فقه الابتلاء 4

فقه الابتلاء 4

افتتاح الدرس وتلاوة آية الابتلاء

افتتح الشيخ أبو همام الدرس بقراءة آية الابتلاء التي تعد المؤمنين بالخوف والجوع ونقص الأموال والأنفس والثمرات، مبيناً أن الدرس سيتناول أحكام وفقه الابتلاء وكيفية التعامل معه شرعاً في دار الحديث بالشحر.

الابتلاء عقوبة وانتقاما من الظالمين والكافرين

استعرض الشيخ مقاصد الابتلاء كعقوبة وانتقام من الله للظالمين والكافرين مستدلاً بقصص فرعون وبني إسرائيل وعقوبة عبادة العجل، مؤكداً أن انتشار الفواحش والغش ومنع الزكاة ونقض العهود يجلب الدمار والأوبئة والقحط وسلطنة الأعداء على المخالفين.

البلاء تكفيرا للمؤمنين ورفعة للدرجات وفقه التعامل مع المصيبة

بين المقطع أن البلاء يكون للمؤمن رحمةً إما تكفيراً للذنوب أو رفعاً للدرجات أو عقوبة مطهرة، مستدعياً فقهًا دقيقًا ومحاسبة للنفس وحسن ظن بالله، محذراً من الاغترار بتأخير العقوبة التي قد تكون حرماناً من حلاوة الطاعة.

التفريغ النصي الكامل

﴿ وَلَنَبْلُوَنَّكُم بِشَيْءٍ مِّنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِّنَ الْأَمْوَالِ وَالْأَنفُسِ وَالثَّمَرَاتِ ﴾ فقه الابتلاء للشيخ الفاضل أبي همام عبد الله ما سعد، المدرس بدار الحديث بالشحر. فقه الابتلاء بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على رسول الله وآله وصحبه ومن والاه. أما بعد، فهذا مجلس إن شاء الله تعالى من المجالس التي نعقدها في فقه الابتلاء. وقد ذكرنا بعض الأشياء التي يفقه بها العبد ابتلاء الله عز وجل وبلاءه بشيء من الأمور، فيفقه العبد هذه الأشياء. وقد ذكرنا مقاصد وغايات من هذا الابتلاء. ومما إن شاء الله تعالى أيضاً نذكره في هذا المقام من المقاصد والغايات التي تكون من هذا البلاء: ما ينزل الله عز وجل من هذا البلاء عقوبة وانتقاماً، وهذا من مقاصده وغاياته. فإن من مقاصد البلاء وغاياته الانتقام من الظالمين، ينتقم الله عز وجل منهم ومعاقبتهم على ظلمهم وعدوانهم وطغيانهم وتقصيرهم. وهذا النوع من البلاء يشمل ظالم أهل القبلة وغيرهم من الكفرة الظالمين. ولهذا يقول ربنا جل وعلا: ﴿ وَإِذْ نَجَّيْنَاكُم مِّنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَسُومُونَكُمْ سُوَءَ الْعَذَابِ يُذَبِّحُونَ أَبْنَاءَكُمْ وَيَسْتَحْيُونَ نِسَاءَكُمْ وَفِي ذَٰلِكُم بَلَاءٌ مِّن رَّبِّكُمْ عَظِيمٌ ﴾. أي: هذا البلاء إنما كان بسبب أنفسكم، فجعل الله عز وجل فرعون يسومهم سوء العذاب. وقال الله عز وجل: ﴿ وَلَمَّا أَصَابَتْكُم مُّصِيبَةٌ قَدْ أَصَبْتُم مِّثْلَيْهَا قُلْتُمْ أَنَّىٰ هَٰذَا قُلْ هُوَ مِنْ عِندِ أَنفُسِكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ﴾. وقال جل وعلا: ﴿ وَإِذَا أَرَدْنَا أَن نُّهْلِكَ قَرْيَةً أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا فَفَسَقُوا فِيهَا فَحَقَّ عَلَيْهَا الْقَوْلُ فَدَمَّرْنَاهَا تَدْمِيرًا ﴾. وقال سبحانه وتعالى: ﴿ وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِم بَرَكَاتٍ مِّنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ وَلَٰكِن كَذَّبُوا فَأَخَذْنَاهُم بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ ﴾. وغيرها من هذه الآيات التي يبين الله عز وجل فيها عقوبة العباد. أيضاً ربنا جل وعلا يقول: ﴿ وَكَذَٰلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذَا أَخَذَ الْقُرَى وَهِيَ ظَالِمَةٌ إِنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَدِيدٌ ﴾. ومن ذلك أيضاً البلاء الذي نزل على بني إسرائيل لما عبدوا العجل، فأمرهم الله تعالى أن يقتلوا أنفسهم، كما في قوله جل وعلا: ﴿ وَإِذْ قَالَ مُوسَىٰ لِقَوْمِهِ يَا قَوْمِ إِنَّكُمْ ظَلَمْتُمْ أَنفُسَكُم بِاتِّخَاذِكُمُ الْعِجْلَ فَتُوبُوا إِلَىٰ بَارِئِكُمْ فَاقْتُلُوا أَنفُسَكُمْ ذَٰلِكُمْ خَيْرٌ لَّكُمْ عِندَ بَارِئِكُمْ فَتَابَ عَلَيْكُمْ إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ ﴾. ذكر الحافظ ابن كثير في تفسيره عن ابن عباس أن الله عز وجل أمر موسى أن يأمر قومه أن يقتلوا أنفسهم، وأخبر الذين عبدوا العجل فجلسوا، وقام الذين لم يعكفوا على العجل فأخذوا الخناجر بأيديهم، وأصابتهم ظلمة شديدة، فجعلوا يقتلون بعضهم بعضاً، فانجلت الظلمة عنهم وقد قتلوا عن سبعين ألف قتيل. كل من قتل منهم كانت له توبة، وكل من بقي كانت له توبة. وذكر أيضاً كذلك عن سعيد بن جبير ومجاهد في هذه الآية: قال قام بعضهم على بعض بالخناجر يقتلون بعضهم بعضاً، لا يحن رجل على قريب ولا بعيد، حتى ألوى موسى بثوبه، فطرحوها بأيديهم، فكشف عن سبعين ألف قتيل. ولهذا جاءت الأحاديث التي تبين مثل هذه الأمور. فمما جاء في هذا الباب، ومما يبين مثل هذا الباب، ما جاء عند أحمد، وأبي يعلى، والبزار، والطبراني في الأوسط، عن القاسم أبي عبد الرحمن، عن أبي أمامة الباهلي رضي الله عنه، أنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «إذا استحلت أمتي خمساً فعليهم الدمار: إذا ظهرت التلاعن، وشربوا الخمور، ولبسوا الحرير، واتخذوا القينات، وأكتفى الرجال بالرجال والنساء بالنساء». وهذا الحديث حديث صحيح، صححه الإمام البيهقي، وإن كان في إسناده ضعف لكن له شواهد، كما ذكر ذلك الإمام البيهقي، وذكر ذلك الشيخ الألباني كذلك في الصحيحة. فهذا الدمار ينزل بهم عقوبة وانتقاماً لارتكابهم الكبائر الآنفة الذكر في الحديث. وقد جاء كذلك عند ابن ماجة من حديث عطاء بن أبي رباح، عن عبد الله بن عمر، وجاء كذلك من طريق شهر بن حوشب عن ابن عمر، وجاء من طرق عن ابن عمر، وذكره كذلك الشيخ الألباني رحمه الله عليه في الصحيحة. فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «يا معشر المهاجرين، خمس إذا ابتليتم بهن وأعوذ بالله أن تدركوهن: لم تظهر الفاحشة في قوم قط حتى يعلنوا بها إلا فشى فيهم الطاعون والأوجاع التي لم تكن مضت في أسلافهم الذين مضوا، ولم ينقصوا المكيال والميزان إلا أخذوا بالسنين وشدة المؤنة وجور السلطان عليهم، ولم يمنعوا زكاة أموالهم إلا منعوا القطر من السماء، ولولا البهائم لم يمطروا، ولم ينقضوا عهد الله وعهد رسوله إلا سلط الله عليهم عدواً من غيرهم فأخذوا بعض ما في أيديهم، وما لم تحكم أئمتهم بكتاب الله ويتخيروا مما أنزل الله إلا جعل الله بأسهم بينهم». فهذا الحديث الذي ذكر النبي صلى الله عليه وسلم هذه العقوبات فهي تنزل على الكافرين وعلى المسلمين كذلك. فهذا البلاء هو عقاب يترتب على الوقوع في المخالفات المشار إليها في هذا الحديث. وقد جاء كذلك أيضاً من حديث عبد الله بن عمر، وكذلك من حديث معاذ، وأيضاً كذلك هو حسن في الشواهد، إلا أن الطريق فيها انقطاع. فقال: «من لم يغزو أو يجهز»، قال النبي صلى الله عليه وسلم: «من لم يغزو أو يجهز غازياً أو يخلف غازياً في أهله بخير أصابه الله بقارعة قبل يوم القيامة». أصابه الله بقارعة قبل يوم القيامة. فهذا الحديث حديث حسن في الشواهد، وهذه القارعة هي من البلاء، وهي تنزل عقوبة وانتقاماً بساحة من تنطبق عليه هذه الصفات. وذكر في الحديث هذا الذي ذكرناه. وكذلك أيضاً أخرج الإمام أحمد رحمه الله، وأيضاً الترمذي، عن عبد الله بن عمر، من طريق عطاء بن أبي رباح، عن عبد الله بن عمر، وجاء أيضاً من طريق غيره، بل جاء عند الحاكم بإسناد صحيح عن عبد الله بن عمر أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: «إذا تبايعتم بالعينة، وأخذتم أذناب البقر، ورضيتم بالزرع، وتركتم الجهاد، سلط الله عليكم ذلاً لا ينزعه حتى ترجعوا إلى دينكم». فهذا العينة بيع معروف منهي عنه، وأخذتم أذناب البقر كناية عن الاهتمام بالسقاية والزراعة. فهذا الذل بلاء وهو عقوبة وانتقام لكل من يؤثر الدنيا ومشاغلها على الجهاد الواجب الذي أوجبه الله عز وجل عليه، إذا كان هذا الجهاد جهاداً شرعياً، أما إن كان غير شرعي فليس هو المقصود في هذا الحديث. وكذلك أيضاً جاء عند أحمد وغيره، أيضاً من حديث عبد الله بن مسعود رضي الله عنه، وإسناده أيضاً في شيء من الضعف، لكنه حسن في الشواهد. فقال عليه الصلاة والسلام: «ما ظهر في قوم الربا والزنا إلا أحلوا بأنفسهم عقاب الله». وغيرها كثير من النصوص الشرعية الدالة على أن من البلاء ما ينزل عقوبة وانتقاماً من الظالمين الآثمين على ما يرتكبونه من مظالم وآثام. وقد جاء في الصحيحين عن نبي الله موسى، أو عن أبي موسى الأشعري رضي الله عنه، قال عليه الصلاة والسلام: «إن الله ليمهل للظالم حتى إذا أخذه لم يفلته»، وقرأ قول الله عز وجل: ﴿ وَكَذَٰلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذَا أَخَذَ الْقُرَى وَهِيَ ظَالِمَةٌ إِنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَدِيدٌ ﴾. فهذه الآيات وهذه الأحاديث نستفيد منها فوائد جمة في هذا الأمر. فنلخص ما ذكر في هذه الآيات وفي هذه الأحاديث من فوائد عظيمة في هذا المقصد العظيم، الذي هو أن هذا البلاء ينزل عقوبة على الكافرين الظالمين، وكذلك على المخالفين من أهل الإسلام. فمن ذلك، من هذه الفوائد التي نأخذها من هذه الآيات والأحاديث: أن البلاء الذي ينزل بالمؤمن الظالم، منه ما يكون عقوبة وانتقاماً، ومنه ما يكون عقوبة وكفارة لذنوبه وخطاياه ورفع درجاته ومقامه يوم القيامة معاً، كما جاء ذلك في الأحاديث التي قد تقدمت وأخذناها. وجاء في رواية مسلم في حديث أبي هريرة: «إلا رفعه الله بها درجة وحط عنه بها خطيئة». وقال كذلك نبينا عليه الصلاة والسلام فيما أخرجه الإمام أحمد رحمه الله، وأيضاً كذلك الإمام الترمذي رحمه الله، أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم جاء من حديث أنس، من حديث سعد بن سنان عن أنس، أنه قال: قال عليه الصلاة والسلام: «إذا أراد الله بعبده الخير عجل له العقوبة في الدنيا، وإذا أراد بعبده الشر أمسك عنه بذنبه حتى يوافي به يوم القيامة». وجاء أيضاً كذلك مثله، أخرجه الإمام أحمد من حديث عبد الله بن مغفل رضي الله عنه، قال: إن رجلاً من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم جاءته امرأة، وقد كانت بغياً في الجاهلية، فجاءته فكلمها، وهذا قبل الحجاب، فكلمها وكلمته، فغمزها، فقالت: اتق الله. وقد كان هذا في الجاهلية، أنا غمزها بشيء، إما ضربها أو كذا بشيء يستحى منه، فقالت له: اتق الله، قد ذهب زمن الجاهلية. تعني تقول له: إننا الآن على الإسلام، قد ذهب ذلك الزمن الذي قد يفعل فيه مثل هذه الأشياء. قال: فندم هذا الرجل، ومشى من عندها، حتى أنه كان يتلفت، فصدم بحائط، صدمه حائط حتى وقع في رأسه. ثم ذهب إلى النبي صلى الله عليه وآله وسلم وأخبره بهذا الخبر، فقال له عليه الصلاة والسلام: «أنت عبد أراد الله بك خيراً، أنت عبد أراد الله بك خيراً». ثم قال عليه الصلاة والسلام: «إذا أراد الله بعبده الخير عجل له العقوبة في الدنيا، وإذا أراد بعبده الشر أمسك عنه بذنبه حتى يوافي به يوم القيامة». فدل أن البلاء ينزل عقوبة على العبد على ما فرط بحق ربه وحق نفسه والعباد عليه، وكلما عجل الله عز وجل له العقوبة إنما هي رحمة به. بينما البلاء والهلاك والدمار الذي ينزل بالكافرين والمشركين فهو ينزل على وجه العذاب والانتقام وحسب. ومن هذه أيضاً الفوائد التي تؤخذ: إذا كان البلاء الذي ينزل بساحة المسلم، فمنه يكون انتقاماً وعقوبة، ومنه يكون لرفع مقامات ودرجات يوم القيامة، ومنه يكون عقوبة وطهوراً وكفارة لذنوبه وخطاياه ورفع مقامه يوم القيامة معاً، كما تقدم. فإن ذلك يستدعي فقهًا دقيقاً من المبتلى يجعله يفهم ويفقه حقيقة البلاء الذي نزل بساحته، والغاية أو المقصد الذي نزل لأجله. وكما أن من الفقه والسلام حسن الظن بالخالق جل وعلا، أن يتهم المبتلى نفسه ابتداءً، ويراجع مواقفه وأفعاله وأقواله. وكما قال ربنا جل وعلا: ﴿ وَمَا أَصَابَكُم مِّن مُّصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَن كَثِيرٍ ﴾. وقال جل وعلا: ﴿ وَمَا أَصَابَ مِن مُّصِيبَةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي أَنفُسِكُمْ إِلَّا فِي كِتَابٍ مِّن قَبْلِ أَن نَّبْرَأَهَا إِنَّ ذَٰلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ ﴾. فلهذا، عباد الله، فإن هذا المقال قد كان جماعة من السلف قد عرفوا ذلك الأمر، وفقهوا هذا البلاء، وأنه يصيبهم من العقوبة ما يكون من البلاء الذي قد لا يظن به أنه يحتاج إلى عقوبة، لكن ربنا سبحانه وتعالى رحمة بهم فإنه يعاقبهم بمثل هذه الأشياء. ولهذا جاء عن ابن عون، عن محمد بن سيرين، قال: لما ركبني الدين اغتم لذلك، فقال: «إني لا أعرف هذا الغم بذنب أصبته منذ أربعين سنة، منذ أربعين سنة». انظر إلى هذا الفقه العظيم، فلم يزك نفسه على الله، ولم يبرئ نفسه من موجبات العقاب، بل أخذ يفتش في ساحات ماضيه ماذا قد فعل واقترف حتى نزل به هذا البلاء. وذكر الفضيل بن عياض رحمه الله عن رجل من السلف أنه قال: «إني لأعرف ذنبي في خلق امرأتي ودابتي». يعرف أنه أذنب الذنب إذا تغير خلق امرأته أو دابته. وكذلك أيضاً ذكر أبو نعيم في الحلية وغيره عن جماعة من السلف في هذا المقام. كان سفيان الثوري يقول: «إذا أذنبت ذنباً أبول دماً، أبول دماً». يعرفون أنهم أذنبوا بهذه العقوبات. ولهذا أيضاً جاء عن عائشة رضي الله عنها أنها كتبت إلى معاوية، كما أخرج ذلك الإمام علي بن أبي الجعد في الجعديات، أخرجه عن عامر الشعبي، قال: كتبت عائشة رضي الله عنها إلى معاوية: «أما بعد، فإن العبد إذا عمل بمعصية الله عاد حامده من الناس ذاماً». وقال بعض السلف: «إني لأرى ذلك في خلق دابتي وامرأتي»، كما قد ذكرنا. يرون البلاء فيعرفون سببه قبل نزول البلاء بهم. وهذا من فقههم رحمهم الله للابتلاء. وقد ذكر الإمام ابن القيم رحمه الله في كتابه العظيم «الجواب الكافي لمن سأل عن الدواء الشافي» ذكر هنا نكتة دقيقة يغلط فيها الناس في أمر الذنب، وهي أنهم لا يرون تأثيره في الحال، وقد يتأخر تأثيره، فينسى. أن بعض الناس مثلاً يفعل الذنب فيقول: ربي ما عقبني. فهذا نبه عليه الإمام ابن القيم رحمه الله، فقال: «ويظن العبد أنه لا يضر في شيء بعد ذلك، وأن الأمر إلا كما قال القائل: إذا لم يغبر حائط في وقوعه فليس له بعد الوقوع غبار». سبحان الله، قال رحمه الله: «كم أهلكت هذه النكتة من الخلق، وكم زالت من نعمة، وكم جلبت من نقمة، ما أكثر المغترين بها من العلماء والفضلاء، فضلاً عن الجهال». ولم يعلم المغتر أن الذنب ينقص ولو بعد حين. وذكر رحمه الله رداً على بعض الناس ممن اغتر بمثل هذه الأشياء، يرى أن الله عز وجل لم يعاقبه. ويظن كثير من الناس أن عقوبة الله جل وعلا لا بد أن تكون شيئاً في الجسد. بل أن عقوبة الله عز وجل قد تكون في حرمان الطاعة، في عدم التأثر بالطاعة، عدم التأثر بالقرآن، عدم الراحة التي يجدها العبد في صلاته وفي صومه وفي عبادته. فهذا أيضاً يعتبر من العقوبة، والعياذ بالله. فخلاصة ما نذكره في هذه الفائدة العظيمة: أن البلاء قد يكون عقوبة للكافرين والظالمين، وكذلك أيضاً يكون للمخالفين من أهل الإسلام، لكن قد يكون عقوبة لهم وكفارة لهم ورفع من منزلتهم. فهذا الذي يذكر في هذا المقام، ونكتفي بذلك، والله تعالى أعلم. ﴿ وَلَنَبْلُوَنَّكُم بِشَيْءٍ مِّنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِّنَ الْأَمْوَالِ وَالْأَنفُسِ وَالثَّمَرَاتِ ﴾ فقه الابتلاء فقه الابتلاء فقه الابتلاء للشيخ الفاضل أبي همام عبد الله ما سعد، المدرس بدار الحديث بالشحر. فقه الابتلاء