الدرس في الأرجوزة الميئية في ذكر حال أشرف البرية 24، ألقاها الشيخ أبو هاشم جمال بن سرور
يتحدث عن قصة بحيرا الراهب مع النبي صلى الله عليه وسلم وآراء العلماء في صحتها. يخلص إلى أن القصة في أصلها صحيحة.
يتناول اختلاف العلماء في اسم بحيرا وديانته وإدراكه البعثة النبوية، حيث اختلفوا في كونه يهودياً أو نصرانياً وفي إدراكه البعثة.
يناقش مسألة اعتبار بحيرا من الصحابة وآراء العلماء في ذلك، ويستعرض ردود الفعل حول القصة من قبل المعارضين وردود العلماء عليها.
يرد على محاولات تشويه قصة نبي الله ويؤكد سلامتها، ويختتم بالحمد والصلاة على النبي وآله وصحبه.
إن الحمد لله نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا. أما بعد، فلازلنا إخواني في الله في هذه المنظومة الميئية في ذكر بيان حال أشرف البرية عليه الصلاة والسلام، ولازلنا مع قول المؤلف والناظم رحمه الله تعالى حين قال: وكان من أمر بحير مشتهر وأطن النفس في المسائل المتعلقة بأمر الراهب، وذلك أولاً بذكر القصة من أصلها ومن مصادرها، ومن ثم العروج على مسألة التصحيح والتضعيف، وكذلك النظر إلى الانتقادات التي وجهت لهذه القصة، سواء من كان من حيث السند ومن حيث المتن. والذي نخلص إليه إلى أن هذه القصة ثابتة مروية بإسناد صحيح، إلا ما كان من العبارة الأخيرة، وهي التي جاء فيها ذكر بلال وأبي بكر الصديق، فهذا مما يستنكر، هذه الخلاصة وذكرنا أقوال المحققين والمدققين والباحثين والمحدثين من أهل العلم في هذا الحكم الذي سمعتموه، لذا إخواني في الله علمنا بهذا إلى أن القصة في أصلها صحيحة، وأن النبي صلى الله عليه وسلم في هذه السن، في السن الثاني عشر من عمره، التقى بهذا الراهب، وصار ما صار من تضليل الغمامة، ومن سجود الحجر والشجر، ومن بشارة الراهب لنبينا بالنبوة والرسالة. ومن ثم تأتي مسائل إخواني في الله، وهي فوائد متعلقة بهذه القصة، وأكتفي بهذا المقام بفائدتين. الفائدة الأولى متعلقة بشخصية الراهب، من هذا الراهب الذي ظهر في هذه القصة؟ أولاً، ما يتعلق باسمه، اشتهر عند أهل السير أن هذا الراهب اسمه بحيرا، لفتح الباء، بحيرا، وهذا هو الأكثر، وحتى الناظم في هذه المنظومة تقيد بهذا، بحيرا. ومنهم من يذكره بضم الباء، فيقال: بحيرا، بحيرا، وهذا كذلك له شهرة عند العلماء. الأمر الثاني مما يذكر فيما يتعلق باسمه أن هذا الاسم لم يرد له رواية صحيحة، فالمصدر الأساسي لهذه القصة وهي في سنن الترمذي لم يعرج فيه على ذكر الاسم، وإنما راهب. لكن قال العلماء: إنما جاء اسمه وضبطه بحيرا وبحيرا إنما جاء عند ابن إسحاق، لكن هذه القصة عند ابن إسحاق فيها ضعف، حيث إن فيها انقطاعًا. ولهذا قال الألباني رحمه الله تعالى في هذه الرواية: "وهي ضعيفة منقطعة". ومعنى بحيرا أو بحيرا، قال علماء: هي في اللغة السريانية بمعنى العالم المتبحر. ومن هنا ذهب جماع من أهل العلم إلى أن هذا الاسم بحيرا هو ليس اسمه، وإنما لقبه، وأن اسمه إما يقال: سرجوس أو جرجوس، فهي من الأسماء الأعجمية، والأسماء الأعجمية يتساهل في نطقها. فهذا يقول به بعضهم: أن بحيرا لقب وليس اسمًا، ولكن أكثر العلماء على أن هذا اسمه. قلنا إن هذا الرجل الراهب هو من العباد من أهل الكتاب، فيأتي سؤال: من أي الكتابين هو؟ أهو يهودي أم نصراني؟ هذا نعم قد وقع فيه خلاف بين العلماء المؤرخين. فذهب جماع من أهل العلم إلى أنه حبر من أحبار اليهود، وبالذات من يهود تيماء، وهذا قد جاء عند الزهري رحمه الله تعالى في مغازيه. ومنهم من ذهب إلى أنه نصراني وليس بيهودي، وهذا الذي ذهب إليه الإمام ابن كثير رحمه الله تعالى، حيث قال: "والظاهر من سياق القصة أنه كان نصرانيًا". وبذلك جزم ابن إسحاق. فهو إما يهودي وإما نصراني، إلا أن أكثر المحققين ذهبوا أو مالوا إلى أنه نصراني. ومع القول بنصرانيته، إلا أن العلماء ذهبوا إلى أن هذا الراهب النصراني كان مستمسكًا بالدين النصراني الصحيح، أي لم تكن عنده لوثة من اللوثات التي طغت على عقيدة النصارى الصحيحة. مسألة أخرى مهمة متعلقة بهذا الراهب: هل أدرك البعثة؟ هل أطال الله بعمره حتى أدرك بعثة الرسول عليه الصلاة والسلام؟ هذه القصة التي نحكيها قصة الراهب مع نبينا كان نبينا في السن الثاني عشر من عمره، لا زال في صباه. فيأتي سؤال: هل أطال العمر بهذا الراهب حتى يدرك البعثة؟ وقع الخلاف بين العلماء في ذلك. فمن أهل العلم من ذهب إلى هذا، كما صرح بذلك الإمام ابن الأثير رحمه الله تعالى، فقال: بأنه رأى النبي صلى الله عليه وسلم قبل مبعثه وآمن به. لكن ما هناك دليل يدل على ذلك. ولهذا ذهب الإمام الذهبي رحمه الله تعالى في الميزان: "إنه لم يدرك البعثة". وأقره على ذلك الحافظ ابن حجر رحمه الله تعالى. تأتي مسألة أخرى بغض النظر أدرك البعثة أو لم يدرك البعثة: ما وقع لهذا الراهب من لقي الرسول عليه الصلاة والسلام وتبشيره بالنبوة والرسالة، هل هذا كفيل بجعل هذا الراهب من عداد الصحابة أم لا؟ هذه مسألة نعم وقع فيها خلاف. فمن أهل العلم من يرى أن هذا الراهب هو من عداد الصحابة، وممن صرح بذلك ابن مندة، فقد جعل اسم هذا الراهب من عداد الصحابة، وتبعه في ذلك أبو نعيم. إلا أن الحافظ ابن حجر رحمه الله استدرك كذلك وأبى هذا القول، ويرى أن هذا الراهب لم تنطبق عليه شروط الصحبة، والتي منها أن يكون الصحابي من لقي الرسول مؤمنًا به، قال: وهذا يكون بعد مبعثه عليه الصلاة والسلام، أما قبل بعثته كحال هذا الراهب، فهو لم يكن آمن برسوله ببعثته التي حباه الله بها بعد. الفائدة الثانية المتعلقة بهذه القصة وهي مسألة التعلق بعض النصارى بهذه القصة. طبعًا أعداء الدين من المستشرقين ولحتى من النصارى فرح بهذه القصة، ليس كفرحة كفرحتنا نحن، بل هم فرحتهم أنهم يرون أنهم قد وجدوا بغيتهم فيما يكون مطعنًا في نبوة ورسالة نبينا عليه الصلاة والسلام. والجواب إخواني في الله: ولا أطيل الكلام في هذه المسألة، طبعًا هذا ليس بصحيح. ومن قال إن القصة ترد لأجل هذه المطاعن المزعومة يقول: "ما هكذا يا سعد تورد الإبل". ليس كل حديث إذا وجدنا مطعنًا فيه رددناه. وإلا لا استطاع كل نصران أو كل حاقد على الإسلام أن يجد في أي حديث مطعنًا حتى نضطر إلى إلغائه، فأتلف بالسنة بأيدينا. الجواب إخواني في الله: بل هناك ردود علمية، وقد انبرى العلماء قديمًا وحديثًا لمثل هذه المسائل، وذكروا أن هذه القصة ليس فيها لا من قريب ولا من بعيد ما يكون عونًا للنصارى وللكفار ولأعداء الدين علينا. وذلك من عدة أمور، الوجه الأول قالوا: إن القصة في جميع رواياتها ومروياتها ليس فيها مسألة تعليم ولا تلقين ولا تحفيظ، ولا أنه أخذه جانبًا حتى يلقن الراهب لرسول الله بعض الأشياء إلى مسمعه أبدًا. القصة من أولها إلى آخرها إنما هذا النصراني أخذ بيد رسول الله ورفع أمام القوم وقال: "هذا رسول رب العالمين"، بشارة، ثم ناشد القوم بإرجاعه. هل عندي تعليم؟ هل عندي إملاءات؟ هل عندي أخذه على جنب وأخذ يلقنه بعض الحجج؟ لا هذا ولا ذاك. فالأمر ليس في ذاك، وإنما هذه المدعاء وهذا السرق الخيال الذي حاول أعداء الدين أن يصل من خلاله إلى تقبيح هذه القصة، وليس فيها شيء يستقبح أصلاً. والحمد لله رب العالمين، وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.