كتاب فضائل القرآن من صحيح البخاري 11

كتاب فضائل القرآن من صحيح البخاري 11

الدرس في كتاب فضائل القرآن من صحيح البخاري 11، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد

اختلاف القراءة في عهد النبي وإقراره بالسبعة أحرف

يروي عمر بن الخطاب اختلاف قراءة هشام بن حكيم لسورة الفرقان عن قراءته، فأقر النبي صلى الله عليه وسلم القراءتين مبيناً أن القرآن نزل على سبعة أحرف. يثبت هذا الحادثة جواز الاختلاف في الأداء في عهد النبوة وحسم النبي له.

جمع القرآن في عهد أبي بكر وعثمان ودواعي التدوين

جُمع القرآن في مصحف واحد في عهد أبي بكر ثم عثمان رضي الله عنهما خشية الاختلاف بعد استشهاد الحفاظ. نهى النبي عن المراء في القرآن، واختلف العلماء في المراد بالسبعة أحرف مع وجود كلمات بأكثر من سبع لغات.

معنى الأحرف السبعة والفرق بينها وبين القراءات المتواترة

الراجح أن الأحرف السبعة سبع لغات عربية للتيسير كما دل حديث أبي بن كعب، والنبي أقرأهم جميعاً إياها. فرق المقطع بين الأحرف السبعة المنزلة والقراءات الحالية (السبع والعشر) التي هي أوجه في حرف قريش المصحف العثماني.

اتفاق الأمة على مصحف عثمان لتوحيد القراءة

استقر المسلمون على القراءة بمصحف عثمان رضي الله عنه لكونه خليفة راشداً واعتُبر ذلك من سنته. جاء ذلك بهدف توحيد القراءة ومنع الاختلاف بين أهل الإسلام في القرآن الكريم.

التفريغ النصي الكامل

بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وسلم. أما بعد، قال الإمام البخاري رحمه الله: حدثنا سعيد بن عفير، هو سعيد بن كثير بن عفير، نسب إلى جد، وهو من حفاظ المصريين. وقلنا: إن ابن معين قال: عجائب مصر ثلاث: القاهرة، والأهرام، وسعيد بن عفير؛ لأنه كان موسوعة في الأنساب، في التاريخ، وفي غيره. قال: حدثني الليث، وهو ابن سعد، أبو الحارث الفهمي. قال: حدثني عقيل، عقيل بن خالد الليلي المصري، كذلك عن ابن شهاب. وابن شهاب: محمد بن مسلم بن عبد الله بن عبد الله بن شهاب بن الزهر القرشي. قال: حدثني عروة بن الزبير، وهو صابر المحتسب، عروة بن الزبير بن العوام الأسدي، كان موسوعة من موسوعات العلم، كما قال الزهري. قال الزهري: جئت إلى عروة بن الزبير فوجدته بحراً لا ساحل له. قال: إن المسور بن مخرمة، وعبد الرحمن بن عبد القاري حدثاه. والمصور يعتبر صحابياً صغيراً من صغار الصحابة، وأبوه مخرمة من مسلمة الفتح، وعبد الرحمن بن القاري من كبار التابعين. قال: حدثاه أنهما سمعا عمر بن الخطاب يقول: سمعت هشام بن حكيم، هشام بن حكيم بن حزام بن خويلد، وهو حكيم، أبوه حكيم بن حزام، ابن عم خديجة بنت خويلد، أو حكيم بن العوام. قال: هشام بن حكيم يقرأ سورة الفرقان في حياة رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم، فاستمعت لقراءته، فإذا هو يقرأ على حروف كثيرة لم يقرأنيها رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم. معنى حروف كثيرة: أي يريد تغيير في الحروف، وأحياناً يكون في الكلمات، لكنها بمعنى واحد. قال: لم يقرأنيها رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم، فكنت أساوره في الصلاة. معنى: لم كنت أساوره؟ أي أخاصمه، وهو في الصلاة. قال: فجلست فانتظرت حتى انتهى. قال: فتصبرت حتى سلم. تصبرت: معنى ألزمت نفسي بالصبر. قال: فلببته برداء. لببته: معنى جمع رداء وأمسكه. فقلت: من أقرأك هذه السورة التي سمعتك تقرأ؟ قال: أقرأنيها رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم. قال: فقلت: كذبت. فإن رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم... كذبت: معنى على لغة قريش: أي أخطأت، وقد يراد بها كذبت بمعنى الكذب، لكن غالباً قريش يطلقون كذبت ويريدون به أخطأت. قال: فإن رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم قد أقرأنيها على غير ما قرأت. قال: فانطلقت به أقوده، أنا أقوده، كأنه ماسكه لازال برده. فقلت: أقوده إلى رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم. فقلت: إني سمعت هذا يقرأ بسورة الفرقان على حروف لم تقرأنيها. فقال رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم: أرسله، أرسله. معنى: فكه، لا تمسكه. اقرأ يا هشام. فقرأ عليه القراءة التي سمعته يقرأ. فقال رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم: كذلك أنزلت. ثم قال: اقرأ يا عمر. قال: فقرأت القراءة التي أقرأني. فقال رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم: كذلك أنزلت. إن هذا القرآن أنزل على سبعة أحرف، فاقرؤوا ما تيسر منه. فهذا الحديث فيه عدة فوائد. ومن ذلك: أن الاختلاف حصل في القراءة في زمن رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم، لكن لما كان النبي عليه الصلاة والسلام موجوداً كان يحل هذه الخصومات التي تحصل. ولهذا لما مات النبي عليه الصلاة والسلام اختلف الناس في القراءة، ولا شك أن اختلافهم هذا قد يؤدي إلى شيء أكبر، وإلى خصومات أكبر. فلهذا دخل عمر على أبي بكر رضي الله عنه وقال له: اجمع، اجمع هذا القرآن؛ فإن أصحاب رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم قد اختلفوا. وأيضاً قد استحر القتل بهم في اليمامة، في معركة اليمامة. فلهذا عمر رضي الله عنه حث الصديق رضي الله تعالى عنهما أن يجمع القرآن، حتى لا يختلف الناس، أن يجمع قراءته في مصحف واحد. فكان أبو بكر وقع في نفسه شيء: كيف أفعل شيئاً لم يفعله رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم؟ كان عمر يقول له: هذا خير. وكما قلنا: إن المقتضى الذي كان في زمن النبي صلى الله عليه وسلم، وهو وجود رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم، فإنه قد ذهب؛ لأنه ما استطاع أحد... أو قد يحصل الخلاف بين الصحابة في بعض الآيات، لكن لما كان النبي عليه الصلاة والسلام موجوداً فهو الذي يفصل بينهم. فلهذا خشي عمر أن يحصل مثل هذه الخصومات وتزداد، فأمر، أو فأشار إلى أبي بكر أنه يجمع القرآن. فدعا أبو بكر رضي الله تعالى عنه زيد بن ثابت، وجعله يجمع القرآن والقراءات في مصحف واحد. وبعد ذلك أيضاً لما حصل الخلاف أكثر، واستحر أيضاً أن حصل الخلاف أكثر في القراءات وتوسعها، قال حذيفة لعثمان: أدرك أمة رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم. فجمعه في قراءة واحدة على لغة قريش. فلهذا كانت هذه الخصومات في زمن النبي صلى الله عليه وسلم تذهب. لهذا النبي صلى الله عليه وسلم حذر من الخصومات في القرآن. فجاء عند أحمد وأبي داود من حديث أبي هريرة: أن النبي عليه الصلاة والسلام سمع بعض أصحابه يختصمون في القرآن، فخرج عليهم مغضباً، وقال: «كل يقرأ على ما سمع، والمراء بالقرآن كفر»، أو كما قال عليه الصلاة والسلام. المراء: المجادلة بضرب آيات بعضها ببعض. هذا منهي عنه، لا يجوز للإنسان أن يأتي بآية ويأتي آخر بآية يعارضها، سواء كان في القراءة أو الاستدلال، فإن هذا مما نهي عنه. فالخصومات في مثل هذا الباب نهى النبي عليه الصلاة والسلام عنها. ومن ذلك: خشي الصحابة هذا الاختلاف، فجمعوا القرآن، سواء كان الجمع في عهد أبي بكر، أو الجمع في عهد عثمان رضي الله عنهم أجمعين. وفي هذا أيضاً الحديث: أن هذا القرآن أنزل على سبعة أحرف. وأكثر العلماء على أنها لغات، المراد بها سبع لغات. لكن اختلفوا؛ لأنه وجد إشكال: أن القراءات الموجودة، أو الكلمات الموجودة في القرآن، وجدت على أكثر من لغة، وجدت على أكثر من سبع لغات. معنى بعض الكلمات مثلاً: ﴿ وهم سامدون ﴾، أي: يغنون، كما قال ابن عباس على لغة حمير. وهكذا تجد كلمات على لغة من لغات العرب. فقال بعض العلماء: فإذا جمعت هذه اللغات ستكون أكثر من سبع، وهذا إشكال. فقال بعضهم: لعل المراد أن الأصل أن هذه القراءات ترجع إلى هذه السبع، وإنما هذه أوجه أداء؛ أنه قد يكون في اللغة الواحدة أوجه للأداء في اللغة نفسها. كما هو معروف: العام في اللهجات، هذه المتكاثرة، تجد حتى في البلد الواحدة عدة لهجات، فتجد بعض الكلمات تختلف معنى من ناحية أداء الكلمة، حتى أداء الكلمة يختلف. فتجد بعضهم يضم أول الكلمة، وبعضهم يفتح أول الكلمة، وهكذا. بعضهم يكسر آخر أو قبل الأخير، وبعضهم يفتح. ولهذا تجد في اللغة بعض الكلمات يجوز فتحها وكسرها، ومنها يجوز ضمها وفتحها، ومن الكلمات ما يجوز أن تقرأ بالتثليث: يعني بالفتح والضم والكسر. وهذا لسعة لغة العرب. فلهذا قال بعض العلماء: فليس المقصود أنها سبع لهجات أو أداء، وإنما لغات ترجع هذه إلى اللغات. وهناك بعض العلماء قال بعض الشراح كعياض، وهو ظاهر كلام ابن عبد البر وغيره، فقالوا: إنه ليس المقصود سبع بعينها، ليس المقصود سبع بعينها، وإنما العرب تطلق بعض الأرقام المراد بها حولها. معنى سبع علم: كأنه يقول: أنزل على سبع أحرف أو حولها، معنى لا يصل إلى العشرة، فيكون سبعة أحرف. وهذا اختاره بعض أهل العلم كعياض، أي القاضي عياض، وكذلك هو ظاهر كلام ابن عبد البر. لكن الكلام الأول أولى: أن يقال إنها سبع لغات، لكن قد تختلف في الأداء، قد يختلف أداء الكلمة في نفس اللغة، أو في نفس هذه اللغات السبع، فيحسب الشخص أنها أكثر من لغة، وهي ليست كذلك، وإنما داخل في هذه اللغات السبع. وأيضاً فيه في هذا الحديث التيسير في القراءة، وأن هذه السبعة الأحرف أنزلت لأجل التيسير. فلهذا قال النبي عليه الصلاة والسلام: «فاقرؤوا ما تيسر منه». وقد جاء في الحديث الذي تقدم، حديث ابن عباس، أن النبي عليه الصلاة والسلام... وجاء من حديث أبي بن كعب، وقيل: إن ابن عباس لم يسمعه من النبي صلى الله عليه وسلم مباشرة، وإنما سمعه من أبي بن كعب. فقال النبي عليه الصلاة والسلام: «أقرأني جبريل على حرف، فراجعته، فلم أزل أستزيده ويزيدني حتى انتهى إلى سبعة أحرف». وهذا يدل على تيسير القراءة؛ لأن لو كانت على قراءة واحدة سيكون فيها شيء من العسر، وبعض الألسن قد لا تستطيع أن تنطق بعض الكلمات، فتنطقها على الكلمات التي جاءت فيها القراءة. فهذا من باب التيسير، والله تعالى أعلم. وأيضاً كذلك هنا في هذا الحديث: أن القراءات هذه التي هي على اللغة، ليس المراد كما قلنا: أن هذه كل واحد يعطيه النبي صلى الله عليه وسلم لغته، لا، وإنما يقرأ على ما يعرف من هذه اللغات. فعمر وهشام كلاهما قرشيان، واختلفا في القراءة التي سمعاها من النبي عليه الصلاة والسلام. فدل على أن النبي صلى الله عليه وسلم ليس معنى ذلك أنه يعطي القرشي القراءة التي يعرفها، ويعطي الآخر القراءة التي يعرفها، لا، وإنما يقرئهم أحرف قراءات. فمن أراد أن يقرأ بهذا الحرف قرأ، ومن أراد أن يقرأ بهذا الحرف قرأ. وكما ذكرنا في الحديث الذي مضى: أن هذه الكلمات ليس المراد أن القراءة كلها تختلف، لا، وإنما هي كلمات، كلمات، ممكن يكون معناها واحد، أو يكون فيه كما قلنا في الأداء: أداء هذه الكلمة من ناحية التشكيل، أو من ناحية بعض النقاط. فتجد أحياناً اختلاف اللغات في ذلك، فيكون في القراءة شيئاً من ذلك. فمن حفظ هذه القراءات كلها فهو على أفضل، ومن حفظ بعضها فقرأها فهو أفضل، أو فهو طيب وأمره على خير. لكن لا شك أن من حفظ هذه القراءات فهو أفضل. وهذه كما قلنا أيضاً من باب التنبيه: ليس هذه القراءات المعروفة الآن السبع، أو العشر، أو الأربعة عشر، لا. هذه قراءات في قراءة واحدة في مصحف عثمان الذي جمعه عثمان على لغة واحدة. وأما القراءة الأخرى فغالبها كانت قراءة بعض الصحابة، فوجد بعضها كقراءة عبد الله بن مسعود، وقراءة أبي بن كعب، وبعضها لم توجد. وبقيت هذه القراءة، واتفق المسلمون على القراءة بمصحف عثمان رضي الله تعالى عنه، إذ هو خليفة راشد، وتعتبر هذه من سنته، لأجل أن لا يختلف الناس ويختلف أهل الإسلام في مثل هذا الباب. فهذا ما يذكر في هذا المجلس، أو في هذا الحديث، والله تعالى أعلم.