الدرس في كتاب التفسير من صحيح البخاري 233، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد
تسمى السورة «المنافقون» في المصاحف والأحاديث، ونزلت بعد غزوة المريسيع لا بعد تبوك. يروي زيد بن أرقم أنه سمع عبد الله بن أبي بن سلول يتوعد بإخراج الأعز من المدينة الأذل، فأخبر عمه سعد بن عبادة بذلك.
أبلغ زيد بن أرقم النبي صلى الله عليه وسلم بكلام المنافقين، فكذبوه في البداية، فأنزل الله سورة المنافقين مصدقاً لزيد ومكذباً لهم. أخبر النبي زيداً أن الله قد صدقه، ورجح العلماء وقوع ذلك في غزوة المريسيع.
يوضح المقطع حكمة النبي في عدم قتل المنافقين درءاً للفتنة، ويستعرض مواقف من غزوة تبوك حيث نقل زيد بن أرقم وعبد الله بن مسعود أقوال المنافقين فصدقهما النبي. يُعد ذلك دليلاً على قبول خبر الثقة وخبر الآحاد في الشرع.
استشهد المحاضر بقوله تعالى: ﴿قُلْ أَبِاللَّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنْتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ﴾ مبيناً نزولها فيمن استهزأ بالله ورسوله. اختصر الفوائد المستنبطة من الحديث واكتفى بما ذُكر مفوضاً العلم الكامل لله تعالى.
الحمد لله رب العالمين، أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وسلم. أما بعد، قال الإمام البخاري رحمه الله: «سورة المنافقين، بسم الله الرحمن الرحيم». وسورة المنافقين هكذا سُميت في المصاحف، وكذلك في الأحاديث، فلم يكن لها اسم إلا هذا الاسم. وجاء في الأحاديث: «قرأ النبي صلى الله عليه وسلم في الجمعة بالجمعة والمنافقين». وأيضًا سيأتي بالحديث تسميتها: ﴿إِذَا جَاءَكَ الْمُنَافِقُونَ﴾، لكن هذا من باب فقط ذكر الآية، وإلا فهي تسمى «المنافقون». قال: «باب قولي...». وهذه السورة نزلت -على الصحيح- في غزوة المريسيع، غزوة بني المصطلق، وهذا هو الصحيح من أقوال أهل العلم؛ لأن قول عبد الله بن أبي -وسيأتي هذا القول- قاله عند الرجوع من المريسيع، من بني المصطلق، وليس من تبوك. صحيح أن بعض العلماء قال: إن هذه الآية أو السورة نزلت بعد تبوك لكثرة المنافقين في تلك الغزوة، لكن ليس صحيحًا، وإنما نزلت هذه السورة بعد غزوة المريسيع أو بني المصطلق. قال: «حدثنا عبد الله بن رجاء»؛ فهو كوفي، لم يرو عنه إلا البخاري. قال: «حدثنا إسرائيل»، وهو ابن يونس بن أبي إسحاق السبيعي. كان عكازة جده، أنه كان يمشي مع جده عند المشايخ، وكذلك أيضًا يمشي به إلى المسجد، وكذا؛ ولهذا فهو أوثق من روى عن أبي إسحاق من أهله، بل أوثق من أبيه؛ أبوه يونس بن أبي إسحاق، وكذلك من أخيه عيسى بن يونس، وكذلك أيضًا من عمه إسحاق بن أبي إسحاق. فإسرائيل هو أصغرهم، لكنه أوثقهم في جده. وأما في روايته عن... أو في مقارنته بغيره، فقال بعض أهل العلم: إن إسرائيل أثبت الناس في أبي إسحاق مطلقًا، كعبد الرحمن بن مهدي. لكن أكثر أهل العلم -كأحمد والبخاري وغيرهم- فضلوا رواية سفيان وشعبة؛ لأنها أولاً قديمة، ورووا عنه قديمًا، وأبو إسحاق في آخر عمره كان ينسى، بل بعضهم ذكر أنه اختلط، ومعنى اختلط: معنى خرف. قال: «عن أبي إسحاق، عن زيد بن أرقم» رضي الله عنه، قال: «كنت في غزاة»، والصحيح كما قلنا: هذه الغزاة هي المريسيع أو بني المصطلق. وتسمى بالمريسيع للماء الذي صارت عنده الغزوة، وتسمى ببني المصطلق: القبيلة التي غزاها النبي عليه الصلاة والسلام، وهي قبيلة المرأة المباركة زوجة النبي عليه الصلاة والسلام، جويرية بنت الحارث المصطلقية. قال: «وسمعت عبد الله بن أبي يقول: لا تنفقوا على من عند رسول الله حتى ينفضوا من حوله، ولئن رجعنا من عنده ليخرجن الأعز منها الأذل». قال: فذكرت ذلك لعمي، أو لعمر. وأكثر الروايات أنه لعمي، وبعضهم رواها لعمر، وإنما الشك ظاهر الشك من عبد الله بن رجاء؛ وإلا فأكثر من روى عن يونس، أو عن إسرائيل، وروى عن أبي إسحاق، جزموا أنه قال: لعمي. والمقصود بعمه: سعد بن عبادة رضي الله عنه، وهو سيد قومه الخزرج، وعبد الله بن أبي بن سلول كان من الخزرج. وقيل: إن عمه ثابت بن قيس، وهو أخ لأبيه، أخ لأبيه أرقم، أرقم بن قيس. لكن جاء في بعض الروايات ما يدل على أنه سعد بن عبادة. قال زيد رضي الله عنه: «كنت بغزاة، فسمعت عبد الله بن أبي يقول: لا تنفقوا على من عند رسول الله حتى ينفضوا من حوله». ويريد بأهل الصفة: لا تنفق عليهم، فإذا لم تنفق عليهم خرجوا وذهبوا. «ولئن رجعنا من عنده ليخرجن الأعز منها الأذل». قال: فذكرت ذلك لعمي، أو لعمر، فذكره للنبي عليه الصلاة والسلام، فدعاني فحدثته، فأرسل رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم إلى عبد الله بن أبي وأصحابه، فحلفوا ما قالوا، فكذبني رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم وصدّقهم. والنبي عليه الصلاة والسلام لا يعلم الغيب، لكن: هل النبي صلى الله عليه وسلم صدقهم، أو أنه أظهر ذلك لأنهم حلفوا، والله عز وجل أمره أن يقبل منهم الحلف واليمين؟ فظن زيد أن النبي صلى الله عليه وسلم صدقهم وكذبه. قال: «فأصابني هم لم يصبني مثله قط». قال: فجلست في البيت، فقال لي عمي: ما أردت إلى أن كذبك رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم ومقتك؟ أنا يقول له عمه: لماذا ألححت بالكلام وتكلمت حتى كذبك رسول الله؟ قال: فأنزل الله عز وجل: ﴿إِذَا جَاءَكَ الْمُنَافِقُونَ﴾، فبعث إلي النبي عليه الصلاة والسلام فقرأ، فقال: «إن الله قد صدقك يا زيد، قد صدقك يا زيد». يعني: إن كذبك فالله عز وجل صدقك. وفي بعض الروايات: أن النبي عليه الصلاة والسلام مر على زيد، فلوى بأذنه، وكان زيد صغيرًا لذلك الوقت، وهذا من باب المزاح، كان كأنه يمازح. والنبي عليه الصلاة والسلام كان يعلم أن زيدًا لم يكذب، لأنه يعلم أن هؤلاء كانوا يتكلمون في النبي عليه الصلاة والسلام وأصحابه. وهكذا غالب من يبتل أو يبتليه الله عز وجل ولم يوفقه، تجد أنه أكثر كلامه في أهل الصلاح، وأهل الفساد وأهله أيضًا الكبائر وأهل الفسق، تجد أنهم في منعه عنه، لكن يبتليه الله عز وجل بالكلام في أهل الصلاح. فهؤلاء من المنافقين كانوا هكذا، ما يتكلمون إلا في النبي عليه الصلاة والسلام وأصحابه، حتى صارت لهم مجالس. وأين هذه المجالس في الغزوات؟ هذه في غزوة يتكلمون فيها على النبي عليه الصلاة والسلام. ومما يدل على أن هذه الغزوة ليست تبوك: أن عبد الله بن أبي لم يخرج إلى تبوك. صحيح أن تبوك كان فيها كثير من المنافقين، ورجع منها أيضًا كثير من المنافقين، وفيها قضية العقبة، لما أرادوا أن يغدروا بالنبي عليه الصلاة والسلام في العقبة التي عندما كان النبي صلى الله عليه وسلم راجعًا من تبوك، لكن الله عز وجل خذلهم، وكانوا ثلاثة عشر، كانوا ثلاثة عشر كما قال الحديث. ولهذا كان رجل يؤذي حذيفة بن اليمان في هؤلاء الذين كانوا أرادوا أن يقتلوا النبي عليه الصلاة والسلام في العقبة، وكان مؤذيًا جدًا، فقال له حذيفة: إنهم ثلاثة عشر، وإن كنت منهم فهم ثلاثة عشر. وأنا أقول: إذا كنت منهم أنت فهم أربعة عشر. فلذا فليس عبد الله بن أبي... أو أن عبد الله بن أبي لم يحضر تبوك. ولهذا رجح كثير من أهل العلم، وهو القول الذي لا يقال غيره: أن هذه في المريسيع. وقد جاء ذلك أيضًا صريحًا في رواية عبد الله... أو في رواية ابن عمر، لما وقف عبد الله بن عبد الله بن أبي... فلما جاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم، أو أقصد ذاك في غزوة تبوك، أما هذا ففي هذه المريسيع. طيب، قال: «لئن رجعنا من عنده لنخرجن الأعز منها الأذل». ويقصد بالأعز: هو ومن مثله، وبالذل: رسول الله صلى الله عليه وسلم ومن كان معه من المهاجرين. قال بعد ذلك: «فأنزل الله تعالى: ﴿إِذَا جَاءَكَ الْمُنَافِقُونَ﴾، فبعث إلي النبي عليه الصلاة والسلام فقرأ، فقال: إن الله قد صدقك يا زيد». فهذا فيه عدة مسائل وفوائد، قد ذكرنا بعضها، ومنها: أن أمر المنافقين يكون على... فما دام أنهم لم يجاهروا بكفرهم، فيعاملون معاملة الإسلام. فإن قامت عليهم الحجة، وقالوا مثل هذا الكلام، فهم من الزنادقة. لكن النبي عليه الصلاة والسلام لم يقتلهم، حتى لا يقال: إن محمدًا يقتل أصحابه، فينفر الناس من الإسلام. فلذا لم يقتلهم النبي عليه الصلاة والسلام. وغالبًا أن هذا كان في... في غزوة، هم يغزون مع المسلمين ويقاتلون مع المسلمين، فلذا عفا النبي عليه الصلاة والسلام عنهم. وكذلك الذي حصل أيضًا في تبوك، في كلام عبد الله بن أبي... أو أقصد في كلام الذين تكلموا في تبوك، ليس منهم عبد الله بن أبي، تكلموا وقالوا: «ما رأينا مثل قرائنا هذه... أجبن عند...» أو قالوا: «أشبع بطونًا، وأجبن عند اللقاء». معنى «عند الأكل» يأكلون، لكن «عند اللقاء» يجبنون. وكذبوا، والله فهم يقاتلون مئات الألوف، هم قليل، وهذا يدل على شجاعتهم رضي الله عنهم. وكذلك فيه: أنه أحيانًا أن الإنسان إذا كان هناك أمر فيه إفساد عظيم، وفيها أيضًا كذلك انتشار الشر، وقد يذهب ببعض الناس، ينبغي أو لا بأس أن الإنسان ينقل الحديث، ينقل الحديث إلى من يهمه هذا الأمر، حتى لا يتفاقم هذا الشر، حتى لا يتفاقم هذا الشر. ولهذا زيد رفع الحديث إلى النبي عليه الصلاة والسلام، ولم ينكر عليه النبي عليه الصلاة والسلام رفعه للحديث، وإنما أظهر أنه صدقهم، أظهر أنه صدقهم عليه الصلاة والسلام؛ لأنهم حلفوا له، فتركهم على أيمانهم، حتى أنزل الله عز وجل تكذيبهم. فلم يكن بعد ذلك لهم حجة، بعد أن نزل القرآن بضدهم وفضحهم الله عز وجل. فلذا ما استطاعوا بعد ذلك أن يأتوا إلى النبي عليه الصلاة والسلام ويحلفوا، لأن الله عز وجل قد كذبهم وفضحهم. وأما قول عبد الله بن مسعود رضي الله عنه، لما سمع بعض المنافقين يقول: «إن هذه قسمة ما أريد بها وجه الله»، فأخبر عبد الله بن مسعود النبي عليه الصلاة والسلام بهذا الكلام، فغضب. قال ابن مسعود: فغضب غضبا لم يغضبه... أو لم أره غضب مثله، فقال: «لقد أوذي موسى بأكثر من هذا فصبر». قال عبد الله بن مسعود: «فما رفعت بعد ذلك له حديثًا». وهذا اجتهاد منه رضي الله عنه؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم ما أنكر عليه. ولو كان هذا الأمر منكرًا أو أنه لا يجوز، لأنكر عليه النبي عليه الصلاة والسلام، لكنه لم ينكر عليه، بل صدقه في خبره؛ لأنه صادق ثقة. وهذا أيضًا من الأدلة المتكاثرة في قبول خبر الثقة، في قبول خبر الثقة. النبي صلى الله عليه وسلم قبل خبر عبد الله بن مسعود، مع أنه واحد، فهو من الأدلة التي فيها قبول خبر الآحاد، خلافًا للمعتزلة وغيره. فالنبي عليه الصلاة والسلام صدق عبد الله بن مسعود في ذلك. وكذلك أيضًا عندما نقل إلى النبي عليه الصلاة والسلام خبر الذين تكلموا في تبوك، فالنبي عليه الصلاة والسلام صدق النقل، ثم جاء القرآن وأنزل الله عز وجل فضيحة هؤلاء. فلما جاءوا إلى النبي عليه الصلاة والسلام، وقد أنزل الله عز وجل الخبر فيهم، فكانوا يمشون خلف ناقة رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم، حتى أن أحدهم ليجر رجليه من الحجارة، معنى: كأنه يجر رجله، يريد من النبي عليه الصلاة والسلام أن يعفو عنه. ولم يجد عليهم النبي صلى الله عليه وسلم: ﴿قُلْ أَبِاللَّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنْتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ * لَا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُمْ﴾. فهذه بعض الفوائد والمسائل في هذا الحديث، فنكتفي بذلك، والله تعالى أعلم.