الدرس في التعليق على العقيدة الطحاوية 97، ألقاها
الاستطاعة التي يجب بها الفعل تتعلق بالتوفيق، بينما الاستطاعة من جهة الصحة والوسع تتعلق بالقدرة على أداء الأعمال قبل الفعل. الله عز وجل لم يكلف النفس إلا ما تطيقه.
الاستطاعة نوعان: قبل الفعل وتتعلق بالصحة والوسع، ومع الفعل وهي توفيق الله للعبد. الله يوفق عباده المؤمنين لفعل الصالحات مثل الصلاة وقيام الليل والصيام.
الله لا يكلف نفسا إلا وسعها ويعذر من يعجز عن الواجبات بسبب المرض أو فقدان العقل. يُعاقب من يترك الواجبات بدون عذر شرعي.
تم استعراض ما يذكره المؤلف في العبارة المحددة وسيتم استكمال باقي الموضوع في درس لاحق. الختام كان بالتمني بالتوفيق من الله تعالى.
الحمد لله رب العالمين، الصلاة والسلام على رسول الله وآله وصحبه ومنهج لا مباعي. قال المؤلف رحمه الله تعالى: المهام الطحاوي، الاستطاعة التي يجب بها الفعل من نحو التوفيق الذي لا يجوز أن يوصف المخلوق به، فهي مع الفعل. وأما الاستطاعة من جهة الصحة والوسع والتمكين وسلامة الآلات، فهي قبل الفعل، وبها يتعلق الخطاب. وهو كما قال الله عز وجل: ﴿لا يكلف الله نفسا إلا وسعها﴾، فالله عز وجل لم يكلف النفس إلا ما تطيقه، لا يكلف الله نفسا إلا وسعها ما تطيقه من الأعمال. وهذا من رحمة الله عز وجل على عباده، أنه سبحانه وتعالى لم يكلفهم ما لا يطيقون، لم يكلفهم ما لا يطيقون أو خارج عن طاقتهم كما سيأتي. ولهذا لما نزل قول الله جل وعلا: ﴿آمن الرسول بما أنزل إليه من ربه والمؤمنون كل آمن بالله وملائكته وكتبه ورسله لا نفرق بين أحد من رسله وقالوا سمعنا وأطعنا غفرانك ربنا وإليك المصير﴾، وقال: ﴿قل أطيعوا الله وأطيعوا الرسول فإن تولوا فإنما عليه ما حمل وعليكم ما حملتم وإن تطيعوه تهتدوا وما على الرسول إلا البلاغ المبين﴾، ثم قال: ﴿وإذا تبدل ما في أنفسكم أو تخفوه يحاسبكم به الله فيغفر لمن يشاء ويعذب من يشاء والله على كل شيء قدير﴾، فقال الصحابة رضي الله عنهم: "يا رسول الله، كلفنا من الأعمال الصلاة والصيام، أما هذه الآية فلا نستطيعها، وإن تبدوا ما في أنفسكم أو تخفوه، حتى ما أخفت الأنفس". فقال النبي صلى الله عليه وآله وسلم: «أتريدون أن تقولوا كما قالت اليهود سمعنا وعصينا؟ قولوا: سمعنا وأطعنا غفرانك ربنا وإليك المصير». فكان الصحابة يرددون هذه الآية، أو يرددون قول النبي صلى الله عليه وسلم: «سمعنا وأطعنا غفرانك ربنا وإليك المصير». فأنزل الله عز وجل: ﴿آمن الرسول بما أنزل إليه من ربه والمؤمنون كل آمن بالله وملائكته وكتبه ورسله لا نفرق بين أحد من رسله وقالوا سمعنا وأطعنا غفرانك ربنا وإليك المصير﴾. ثم قال الله عز وجل: ﴿لا يكلف الله نفسا إلا وسعها لها ما كسبت وعليها ما اكتسبت﴾، الذي تكسبه من الأعمال الصالحات فهو لها، والذي يكون عليها من الأعمال السيئة فهو عليها. فلهذا فإن الله عز وجل لم يكلفنا إلا ما نطيق. هنا ذكر مسألة الاستطاعة، الاستطاعة استطاعة الفعل. وذكر رحمه الله أن الاستطاعة على نوعين: استطاعة مع الفعل، واستطاعة قبل الفعل. فقالوا: الاستطاعة التي يجب بها الفعل من نحو التوفيق، أي توفيق الله عز وجل للعبد الذي لا يجوز أن يوصف المخلوق به، هنا الاستطاعة التي هي مع الفعل هي من الله عز وجل، يوفق الله عز وجل عبده المؤمن إلى عمل الصالحات. الإنسان مثلا يريد أن يأتي ويصلي في المسجد، كما قلنا قد يخرج من بيته ولا يصل إلى المسجد، قد يخرج من بيته ولا يصل إلى المسجد، إما أن يصرف عن المسجد وغيره. فهناك استطاعة قبل الفعل، استطاعة قبل الفعل وهي، كما قال هنا، من جهة الصحة والوسع والتمكين. عنده صحته جيدة، وأيضا عنده استطاعة أن يذهب إلى المسجد، ويصلي، فيخرج إلى المسجد ويصلي، فصلاته في المسجد وفعل الصلاة في المسجد هذا لا يملكه، فأنا ليس استطاعته بيده، وإنما من توفيق الله عز وجل، من توفيق الله عز وجل. بل هذه الطاعات، صلاة مثلا، إنسان يقوم الليل هو من توفيق الله، تجد من مثلا أعانه الله عز وجل على قيام الليل يقوم أحيانا حتى بدون أحد ينبهه، فتجد مثلا إذا عود نفسه على ساعة معينة يقوم في نفس الساعة، هذا من توفيق الله عز وجل. كذلك أيضا من واضب على السنن، من واضب على السنن والرواتب، سواء كان سنن الصيام أو الصلاة، فإنه أيضا يعينه الله، وإلا فهي أمور تشق على النفس أن يصلي مثلا في اليوم والليلة إثنى عشر ركعة: ركعتين قبل الفجر، وأربع ركعات قبل الظهر، وركعتين بعده، وركعتين بعد المغرب، وركعتين بعد العشاء. فهذه إثنى عشر ركعة رواتب الصلوات، فالنفس أحيانا معنى المواضبة على هذه تشق عليه، لكن يعين الله عز وجل، يوفق عباده على هذه الرواتب، رواتب الصلوات. كذلك الصيام، على من يصوم الاثنين والخميس، أو يصوم ثلاثة أيام من كل شهر، أو يصوم يوم ويفطر يوم، فإن الله عز وجل يعينه على ذلك ويوفقه لهذا. فلهذا فهناك استطاعة قبل الفعل، وهي الصحة والوسع وإمكان فعل هذا الشيء، لكن فعله وأيضا وقوعه هذا من الله، وقوعه من الله، لا يقع شيء إلا بإذن الله ومشيئته سبحانه وتعالى. فلهذا كما قلنا قد يخرج الإنسان ويريد المسجد ويصرف عن المسجد، قد يكون مثلا الإنسان مواضب على صلاة معينة، صلاة الضحى، فيصرف عنها، أو يأتيه شيطان ويكسر وهكذا. فالفعل لا يقع إلا بإذن الله ومشيئته، وليس للعبد فيه مشيئة، وإنما العبد له مشيئة وفعل قبل الفعل، واستطاع له، ومشيئة قبل الفعل. وأما مع الفعل فهي لله سبحانه وتعالى. ومعنى ما يقع شيء إلا بإذن الله، كما قال الله عز وجل: ﴿وما تشاءون إلا أن يشاء الله رب العالمين﴾، وأيضا قال الله عز وجل: ﴿وما كان لنفس أن تؤمن إلا بإذن الله﴾، وقال: ﴿وكل شيء فعلوه في الزبر وكل صغير وكبير مستطر﴾. أنا كل شيء كتبه الله عز وجل. وقال الله عز وجل: ﴿إنا كل شيء خلقناه بقدر﴾، كل شيء خلقناه بقدر، ما من شيء يحصل في هذا الكون إلا بقدر الله وقضائه سبحانه وتعالى. وهذا المراد بقوله جل وعلا: ﴿وكل شيء خلقناه بقدر﴾. وقال هنا: «ولا يكلف الله نفسا إلا وسعها»، أن هذا السعة قبل الفعل، وهو سعة الخطاب، ما يتعلق بخطاب الله جل وعلا. الله عز وجل أمرنا بخمس صلوات نؤديها في اليوم والليلة، هذا خطاب الله. فإذا استطاع العبد أن يصلي هذه الصلاة الخمس، ففرط فيها، فهو لا يعذر عند الله جل وعلا. لكن لو مثلا مرض، ما استطاع أن يصلي، معنى مثلا أصابه شيء فذهب عليه عقله، معنى غاب عقله، دخل في غيبوبة مثلا، فهنا لا يكلف الله نفسا إلا وسعها، لأن هذا ما يستطيع أن يصلي. معنى دخل في غيبوبة، أو رجل مثلا تأتي له حالات معنى جنون، يجن مثلا أحيانا يوم، أحيانا يومين، فهذا أيضا لا يستطيع الصلاة، فعذره الله عز وجل، عذره الله سبحانه وتعالى. وهكذا كل من لم يستطع فعل ما أمره الله عز وجل، لا شيء عليه. لكن إنما يعاقب الله عز وجل ويدم من يترك هذا الواجب بدون عذر. النبي صلى الله عليه وآله وسلم جاء عنه في البخاري الحديث «أبي هريرة»، والحديث أصله في الصحيحين، قال النبي صلى الله عليه وآله وسلم: «ما أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم، وما نهيتكم عن شيء فاجتنبوه». بل قال الله عز وجل: ﴿فاتقوا الله ما استطعتم﴾، العبد يتق الله عز وجل ما استطاع في فعل المأمورات وترك المنهيات. فهذا إن شاء الله ما يذكر في هذه العبارة التي ذكرها المؤلف. ونكمل ما ذكره المؤلف في درس لاحق، فنكتفي بهذا، والله تعالى أعلم.