الدرس في تفسير سورة النساء من تفسير السعدي 141، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد
يشرح العلامة السعدي كيف يعد الشيطان الإنسان بالفقر ويخوفه منه عند إرادة الإنفاق، فيلقى في نفسه البخل ويمنعه من الطاعات. ويبين أن الله وعد بالخلف والرزق الواسع، وأن الصدقة لا تنقص المال بل تزيده بركة.
يبيّن المقطع أن المال استخلاف من الله، وأن البخل يضر صاحبه دينياً ودنيوياً بينما الإنفاق سبب للبركة والزيادة. ويستعرض أمثلة من هدي النبي والصحابة في المبادرة بالصدقة محذراً من وساوس الشيطان التي تخوف الفقر وتزين الأماني الباطلة.
يضرب النبي صلى الله عليه وسلم مثلاً للإنسان بخط طويل يمثل آماله ونقطة تمثل الأجل المحتوم محاطة بالمصائب. ويحذر من الاغترار بالأماني الكاذبة والاعتماد على عفو الله مع المعاصي، مؤكداً أن من انقاد للشيطان فمَأواه جهنم.
يوضح المقطع أن الأشقياء لا يجدون ملجأً ولا شفيعاً ينقذهم من النار، بل هم خالدون فيها أبداً. ويشير إلى التباين بينهم وبين السعداء أولياء الله الذين لهم مصير مغاير تماماً.
بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على رسول الله وآله وصحبه ومن والاه، أما بعد. قال العلامة السعدي رحمه الله تعالى عند قول الله جل وعلا: ﴿يَعِدُهُمْ وَيُمَنِّيهِمْ وَمَا يَعِدُهُمُ الشَّيْطَانُ إِلَّا غُرُورًا * أُولَئِكَ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَلَا يَجِدُونَ عَنْهَا مَحِيصًا﴾. قال رحمه الله: ثم قال: ﴿يَعِدُهُمْ وَيُمَنِّيهِمْ﴾، أي: يعد الشيطان من يسعى في إضلاله، والوعد يشتمل حتى الوعيد، كما قال تعالى: ﴿الشَّيْطَانُ يَعِدُكُمُ الْفَقْرَ﴾. فإنه يعدهم إذا أنفقوا في سبيل الله افتقروا، ويخوفهم إذا جاهدوا بالقتل وغيره. أن يأتي الشيطان الإنسان ويعيده بالفقر: أنك إذا أنفقت مالك في كذا وكذا وتصدقت انتهى مالك وافتقرت. وهذا يلقيه في نفسه، ليس معناه أن يقول للعلماء أو ما يأتي في القرآن: ﴿الشَّيْطَانُ يَعِدُكُمُ الْفَقْرَ﴾، ليس معناه أن الشيطان يأتي ويكلمك، المراد أنه يوسوس لك أن تجد ذلك في نفسك؛ لأن الشيطان يجري من ابن آدم مجرى الدم. فلهذا تجد أن هذه الأشياء في نفسك لا يطلع عليها أحد لكن تؤثر عليك في سلوكك، وتمنعك من الطاعات، وتأزك إلى المعاصي والمخالفات. وأيضًا إما بالكسل وإما بترك هذه الأمور أو بالوسوسة. ﴿الشَّيْطَانُ يَعِدُكُمُ الْفَقْرَ﴾: إذا أراد الإنسان أن ينفق من ماله التصدق يجعل ذلك في الطاعة، تجد أن الشيطان تقاعس به ويأتي يوسوس له: فمن أين لك بعد ذلك المال؟ إذا أنفقت هذا المال من أين لك مال آخر؟ ما تستطيع أن تأتي بمال، فيجعل الشخص بخيلًا. فالشيطان أيضًا يأمر بالبخل، فتجد أنه يريد أن الإنسان يكون بخيلًا شحيحًا أنانيًا، ما يحب إلا لنفسه، وأما لغيره فلا يحب أن يعطي غيره شيئًا. والشح المراد به أن الإنسان لا يحب أن يعطي أحدًا شيئًا، لكن يحب ما في أيدي الناس، يحب ما في أيدي الناس فهو أناني طماع. فهذا معنى الشح. فلهذا الشح أهلك من كان قبلكم. قال النبي صلى الله عليه وسلم: «أمرهم بالقطيعة فقطعوا، وأمرهم بالفجور ففجروا». كل ذلك بسبب الشح الذي يضعه الشيطان في قلب ابن آدم. وأيضًا كذلك الشيطان يخوف أولياءه، يخوف أتباعه ومن اغتر بغوايته وضلالته، فيخوفهم أنهم إذا أنفقوا هذه الأموال في الخير فإنهم لا يجدون بعد ذلك المال، مع أن الله عز وجل قد وعد من ينفق ماله ويتصدق أن الله عز وجل يخلف له غيره. ﴿وَمَا أَنفَقْتُم مِّن شَيْءٍ فَهُوَ يُخْلِفُهُ وَهُوَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ﴾. فالرزق من الله جل وعلا. وفي الحديث، حديث أبي هريرة في مسلم: «ما نقص مال من صدقة، ما نقص مال من صدقة». وفي الحديث الآخر في الصحيحين: «يا ابن آدم أنفق أنفق عليك، يا ابن آدم أنفق أنفق عليك، ولا تبخل حتى إذا بلغت الحلقوم قلت: لفلان كذا ولفلان كذا». أنا حتى إذا غرغرت النفس وجاء الموت فقلت: كنت أريد أن أعطي فلان كذا، أو أن عندك مال لفلان ولم تعطِ. وهكذا فقال: «إنما ذلك الشيطان يخوف أولياءه ويخوفهم عند إيثار مرضاة الله بكل ما يمكن وما لا يمكن مما يدخله في عقولهم حتى يكسلوا عن فعل الخير، يترك فعل الخير لأنه يقول: أنا بحاجة إلى هذا المال، أهلي بحاجة إلى هذا المال». صحيح أن الإنسان لا بد أن يعطي أهله، يعطيهم ما يغنيهم، وما فضل من ذلك فله أن يتصدق به وهذا خير له. وأما الزكاة الواجبة فهذه واجب أن يخرجها عن نفسه وفي ماله. فإذا كان كذلك تجد أن الشيطان ييأسه، يقول: أهلك بحاجة إلى هذا المال، أنت بحاجة إلى هذا المال، يأتي بعد أيام أنك تمرض، أن أهلك يمرضون. كثير من الناس الآن تجد أن عندهم أموالًا هائلة يضعها في البنك، يضعها في الصرافة، يضعها في كذا، ولا يأخذ منها شيئًا، يخاف أنه إذا أخذ منها شيئًا لا يجد أو لا يرجع مثلها وتنفد عليه. وهذا سوء فهم. وأيضًا الشيطان يلعب دوره في هذا الباب. فلهذا فالمؤمن يعلم أن هذا المال الله عز وجل استخلفه عليه، ليس هو ماله، وإنما جعله الله عز وجل استخلف، كما قال الله سبحانه وتعالى: ﴿وَجَعَلَكُمْ مُسْتَخْلَفِينَ فِيهِ﴾. فلهذا فإنك إذا أنفقته زاده الله، وإذا قترت به وبخلت فإنما تضر نفسك، تضر نفسك بهذا، لا يكون لك أجر، وأيضًا تأثم على بخلك وشحك بهذا المال. فلهذا تجد النبي عليه الصلاة والسلام وهو القدوة والأسوة ما كان يترك شيئًا من مال إلا وأخرجه، حتى أنه مرة صلى صلاة ثم ذكر شيئًا من تبر، فلما سلم خرج مسرعًا وجاء ودخل بيته ثم خرج، فسألوه الصحابة عن ذلك، فقال: «ذكرت تبرًا، تبرًا: معنى ذهب، ذكرت تبرًا فخشيت أن أصبح وهو عندي، فخشيت أن أصبح وهو عندي»، يريد أن يتصدق به عليه الصلاة والسلام. ولهذا أيضًا الصحابة رضي الله عنهم كانوا على هذا المنوال، كانوا أهل صدقة والخير والعطاء. من ذلك ما جاء عند ابن أبي شيبة وغيره أن عمر رضي الله تعالى عنه أتاه مال، فقال لمولى له: اذهب إلى معاذ وأعطه هذا المال وانظر ماذا يفعل به. فذهب إلى معاذ وأعطاه هذا المال، وقال: هذا مال من عمر، مال صدقة أو عطية أو كذا. فما كان من معاذ إلا أن قال: يا فلان تعالي - مملوك له أو أمه - قال: تعالي أعطي فلانًا كذا وأعطِ فلانًا كذا، وفرق ذلك المال حتى ما بقي إلا شيئًا يسيرًا. فقالت له امرأته: أما تعطينا شيئًا؟ قال: فهذا لكم. ثم جاء إلى عمر وأخبره، فقال له: خذ هذا المال وأعطه لأبي عبيدة أو لأبي سعيد... وهكذا أعطى جماعة: عبد الله بن مسعود وجماعة من الصحابة، وكلهم يفعل به هكذا، يفعل بهذا المال أنه يخرجه ساعته، يخرجه ساعته. وهذا يدل على مسابقتهم في الخير. لما حث النبي صلى الله عليه وسلم على الصدقة جاء أبو بكر بماله كله، وجاء عمر بنصف ماله. أن كانت أنفسهم لله فهم يعلمون أن هذا أصلًا من الله، هو الذي أعطاه، فإذا أنفقته في سبيله زادك الله عز وجل منه وأعطاك. وقد يبتلي الله عز وجل العبد بشيء يرى صبره، أنه قد ينفق الإنسان ولا يجد مكانه،حيانًا يكون ابتلاء من الله، يجد صبر هذا العبد: هل هو يصبر على ابتلائه أو لا يصبر؟ فلهذا كما ذكر المؤلف هنا: الشيطان يعمل هذا العمل، سواء كان في النفقة أو كذلك في غيرها من الأعمال، ليس في النفقة فقط، وإنما لأن الله عز وجل ذكر هذا في النفقة: ﴿الشَّيْطَانُ يَعِدُكُمُ الْفَقْرَ وَيَأْمُرُكُم بِالْفَحْشَاءِ﴾. قال: ويخوفهم عند إيثار مرضاة الله بكل ما يمكن وما لا يمكن مما يدخله في عقولهم حتى يكسلوا عن فعل الخير. وكذلك يمنيهم الأماني الباطلة التي هي عند التحقيق كالسراب الذي لا حقيقة له. ولهذا قال: ﴿وَمَا يَعِدُهُمُ الشَّيْطَانُ إِلَّا غُرُورًا﴾. الأماني والأمال التي يجد أو التي يزينها الشيطان في قلب الإنسان، يعطيه أماني كثيرة وأنه سيفعل وأنه سيفعل، وآمال وأنه يعطيه أمل وأنه سيعيش وأنه سيفعل الشركة الفلانية ويفعل كذا وكذا. كل ذلك آمال وأماني قد لا تكون، وإنما يمنيه الشيطان بها. ولهذا النبي صلى الله عليه وسلم لما ذكر العمل جاء ووضع خطًا أو وضع نقطة ثم خط فيها خطًا طويلًا، قال: «هذا أمل الإنسان»، ثم جعل مربعًا على هذا الخط، وعلى هذه النقطة صارت النقطة في الوسط، والمربع اخترق هذا الخط، اخترق هذا الخط وصار مربعًا، ثم جعل في المربع هذا خطوطًا صغيرة، فقال: «هذا المربع: هذا الأجل، أجل الإنسان، محيط به، محيط به من كل جهة ويقطع عليه العمل»، ثم ذكر خطوطًا صغيرة وقال: «هذه العواري، العواري التي تصيب: أمراض كذا، كلما أخطأه عرض نهشه الآخر، نهشه الآخر». هكذا الإنسان في هذه الحياة عنده آمال وعنده طموح وأماني يضعها الإنسان في قلبه وينسى الموت وينسى الأجل، مع أن الإنسان الأجل محيط به في أي وقت يأتيه فيقطع عليه هذا الأمل وهذه الأماني. وأيضًا كذلك العواري التي تصيبه، فقد يكون عرض فيه غي وضلالة، وقد يكون فيه خير لكنها ابتلاءات، إن صبر على هذا الابتلاء فاز ومشى في الطريق لأنه لا ينظر إلى هذه العواري، كلما نهشه صبر على الطريق وعلى أنه سيأتي، سيأتيه الأجل، فيصبر ويحتسب، ويعطيه الله عز وجل أكثر مما افتقد، يعطيه الله عز وجل أكثر مما افتقد. فلهذا في الأماني تضل هذه الأماني تضل. وكما قال الله عز وجل لبني إسرائيل لما قالوا: ﴿لَن تَمَسَّنَا النَّارُ إِلَّا أَيَّامًا مَّعْدُودَةً﴾، قل: ﴿أَتَّخَذْتُمْ عِندَ اللَّهِ عَهْدًا فَلَن يُخْلِفَ اللَّهُ عَهْدَهُ﴾، وقال لهم أيضًا: ﴿أَمْ تَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾، ﴿قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ﴾. فهم أماني فقط يدعونها أن الله عز وجل يحبهم. وهكذا الإنسان يغرر عليه الشيطان، يرى نفسه مثلًا في المسجد، يرى نفسه في طلب العلم، يرى نفسه في كذا، يقول: الله يحبني، الله مثلًا ما سيضيعني، وهو يفعل أشياء باطلة وأشياء ضلال، فيضل. الله عز وجل ما سيضيعني لأني أفعل كذا، وهذا غرور من غرور الشيطان. فلهذا الواجب على المسلم أن يترك مثل هذه الأشياء ويعتصم بالله، ويخاف إذا فعل المخالفة، خاف ورجع وتاب إلى الله، لا يغر نفسه بهذه الأماني، أو يغر نفسه بعفو الله ومغفرته فيقع بعد ذلك في حبائل الشيطان. قال رحمه الله: قالوا لهذا ﴿وَمَا يَعِدُهُمُ الشَّيْطَانُ إِلَّا غُرُورًا﴾، يغره الشيطان بمثل هذه الأمور. قد يحسب الإنسان أن هذا خير وهو شر عليه. كثير من الناس الآن بسبب جهلهم يقول: أنا يكفيني أني أصلي وأصوم فريضتي، هذا يكفيني. هذا غرور أيضًا من الشيطان. وأيضًا أحيانًا يغرر الشيطان بعفو الله، أنا بعفو الله وكرم. بعض الناس يظن أن هذا رجاء، يقول: هذا رجاء، أنا أرجو أن الله عز وجل يعفو عني، ويخالف ويفعل المخالفات والمعاصي، فيظن أن هذا من حسن الظن بالله. لا، هذا ليس حسن ظن، بل هذا كذب يكذب الإنسان على نفسه. فلو كان كما قال الحسن: «يحسن الظن بالله لأحسن العمل»، لو كان يحسن الظن بالله لأحسن العمل. لكن هذا غرور من غرور الشيطان، يظن أن الله عز وجل سيعفو عنه وأن الله سيغفر له. كما قال الله عز وجل عن قوم من بني إسرائيل: ﴿فَخَلَفَ مِن بَعْدِهِمْ خَلْفٌ وَرِثُوا الْكِتَابَ يَأْخُذُونَ عَرَضَ هَذَا الْأَدْنَى وَيَقُولُونَ سَيُغْفَرُ لَنَا وَإِن يَأْتِهِمْ عَرَضٌ مِّثْلُهُ يَأْخُذُوهُ﴾. معنى ما يبالون يدخلون في المعاصي والمخالفات ويقولون: سيغفر الله عز وجل، سيغفر لنا ذنوبنا وكذا. وهذا حال كثير من أهل المعاصي والمخالفات، ونسأل الله عز وجل أن يسلمنا. قال: ﴿أُولَئِكَ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ﴾، أي: من انقاد للشيطان وأعرض عن ربه وصار من أتباع إبليس وحزبه، مستقرهم النار، ﴿وَلَا يَجِدُونَ عَنْهَا مَحِيصًا﴾، أي: مخلصًا ولا ملجأ. ما لهم ملجأ أبدًا من النار، ولا شيء يخلصهم، لا صديق ولا حميم يطاع، ليس لهم شفيع، لا يجدون أحدًا يخلصهم من النار أبدًا، بل هذه النار مأواهم، ولا يجدون عنها محيصًا. قال: بل هم خالدون فيها أبدًا. ولما بين مآل الأشقياء أولياء الشيطان ذكر مآل السعداء أولياء الله. طيب، إن شاء الله نكتفي بهذا، ودرس الله.