الدرس في صلح الحديبية مسائل وأحكام 6، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد
يستهل الشيخ الحديث بذكر رواية مروان ومسور بن مخرمة في البخاري، موضحاً أن العرب كانت تؤرخ بالحوادث كعام الفيل. ثم يفصل خروج النبي صلى الله عليه وسلم في ذي القعدة سنة ست هجرية، وتعيين عبد الله بن أم مكتوم إماماً، مبيناً أن الهدف كان زيارة البيت الحرام لا القتال نظراً لهون قريش بعد الأحزاب.
خرج النبي صلى الله عليه وسلم مع أصحابه لأداء العمرة، وكان الصحابة يتسابقون لمرافقته طلباً للعلم والجهاد إلا من كان له عذر. بلغ النبي أن قريشاً أرسلت طليعة بقيادة خالد بن الوليد في الغميم، فأمر بأخذ ذات اليمين لتجنبهم والمضي بسلام.
رأى خالد بن الوليد غبار جيش المسلمين فأنذر قريشاً، مما يدل على أنه لم يكن قد أسلم بعد في الحديبية. وبركت ناقة النبي (القصوى) في الثنية فلم تقم، فقال النبي: "حبسها حابس الفيل"، في إشارة إلى تدخل إلهي حال دون دخول مكة، ليكون في ذلك الصلح الذي تحقق فيه خير عظيم للإسلام.
يشير المقطع إلى أن صلح الحديبية كان سبباً في دخول الناس في دين الله أفواجاً. ويختم المتحدث الدرس الحالي على أن يكمله في وقت لاحق.
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه. أما بعد، فأيها الإخوة الكرام، نحمد الله عز وجل على ما منّ علينا وأنعم، سبحانه وتعالى، وصلى الله عز وجل عفوه وعافيته، سبحانه جل وعلا. فأيها الإخوة الكرام، كما ذكرنا في الدرس الذي مضى، قرأنا أو ذكرنا بعض الأسباب والأشياء المهمة التي قبل صلح الحديبية، وما حصل قبل ذلك. وأيضًا مقدمات هذا الصلح. اليوم، كما ذكرنا، نذكر الحديث: حديث مروان ومسور في البخاري، كما قد قررناه، ونذكر فوائده. فأول ما ذكر: الزهري عن عروة عن مسور بن مخرمة ومروان بن الحكم، قال: خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم زمن الحديبية، حتى كانوا ببعض الطريق. العرب كانوا يؤرخون بالحوادث، فلهذا قال: زمن الحديبية، أي: الزمن الذي حصل فيه صلح الحديبية. فتجد أنهم قبل التاريخ الهجري كان الناس يؤرخون بالحوادث، ولهذا قد ذكرنا قبل في بدء البعثة أن النبي عليه الصلاة والسلام ولد في عام الفيل. عام الفيل: معنى العام الذي جاء فيه أبرهة الأشرم الحبشي، وأراد أن يدخل الكعبة ويهدمها، فأرسل الله عز وجل إليه طيرًا أبابيل، فذلك العام اشتهرت هذه الحادثة، فكان الناس يؤرخون عليها، فقالوا: ولد النبي صلى الله عليه وسلم في ذلك العام. وهكذا خرج النبي عليه الصلاة والسلام في هذه، في أثناء زمن الحديبية، الزمن الذي حصل فيه هذا الصلح. وقد ذكرنا أنه كان في السنة السادسة من الهجرة، وكانت أيضًا في ذي القعدة. وخرج النبي عليه الصلاة والسلام من المدينة بداية ذي القعدة، ويقال أنه خرج أيضًا يوم الاثنين. فخرج النبي عليه الصلاة والسلام زمن الحديبية، وكان النبي عليه الصلاة والسلام في خرجاته يجهز أمره، وينظم ما يكون من الأمور التي هي مهمة في دولته صلى الله عليه وآله وسلم، فيضع الأئمة ويضع الأمراء الذين يرجع إليهم الناس عند عدم وجود رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، وأيضًا يضع الإمام الذي يصلي بهم. فوضع في هذا الخروج عبد الله بن أم مكتوم رضي الله تعالى عنه، وضعه إمامًا للناس. وهكذا كان النبي عليه الصلاة والسلام إذا أراد أن يخرج إلى جهة ورّى بغيرها، كان غالبًا يوري بغيرها. لكن هذه المرة كان النبي صلى الله عليه وسلم لم يخرج لأجل غزوة، وإنما اشتاق صلوات الله وسلامه عليه لبيت الله الحرام، اشتاق صلى الله عليه وآله وسلم إلى بيت الله الحرام، ورأى أن قريشًا قد وهنتهم الحرب، ونهكتهم الحروب، وخاصة بعد الأحزاب، وخاصة أيضًا أن رؤساءها وقادتها أكثرهم قد قتلوا وشردوا أيضًا بعد الأحزاب، فلم تقم لهم قائمة بعد ذلك. ولهذا قال النبي صلى الله عليه وسلم بعد الأحزاب: «اليوم نغزوهم ولا يغزونا». فخرج النبي عليه الصلاة والسلام لأجل أن يعتمر بيت الله الحرام. قال: فخرج، وكان النبي عليه الصلاة والسلام غالبًا إذا كانت هناك غزوة أو غير ذلك يخرج من نفسه صلوات الله وسلامه عليه، ويخرج معه أصحابه، وكان كثير من الصحابة يحرص على خروجه مع النبي عليه الصلاة والسلام، وخاصة الصديق وعمر وغيرهم من الصحابة، وعثمان وعلي، وبعضهم يخرج لأجل أيضًا ملازمة النبي صلى الله عليه وسلم، وأخذ العلم منه، كما قال الله عز وجل: ﴿ وَمَا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنفِرُوا كَافَّةً فَلَوْلَا نَفَرَ مِن كُلِّ فِرْقَةٍ مِّنْهُمْ طَائِفَةٌ لِّيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ ﴾. أي: طائفة تخرج مع النبي عليه الصلاة والسلام، وطائفة تجلس، وهؤلاء الذين يخرجون يحرصون على العلم، ليس خروجهم فقط لأجل مثلًا الحرب، لا، أيضًا كذلك لأجل العلم، يحرصون على أن يلازموا رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأيضًا يتعلموا ما يقوله عليه الصلاة والسلام، ثم يخبرون به أقوامهم، يخبرون به أهاليهم، لينذروا قومهم إذا رجعوا إليهم لعلهم يحذرون. فلهذا خرج النبي عليه الصلاة والسلام، تجد أن أصحابه يتسابقون في الخروج، إلا بعض من مثلًا بعض المنافقين أو غيرهم، أو من كان له عمل أو شغل أو له شيء أراد أن يجلس، مثل ما جلس عثمان رضي الله عنه في بدر، فكانت تمرض بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم رقية. هكذا إذا كان عندهم عذر وإلا يخرجون مع النبي عليه الصلاة والسلام. قال عليه الصلاة والسلام في بعض الطريق: «إن خالد بن الوليد بالغميم في خيل لقريش طليعة، فخذوا ذات اليمين». إن خالد بن الوليد بالغميم، الغميم منطقة بين مكة والمدينة. وقريش لما سمعت أن النبي عليه الصلاة والسلام سيأتي إلى البيت، أخرجوا طليعة. ومن الذي أخبرهم؟ لا يدرى من الذي أخبرهم. وهنا يأتي في بعض السيرة أن الذي أخبرهم بعض الجن والشياطين، هاتف جاء إلى مكة وصاح: أن محمدًا صلى الله عليه وسلم سيخرج ويأتي إلى البيت. وقيل غير ذلك. فالمهم كأنهم تلقوا خبر خروج النبي عليه الصلاة والسلام، فأرسلوا طليعة. الطليعة هي جيش صغير، يعني يكون يطالع من الذي سيأتي، أو إذا كانوا يرقبون عدوًا أو كذا. فكان في هذه الطليعة خالد بن الوليد. فأخبر النبي صلى الله عليه وسلم بذلك، إما أنه أخبره من أرسله، أو أن الله عز وجل أخبره. فقال: «إن خالد بن الوليد بالغميم في خيل طليعة لقريش، فخذوا ذات اليمين». يعني: لا تذهبوا إلى الغميم، وإنما اذهبوا إلى ذات اليمين حتى تمروا من عند هذه الطليعة حتى لا يرونكم. قال: فوالله ما شعر بهم خالد حتى إذا هم بغبرة الجيش، رأى الغبار حق الخيول، ما رأى الجيش لكن رأى الغبار، فلما رأى الغبار أسرع إلى قريش ينذرهم أن النبي عليه الصلاة والسلام جاء. وهذا يدل على أن خالد بن الوليد إنما أسلم بعد الحديبية، لأن جاءت روايات أن النبي عليه الصلاة والسلام أرسل خالد بن الوليد لما أراد أن يدخل مكة، وحصل قصة لبعض الرواة، وإنما ذلك كان في فتح مكة، أرسل النبي صلى الله عليه وسلم خالدًا من كداء. وأما في الحديبية فلم يكن خالد قد أسلم. والصحيح أن خالدًا أسلم في زمن صلح، قيل أنه في السنة السابعة، وقيل أنه في آخر السنة السادسة، أسلم هو وعمرو بن العاص، وجاء إلى النبي عليه الصلاة والسلام تائبين. قال هنا: «فخذوا ذات اليمين». قال: فوالله ما شعر بهم خالد حتى إذا هم بغبرة الجيش، فانطلق يركض نذيرًا لقريش. وسار النبي عليه الصلاة والسلام حتى إذا كان بالثنية التي يهبط عليهم منها، بركت به الراحلة. انظروا إلى حكمة الله عز وجل، ربنا جل وعلا ما أراد النبي صلى الله عليه وسلم أن يدخل مكة في هذه المرة، فلهذا لما جاء إلى الثنية، الثنية هي الطريقة التي بين جبلين، والنبي عليه الصلاة والسلام في كل دخوله إلى مكة يدخل من هذه الثنية، الثنية العليا التي تأتي من كداء، لا تأتي من طريق أجياد، ولا يدخل للطريق التي من الثنية السفلى التي تأتي إلى المسفلة أو إلى كدى. فالنبي عليه الصلاة والسلام لما جاء إلى الثنية بركت الراحلة، بركت راحلته، فأرادوا أن تقوم فلم تقم، فقالوا: «خلعت القصوى». قالوا: أي الصحابة: خلعت القصوى، معنى: تعبت وفترت، فجلست، فامتنعت عن المشي. فقالوا: خلعت القصوى. قال النبي عليه الصلاة والسلام: «ما خلعت القصوى، وما ذلك لها بخلق، ليس هذا من خلقها، وليس هذا من دأبها، ولكن حبسها حابس الفيل». أي: الله عز وجل. وتتجلى في هذا حكمة الله سبحانه وتعالى في ما أراد سبحانه جل وعلا. فكما أوقف الفيل عن مكة، أوقف هنا هذه الناقة، وهي العضباء كما ذكر بعض أهل السير، أو أقصد القصوى كما جاء في الحديث. قالوا: إن الله عز وجل كما أنه منع الفيل وجعله يبرك لما أراد أن يدخل مكة، كذلك هنا منع القصوى أن تدخل. وليس ذاك كهذا، ذاك كان مخربًا، كان فاسدًا مفسدًا، لكن هذه القصوى كان النبي عليه الصلاة والسلام أراد تعظيمًا لبيت الله الحرام، وأراد العمرة، لكن الله عز وجل فعال لما يريد، فحبس سبحانه وتعالى هذه القصوى، وهذه الناقة لم يجعلها تتقدم نحو مكة، لأجل أن يكون ذلك الصلح الذي كان فيه خير عظيم، وكان فيه تمحيص لأهل الإسلام، وفيه خير لدعوة الله جل وعلا. فبعد ذلك الصلح، كما سيأتي، دخل الناس إلى دين الله أفواجًا. فهذا شيء مما يذكر في هذا المقام. إن شاء الله نكمل في درس لاحق، فنكتفي بهذا، والله تعالى أعلم. ترجمة نانسي قنقر