الدرس في تفسير سورة البقرة من تفسير السعدي 88، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد
يشرح العلامة السعدي آية المرور على القرية الخاوية، مبيناً أن حفظ الطعام والشراب مئة عام دون تغير آية على قدرة الله، ويوضح مراحل إحياء الحمار من عظام نخرة إلى تركيبها وكسائها لحماً ثم نفخ الروح فيها دليلاً على البعث.
يصف المقطع كيف أراه الله عياناً عملية إحياء عظام حماره ولحمه ثم نفخ الروح فيه، مما جعل الرجل يدرك قدرة الله على إحياء الموتى فيعترف بأن الله على كل شيء قدير، مع الإشارة إلى خلاف المفسرين حول حال الرجل وقول بعضهم إنه عزير.
يناقش المقطع تفسير آية المرور على القرية الخربة، ويرد قول من فسرها بعمارة القرية بعد خرابها، ويؤكد أن المعجزة الحقيقية في إحياء الله للرجل وحماره مع بقاء طعامه سليماً لغاية تيقين القدرة، ثم يختتم الشيخ الدرس بالحمد وتأجيل الآية القادمة.
الحمد لله رب العالمين، الصلاة والسلام على رسول الله وآله وصحبه ومن والاه إلى يوم الدين. قال العلامة السعدي رحمه الله في تفسير قول الله جل وعلا: ﴿ وكالذي مر على قرية وهي خاوية على عروشها ﴾، فتكلم في هذا، لما ذكر رحمه الله قال: «ومن تمام رحمة الله به وبالناس أنه أراه الآية عيانا ليقتنع بها»، فبعدما عرف أنه ميت قد أحياه الله، قال: «انظر إلى طعامك وشرابك لم يتسنَّه»، أي لم يتغير في هذه المدة الطويلة، على مدة طويلة مئة سنة، وطعامه وشرابه لم يتغير. قال: وذلك من آيات قدرة الله، فإن الطعام والشراب، خصوصا ما ذكره المفسرون أنه فاكهة وعصير، أنه فاكهة وعصير لا يلبث أن يتغير. قال: «لا يلبث أن يتغير». جاء في بعض الإسرائيليات أنه كان معه فاكهة وعصير، ومنهم من ذكر أشياء أخرى، والله عز وجل لم يذكر هذا الشيء لأنه لا فائدة فيه، فذكر طعامه. وهذا الطعام يُعرف أنه يتغير، والشراب كذلك، المراد بالشراب هنا العصير وليس الماء، لأن الماء غالبا لا يتغير، لكن هنا الطعام والشراب أخذ من ظاهر الآية أنه مما يتغير. قال: وهذا قد حفظه الله مئة عام، وقيل له: «انظر إلى حمارك»، فإذا هو قد تمزق وتفرق وصار عظاما نخرة. أن هذا الحمار الله عز وجل جعله يموت وتتفتت عظامه، فلما قال له: «انظر إلى حمارك»، لأرى هذا الحمار وقد تمزقت عظامه وتفرقت، فصارت حوله عظام الحمار وتفتت، صارت عظاما نخرة. قال: «انظر إلى العظام كيف ننشزها»، أي نرفع بعضها إلى بعض ونصل بعضها لبعض بعدما تفرقت وتمزقت. أن هذه العظام التي قد تفرقت وقد صارت بالية وصارت رميما، فهنا الله عز وجل جعل هذه العظام ترتفع وتتركب بعضها في بعض. قال: «ثم نكسوها»، أي بعد الالتئام، بعدما تلتئم العظام كساها الله عز وجل لحما. قال: «ثم نعيد فيه الحياة». أن هذه صورة تطبيقية جعلها الله عز وجل لهذا الرجل يراها عيانا يراها أمامه، وأن العظام يركب بعضها في بعض، ثم يأتي اللحم فيكسو هذه العظام، ثم بعد ذلك ينفخ فيها الروح، أي نُفخ في الحمار أو حماره الروح، فصار حمارا حيا أمامه. قال: «فلما تبين له»، أي رأى عينا، رأى عينا لا يقبل الريب بوجه من الوجوه. وهذا مما أيضا رجح عند الشيخ أن هذا الرجل كان شاكا في قدرة الله وفي إحيائه الموتى، فلذلك أراه رب العالمين سبحانه وتعالى كيف يحيي الموتى من لا شيء، وكيف يركب هذه العظام بعضها بعضا ويكسوها لحمة. فلما تبين له، أنا رأى هذا الأمر رأي عين، قال: «لا يقبل الريب بوجه من الوجوه»، قال: «أعلم أن الله على كل شيء قدير». فاعترف بقدرة الله على كل شيء، وصار آية للناس، لأنهم قد عرفوا موته وموت حماره، وعرفوا قضيته، ثم شاهدوا هذه الآية الكبرى. هذا هو الصواب في هذا الرجل، أن تركه رب العالمين سبحانه وتعالى مئة سنة وهو ميت، وترك طعامه وشرابه عنده، وحماره أيضا مات وتفرقت عظامه، ثم أحياه الله عز وجل وأحيا حماره، فتبين له عظمة الله عز وجل في خلقه وكيف يحيي الله عز وجل الموتى. قال: فاعترف بقدرة الله على كل شيء، وصار آية للناس، لأنهم قد عرفوا موته وموت حماره، وعرفوا قضيته، ثم شاهدوا هذه الآية الكبرى. هذا هو الصواب في هذا الرجل، أنا يقول: هذا الصواب في هذا الرجل، أي ليس هو نبي، وإنما الرجل شك في قدرة الله، وإلا فقول أكثر المفسرين على أن هذا الرجل لم يشك في قدرة الله، وإنما قالها من باب التعجب، قالها من باب التعجب. قال: وأما قول كثير من المفسرين أن هذا الرجل مؤمن أو نبي من الأنبياء، إما عزير أو غيره، وقد جاء عن ابن عباس أنه عزير، وهذا من الإسرائيليات، معنى أخذ ابن عباس من بني إسرائيل. قالوا: أن قوله: ﴿ أن يحيي هذه الله بعد موتها ﴾، يعني كيف تعمر هذه القرية بعد أن كانت خرابة؟ عن أن باب التعجب، كما قلنا، أن هذه القرية الآن خربت، والناس الذين كانوا فيها قد ماتوا أو قد انتقلوا، فكيف ستعمر هذه القرية بعد أن تركها الناس؟ قالوا: أن الله أماته ليريه ما يعيد لهذه القرية من عمارتها بالخلق، وأنها عمرت في هذه المدة، أن الله عز وجل أماته في ذلك المكان، ثم عمرت هذه القرية، وجاء الناس إليها، وازدهرت هذه القرية، فلما قام وجد قرية مليئة بالناس. قالوا: أنها عمرت في هذه المدة، وتراجع الناس إليها، وصارت عامرة بعد أن كانت دامرة. قال: فهذا لا يدل عليه اللفظ بل ينافيه، ولا يدل عليه المعنى. أنا أقول: الشيخ رحمة الله عليه، عن قول المفسرين أنه نبي من أنبياء الله، سواء كان عزيرا أو غيره، لا يوافقه ظاهر الآية، قال: لا يدل عليه المعنى. فأي آية وبرهان برجوع البلدان الدامرة إلى العمارة؟ هذا شيء معروف، ممكن قرية يذهب الناس منها فترة ثم يرجع الناس إليها ويبنون فيها، فهذا يحصل كثيرا. يقول: أي آية في هذا؟ قالوا: هذي لم تزل تشاهد، وتعمر قرى ومساكن وتخرب أخرى. وإنما الآية العظيمة في إحيائه بعد موته، وإحياء حماره، وإبقاء طعامه وشرابه لم يتعفن ولم يتغير. ثم قوله جل وعلا: ﴿ فلما تبين له ﴾، أي صريح في أنه لم يتبين له إلا بعد ما شاهد هذه الحال الدال على كمال قدرته عيانا. معنى أن الله عز وجل أراد بهذا الرجل خيرا، معنى أنه شك في قدرة الله سبحانه وتعالى، إلا أن الله أراد أن يريه قدرته عيانا حتى لا يشك فيها، فلما رآها تبين له هذا الأمر، وتبين له عظمة قدرة الله عز وجل على إحياء الموتى. ثم قال: ﴿ أعلم أن الله على كل شيء قدير ﴾. فإن شاء الله تعالى نكتفي بهذا، والآية الأخرى نتركها في الدرس اللاحق. الحمد لله رب العالمين، ونترك الآية الأخرى في الدرس اللاحق، وسيقال: نتركها في الدرس اللاحق، سأكل موتى شكرا لك، سأكل موتى، سأكل موتى.