حابس، ورآه يقبل الحسن والحسين، فقال هذا الأقرع: «والله لي عشر من الولد ما قبلت أحدًا منهم»، فقال عليه الصلاة والسلام له: «وما أملك إن نزع الله من قلبك الرحمة؟»، «وما أملك لك إن نزع الله عز وجل من قلبك الرحمة؟»، وجاء في حديث عائشة أنه قال عليه الصلاة والسلام: «إنما يرحم الله من عباده الرحمة»، «إنما يرحم الله من عباده الرحمة». والكلام في هذه الصفة كثير، لكن معنا ذكرنا المهم، وأنها صفة عظيمة، هي صفة لله عز وجل، وخلقها الله عز وجل في عباده، وينبغي أن يتصفون به، وأول من يتصف بها هم الأنبياء، ونبينا عليه الصلاة والسلام قد اختص بهذه الرحمة العظيمة، «إنما أنا، رحمة مهداة، أهداها الله عز وجل للعالمين»، ولهذا عليه الصلاة والسلام لما آذوه قريش، وخرج من مكة، وذهب إلى الطائف، ودعاهم إلى الله، ولم يستجيب له، وقري مغمومًا على وجهه عليه الصلاة والسلام، حتى بلغ قرن الثعالب، فجاءه جبريل ومعه ملك الجبال، فقال له جبريل: «هذا ملك الجبال، إن شئت مره بأي شيء»، فقال ملك الجبال: «إن شئت أن أطبق عليهم الأخشبين»، قال: «إن شئت أطبق عليهم الأخشبين»، فقال: «لا، لعل الله يخرج من أصلابهم من يعبد الله، ولا يشرك به شيئًا»، وفعلًا حصل هذا، فإن الله عز وجل ألقى في قلوبهم الإسلام، خاصة أهل الطائف، وأسلموا جميعًا في السنة التاسعة، أسلم أكثرهم، إلا رجل تأخر إسلامه منهم. فهذا بسبب هذه الرحمة العظيمة التي أهداها الله عز وجل لهذه الأمة عليه الصلاة والسلام، فإن شاء الله تعالى نكتفي بهذا، والله تعالى أعلم.