تفسير سورة آل عمران من تفسير السعدي 55

تفسير سورة آل عمران من تفسير السعدي 55

الدرس في تفسير سورة آل عمران من تفسير السعدي 55، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد

تفسير قوله تعالى: ﴿ تُرْبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ ﴾ وبيان أسباب ذلة اليهود

يشرح العلامة السعدي أن الآية تشير إلى ضرب الذلة والخوف على اليهود أينما وجدوا، ولا يخرجهم منها إلا الدخول في ذمة المسلمين أو حصول نصرة من غيرهم. ويضرب مثالاً بقيام دولة إسرائيل بدعم الدول الكبرى وضعف المسلمين، محذراً من بقاء اليهود في الذلة ما لم يتحقق أحد الشرطين.

تاريخ ذلة اليهود ومعاهداتهم وظهور البروتستنت

يسرد المقطع تاريخ ذلة اليهود منذ السبي البابلي مروراً بالاضطهاد النصراني، ثم أمانهم المؤقت بمعاهدة النبي صلى الله عليه وسلم ونقضهم لها. ويزعم أن البروتستنت فرقة يهودية الأصل اخترقت النصرانية وتسيطر الآن على أمريكا لتنصر الصهاينة، مع عزو جرأة اليهود الحالية إلى ضعف المسلمين.

خوف اليهود وذلتهم وعقوبتهم في القرآن الكريم

يستعرض المقطع آيات قرآنية تصف شدة حرص اليهود على الحياة وخوفهم من الموت، مع إلقاء الله الرعب في قلوبهم رغم ظاهر قوتهم. ويبين أن ذلتهم وغضب الله عليهم جاء بسبب كفرهم بآياته وقتلهم الأنبياء واعتدائهم، لا ظلمًا من الله بل جزاء بغيهم.

خاتمة الدرس والإحالة لما سيأتي

يختتم المتحدث الحديث بالاكتفاء بما ذُكر، مفيداً بأن تفصيل الآيات المتبقية سيأتي في وقت لاحق إن شاء الله. ويوكل العلم لله تعالى في ختام الدرس.

التفريغ النصي الكامل

بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على رسول الله وآله وصحبه ومن والاه. أما بعد: قال العلامة السعدي رحمه الله عند قول الله جل وعلا: ﴿ تُرْبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ أَيْنَ مَا ثُقِفُوا إِلَّا بِحَبْلٍ مِنَ اللَّهِ وَحَبْلٍ مِنَ النَّاسِ وَبَاءُوا بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الْمَسْكَنَةُ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَانُوا يَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَيَقْتُلُونَ الْأَنْبِيَاءَ بِغَيْرِ حَقٍّ ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ ﴾ [آل عمران: 112]. قال: هذا إخبار من الله أن اليهود ضربت عليهم الذلة، فهم خائفون أينما ثقفوا، ولا يؤمنهم شيء إلا معاهدة، وسبب يأمنون به، يرضخون لأحكام الإسلام ويعترفون بالجزية. أو بحبل من الناس، أي: إذا كانوا تحت ولاية غيرهم ونظارتهم، كما شهد حالهم سابقاً ولاحقاً، فإنهم لم يتمكنوا في الوقت الأخير من الملك المؤقت في فلسطين إلا بنصر الدول الكبرى وتمهيدهم لهم كل سبب. فهذه الآية -كما ذكر الشيخ رحمه الله- أن الله عز وجل يخبر أن اليهود ضربت عليهم الذلة، صاروا أذلاء، وأيضاً خائفون أينما كانوا، ولا يخرجهم ذلك من الذلة إلا إذا كانت هناك معاهدة بينهم وبين المسلمين، أي: يدخلون في ذمة المسلمين، فهم يكرمون إذا دخلوا في ذمة المسلمين، صار حالهم في الأحكام العامة كحال المسلمين. وإلا فهم إن لم يدخلوا في ذمة المسلمين فإنهم يقتلوا، وأيضاً يعذبوا ويضطهدوا؛ لأن الله عز وجل كتب عليهم الذلة، وأيضاً أمر بقتلهم ما لم يدخلوا في صلح مع المسلمين. وكذلك قال جل وعلا: ﴿ تُرْبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ أَيْنَ مَا ثُقِفُوا إِلَّا بِحَبْلٍ مِنَ اللَّهِ وَحَبْلٍ مِنَ النَّاسِ ﴾. والحبل من الناس هذا فُسِّر بمعنى، فُسِّر بمعنى أنه يكون صلح بينهم وبين الناس، والمراد بهم أهل الإسلام، يكون بينهم معاهدة، فيتمكنون بعد ذلك ويخرجون من الذلة التي هم فيها. وقال شيخنا: إنهم يكونون تحت ولاية غيرهم ونظارتهم، فيكونون... أو هناك من ينصرهم ضد المسلمين، وكذلك أيضاً يضعف حال المسلمين فيخضعون لهم، إلا بحبل من الله أو بحبل من الناس. والحبل من الناس: أي خضوع المسلمين لهم، فإذا خضع المسلمون لهم تقووا عليهم، وخاصة إذا كان معهم من ينصرهم. ولهذا ذكر شيخنا مثالاً: مثل ما حصل من اليهود في فلسطين، فإن دول الكفر تكالبت على هذه الدولة ونصرت اليهود، وإلا فاليهود أذلاء. وكذلك أيضاً تضعضع أهل الإسلام في ذلك الوقت ورضوا بالهوان، فحصل ما حصل، ولله الأمر من قبل ومن بعد. فصار هؤلاء اليهود الأذلاء صار لهم دولة، بل الآن صاروا هم الذين يحكمون العالم، فأمريكا يحكمهم البروتستنت، البروتستنت، وإن كانوا في زعمهم أنهم نصارى، لكنهم تبع لليهود، أصل الفرقة هي فرقة يهودية، وأدخلوا مع النصارى حتى يفسدوا دين النصارى. لأنه كما ذكرنا قبل أن اليهود كتب الله عز وجل عليهم الذلة من زمن قديم، وهم أذلاء من بعد ما أخرجوا وقتلهم بختنصر... النصراني، أو لا، أقصد: بعد ما قتلوا بختنصر، صارت اليهود في ذلة، وكانت النصارى تقتلهم في كل مكان وتشردهم، فصاروا ليس لهم مكان يكنون فيه، وصار هذا الوضع إلى أن جاء الإسلام، وحصل بينه وبين اليهود صلح، النبي عليه الصلاة والسلام جعل معاهدة بينه وبين اليهود في المدينة حتى يأمن شرهم، وهذا الذي جعلهم يخرجون من تلك الذلة التي هم فيها. وهذا من الله، والأمر الثاني الذي هو من الناس أيضاً: هي المعاهدة التي حصلت بينهم وبين المسلمين. وهذا في تفسير ابن عباس ومجاهد وغيرهم، كما ذكر ذلك الحافظ ابن كثير، أنهم فسروا الآية بهذا. فلما كان هذا الذل فيهم، خاصة بعد أن نقضوا العهد، رجعوا إلى الذل، فشردهم المسلمون، وطردهم النبي عليه الصلاة والسلام من المدينة، فرجعوا إلى أريحاء التي كانت أصلهم في الشام، رجعوا إليها، ومنهم من ذهب إلى خيبر، وأخرجهم بعد ذلك عمر من خيبر إلى أريحاء، رجعوا إلى بلدهم الأصلي الذي كانوا فيه. ومن ثم بعد ذلك حصلت لهم الذلة مرة أخرى، وشردهم النصارى وطردوهم من بيت المقدس، ولما قوي النصارى، خاصة الذين سموا بالبيزنطيين، قويوا وطردوا اليهود من فلسطين، ومن ثم حصلت لهم هذه الذلة أيضاً كذلك، وشردوا حتى مكروا بالنصارى، وأحدثوا هذه الفرقة التي تسمى البروتستنت، وهذه فرقة أصلاً يهودية، لكن دخلت في دين النصارى كما قلنا ليفسدوا دين النصارى، وصاروا كأنهم نصارى وهم يهود، وهذه الفرقة تنصر دين اليهود، وتعيد اليهود، وأنهم من المسلمين... لهذا صار بين اليهود والنصارى شيء من الصلح بسبب البروتستنت، لكن الفرق الأخرى النصرانية تجدها تكره وتبغض هذه البروتستنت لأنها قربت اليهود. فالمهم أن هذه البروتستنت صار لها الجولة والصولة الآن، وهم الذين يحكمون العالم الآن، أمريكا على هذا الدين، دين البروتستنت، فهم يحكمون العالم، وهم كما قلنا أصلهم يهود، ولهذا تجدهم ينصرون الصهاينة دائماً، ينصرونهم ويؤيدونهم، وكذلك يمكرون لهم. وهذا كله كما قلنا بحسب ما حصل من ذل المسلمين، والإخضاع لهؤلاء الكفار، وترك المسلمون دينهم، فلما ترك المسلمون دينهم تسلط عليهم هؤلاء الأعداء، وتكالبت عليهم الأمم كما تتكالب الأكلة على قصعتها، كما أخبر نبي الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم. فصارت بعد ذلك... أو أخرجت منهم الذلة، لكن بقيت المسكنة، فهم من أكثر الناس خوفاً من الموت، ومن أبعد الناس عن الشجاعة، لكن جرأهم بعض من دخل معهم من الكفار، وإلا فاليهود من أذل الناس، وكذلك من أخوف الناس من الموت، ولتجدنهم أحرص الناس على حياة. فربنا جل وعلا ذكر أنهم من أحرص الناس على هذه الحياة، ﴿ وَلَتَجِدَنَّهُمْ أَحْرَصَ النَّاسِ عَلَى حَيَاةٍ ﴾ [البقرة: 96]، ولو يعمر أحدهم ألف سنة، ما يود أن يعمر في هذه الدنيا ويجلس فيها، فلذلك يخافون الموت، وإن كانت لهم الصولة والجولة كما قلنا، لكن الخوف في قلوبهم. وإذا رجع الناس إلى دينهم، وأهل الإسلام إلى دينهم، تجد أنهم سينصرهم الله عز وجل، ويجد هؤلاء الخوف في قلوبهم. وقد ذكر النبي عليه الصلاة والسلام ميزات هذه الأمة، ومما أعطيها نبي الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم أن عدوه يخافه من مسيرة شهر، يلقي الله عز وجل الرعب من مسيرة شهر. وقد قال الله عز وجل: ﴿ لَا يُقَاتِلُونَكُمْ جَمِيعًا إِلَّا فِي قُرًى مُحَصَّنَةٍ أَوْ مِنْ وَرَاءِ جُدُرٍ بَأْسُهُمْ بَيْنَهُمْ شَدِيدٌ تَحْسَبُهُمْ جَمِيعًا وَقُلُوبُهُمْ شَتَّى ﴾ [الحشر: 14]. وقال الله عز وجل أيضاً في خوفهم: ﴿ لَأَنْتُمْ أَشَدُّ رَهْبَةً فِي صُدُورِهِمْ مِنَ اللَّهِ ﴾ [الحشر: 13]، أي: الله عز وجل ألقى في قلوبهم الرعب منكم، سبحانه وتعالى ألقى في قلوب هؤلاء اليهود الرعب من أهل الإسلام: ﴿ لَأَنْتُمْ أَشَدُّ رَهْبَةً فِي صُدُورِهِمْ مِنَ اللَّهِ ﴾، أي: رهبة الخوف، ﴿ لَأَنْتُمْ أَشَدُّ رَهْبَةً فِي صُدُورِهِمْ مِنَ اللَّهِ ﴾، ذلك بأنهم قوم لا يفقهون. لهذا فُسِّرَت كما قلنا الآية بهذا، وهذا... فالمؤلف رحمه الله فسرها بالقول الثاني، وهو أن الحبل من الناس: أن الولاية التي كانت للمسلمين تتضعضع، وكذلك يؤيد هؤلاء اليهود أنواع من الكفار يقومون معهم وينصرونهم، فلذلك يتمكنون من الصولة على أهل الإسلام. قال: ﴿ وَبَاءُوا بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ ﴾، أي: قد غضب الله عليهم وعاقبهم بالذلة والمسكنة، والسبب في ذلك كفرهم بآيات الله وقتلهم الأنبياء. قال: ﴿ ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ ﴾، أي: ليس ذلك عن جهل، وإنما هو بغي وعناد، تلك العقوبات المتوالية عليهم بما عصوا وكانوا يعتدون. أي: الله عاقبهم هذه العقوبات من أن كتب الله عز وجل عليهم الذلة والمسكنة، وباءوا بغضب من الله، ذلك بأنهم كانوا يكفرون بآيات الله ويقتلون الأنبياء بغير حق، ذلك بما عصوا وكانوا يعتدون. قال: فالله تعالى لم يظلمهم ويعاقبهم بغير ذنب، وإنما الذي أجراه عليهم بسبب بغيهم وعدوانهم وكفرهم وتكذيبهم للرسل وجناياتهم الفظيعة. قد ذكر الله عز وجل أشياء عنهم كثيرة في القرآن، في سورة البقرة، وفي سورة المائدة، وفي غيرها من السور، أيضاً في هذه السورة، سورة آل عمران، وإن كانت هذه السورة أكثرها في محاججة النصارى وبيان فساد ما هم عليه، لكن ذكر الله عز وجل أيضاً آيات عن اليهود، مثل هذه التي مرت معنا، سيذكر أيضاً بعض الآيات المشتركة، أو بعض الأشياء التي عند اليهود والنصارى، فيما سيأتي إن شاء الله تعالى من الآيات. فنكتفي بهذا، والله تعالى أعلم.