الدرس في كتاب التفسير من صحيح البخاري 38، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد
استعرض الشيخ سند حديث البخاري عن ابن مسعود في تفسير قوله تعالى: ﴿الذين يدعون يبتغون إلى ربهم الوسيلة﴾، مبيناً أن قوماً عبدوا جناً فأسلم الجن وبقي القوم على شركهم، وأن الآية تقطع جذور الشرك كما قرر ابن القيم.
فسر آيات نفي القدرة عن المدعوين من دون الله في كشف الضر، مستدلاً بأقوال ابن عباس وابن مسعود في أن الآية نزلت فيمن يعبدون الملائكة أو الصالحين أو الجن، مبيناً أن دعاء الصالحين والاستغاثة بهم عبادة منكرة ردها الله حتى لو كان المدعو صالحاً مسلماً.
أوضح كيف يتمسك القبوريون برواية ابن عباس عن أصنام قوم نوح لجواز دعاء الصالحين، ورد عليهم بأن هذا شرك أكبر، مبيناً أن شرك المتأخرين أغلظ من شرك المتقدمين؛ لأن الأولين كانوا يدعون الله في الشدة بينما يدعو هؤلاء الأولياء في الشدة والرخاء.
بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وسلم. أما بعد، قال الإمام البخاري رحمه الله تعالى: باب «قل ادعوا الذين زعمتم من دونه فلا يملكون كشف الضر عنكم ولا تحويلاً». قال: حدثني عمرو بن علي، وهو أبو حفص الفلاس الصيرفي، كان من حفاظ الحديث وجهابذة الحديث من أهل البصرة. قال: حدثنا يحيى بن سعيد القطان، جبل من جبال العلم. قال: حدثنا سفيان، هو الثوري. قال: حدثني سليمان، وهو الأعمش، عن إبراهيم، وعرفنا أنه سفيان الثوري بأن يحيى بن سعيد من المكثرين عنه، وإذا روى عن ابن عيينة يقول: ابن عيينة. وأيضاً قد روى هذا الحديث أكثر من واحد عن سفيان الثوري، وإلا فسفيان بن عيينة يروي عنه يحيى بن سعيد، وكذلك هو يروي عن الأعمش، لكن سفيان الثوري أكثر عن الأعمش، وكذلك يحيى بن سعيد أكثر عن الثوري. قال: حدثنا سفيان، وغالباً إذا كان الثالث في البخاري فغالباً يكون سفيان الثوري. قال: حدثني سليمان، وهو الأعمش، عن إبراهيم، وهو ابن يزيد النخعي، عن أبي معمر، وهو عبد الله بن سخبرة، أبو معمر الكوفي، قال: أنه همداني. قال: عن عبد الله، وهو ابن مسعود، في قوله جل وعلا: ﴿الذين يدعون يبتغون إلى ربهم الوسيلة﴾. قال: كان ناس من الإنس يعبدون ناساً من الجن، فأسلم الجن، وتمسك هؤلاء بدينهم. زاد الأشجعي، وهو عبيد الله بن عبد الرحمن الأشجعي، عن سفيان، عن الأعمش: «قل ادعوا الذين زعمتم من دونه». فهذه الآية هي من الآيات التي قطعت عروض الشرك، كما قال الإمام ابن القيم في الآية، آية سبأ: ﴿قل ادعوا الذين زعمتم من دونه فلا يملكون مثقال ذرة في السماوات ولا في الأرض وما لهم فيهما من شرك وما لهم منهم من ظهير﴾. قال الإمام ابن القيم: أنها قطعت جذور الشرك، أي قطعته من أصله. ﴿قل ادعوا الذين زعمتم من دونه﴾، أي أحد تدعونه من دون الله. قال هنا: ﴿فلا يملكون كشف الضر عنكم ولا تحويله﴾. إن كنتم أردتم أنهم آلهة فهم لا يستطيعون فعل ما تفعله الآلهة، أو ما يفعله الله عز وجل من كشف الضر، وأيضاً تحويله من حال إلى حال. وإن كانوا هؤلاء تزعمون أنهم يفعلون ذلك فأنتم تكذبون. لهذا لا يملكون كشف الضر. ﴿أمن يجيب المضطر إذا دعاه ويكشف السوء ويجعلكم خلفاء الأرض﴾. أي لا هم مع الله، فليس هناك إله يملك هذه الأمور إلا الله سبحانه وتعالى. فلذلك هذه الآية نزلت في دعاء الصالحين، نزلت في دعاء الصالحين كما جاء عن ابن عباس أنها نزلت في الملائكة وعزير وعيسى، أي الذين يدعونهم من دون الله. وفي هذا الحديث، حديث عبد الله بن مسعود، يبين أن هذه الآية نزلت في أناس من الإنس يعبدون ناساً من الجن، يعبدونهم. ما يصلون لهم، لا شك أنهم ليسوا أنهم يصلون لهم أو يصومون لهم، وإنما يستغيثون بهم، ويدعونهم من دون الله، ويلجأون إليهم في المخاوف، فهذا عبادتهم إياهم. قال: كان ناس من الإنس يعبدون ناساً من الجن، فأسلم الجن، وتمسك هؤلاء بدينهم. أي أسلم الجن، وهؤلاء لا زالوا يدعونهم، فقال الله عز وجل: ﴿أولئك الذين يدعون يبتغون إلى ربهم الوسيلة﴾. أي هؤلاء الذين يدعونهم، هؤلاء يبتغون إلى ربهم الوسيلة، أي القربة، أيهم يبتغون إلى ربهم الوسيلة، أيهم أقرب، ويرجون رحمته ويخافون عذابه. ﴿إن عذاب ربك كان محذوراً﴾. فتبين من هذا أن هؤلاء كانوا يدعون أناساً صالحين، ولم ينفعهم ذلك، بل أنكر الله عز وجل عليهم، أنكر الله عز وجل عليهم دعوتهم لأولئك الصالحين، مع أنهم قد أسلموا، أو على قول ابن عباس أنهم الملائكة وعزير وعيسى، فأولئك صالحون، لكنهم لم ينفعهم دعوتهم، بل أنكر الله عز وجل عليهم. وهذا كما قلنا فيه دليل على الرد على هؤلاء، كما ذكره شيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب، فيه رد على الذين يتعلقون بدعاء الصالحين، وقالوا أن الآيات ليست في دعاء الصالحين، وإنما في دعاء الأصنام، في دعاء الأصنام. ولهذا تشبث بعض القبورية، كما سيأتي إن شاء الله معنا في كشف الشبهات، بمن أعل رواية ابن عباس في قوم نوح. ابن عباس قال: لما ذكر الله عز وجل ﴿وقالوا لا تذرن آلهتكم ولا تذرن وداً ولا سواعاً ولا يغوث ويعوق ونسراً﴾، قال: هذه آلهة كانت في قوم نوح، وعبدت من دون الله. هذه آلهة كانت من قوم نوح، عبدوهم من دون الله، صوروا صورهم، ثم لما نسي العلم عبدوهم من دون الله جل وعلا. فأنكر هؤلاء القبوري أن يكون هؤلاء قوماً صالحين، فأن ابن عباس زعم أنهم قوم صالحون عبدوهم قوم نوح، فلذلك فهم ينكرون مثل هذه الأشياء، لأنهم يقولون أنه يجوز أن يدعى الصالحون، وأن يستغاث بهم، وأن يلاذ بهم، وغيرها من هذه الأمور التي لا تكون إلا لله جل وعلا، فيدعونهم ويستغيثون بهم فيما لا يقدر عليه إلا الله. فلذلك تجد كما ذكر الشيخ أيضاً، شيخ محمد بن عبد الوهاب، أن شرك الأولين أخف من شرك الآخرين، وشرك الآخرين أغلظ من شرك الأولين، لأنهم أولئك كانوا يدعون آلهتهم في الرخاء، وأما في الشدة فيدعون الله، وأما هؤلاء فقد سول لهم الشيطان أنهم يدعونهم في الشدة والرخاء، بل أنهم يدعونهم في الشدة أعظم، إذا جاءتهم الكرب، وغرقوا في البحر مثلاً، أو تاهوا في الصحراء، فإنهم يدعون غير الله: يا عيدروس، يا الجيلاني، يا كذا، وينسون الله سبحانه وتعالى. كما ذكر بعض من شاهدهم أنهم لما غرقوا أو كانت السفينة ستغرق كانوا ينادون: عيدروس، ينادون كذا. وأيضاً الشيعة ينادون الحسين وعلي، وغيرها من هذه الاستغاثات التي تكون لغير الله جل وعلا. فلذلك فهذه الآيات قطعت عليهم هذا الاستدلال، قطعت عليهم هذا الشرك. ﴿قل ادعوا الذين زعمتم من دونه﴾. ومن دونه هنا نكرة في سياق الإثبات، على أنه أي أحد غير الله سبحانه وتعالى. ﴿قل ادعوا الذين زعمتم من دونه﴾، أي من دون الله، ﴿فلا يملكون كشف الضر عنكم ولا تحويلاً﴾. طيب، هذا ما يذكر في هذه الآية، والله تعالى أعلم. ترجمة نانسي قنقر ترجمة نانسي قنقر شكب ترجمة نانسي قنقر