الدرس في التعليقات على كتاب الأدب المفرد 361، ألقاها
شرح معنى "أما بعد" واستعمالها في الكتابة والرسائل كما ورد في كتاب الأدب المفرد للإمام البخاري. يُستدل على ذلك بأثرين عن ابن عمر وهشام بن عروة.
شرح كيفية بدء الرسائل بالبسملة اقتداءً بالنبي صلى الله عليه وسلم وكتاب الله، وتوضيح أن البسملة تكون بذكر "بسم الله الرحمن الرحيم".
تفسير معاني البسملة وأحكامها، وتوضيح معنى "بسم الله" واستخدامها، ومعاني أسماء الله الحسنى "الله" و"الرحمن" و"الرحيم".
تم اختتام الدرس بالاكتفاء بما تم شرحه، والصلاة على النبي محمد وآله وصحبه، معلنا انتهاء الدرس.
الحمد لله رب العالمين، الصلاة والسلام على أشرف الخلق والمرسلين، نبينا محمد على آله وصحبه أجمعين. أما بعد، قال إمام البخاري رحمه الله في كتابه الأدب المفرد: باب أما بعد. قال حدثنا قبيصة، قال حدثنا سفيان، عن زيد بن أسلم، قال: أرسلني أبي إلى ابن عمر، فرأيته يكتب: بسم الله الرحمن الرحيم، أما بعد. قال حدثنا روح بن عبد المؤمن، قال حدثنا أبو أسامة، عن هشام بن عروة، قال: رأيت رسائل من رسائل النبي صلى الله عليه وسلم، كل من قضت قصة، قال: أما بعد. هذا الباب ترجمه الإمام البخاري رحمه الله بقوله: باب أما بعد، يعني استعمال هذه الكلمة، وهذا التعبير في الكتابات، وكذلك أيضا في الكلام. وذكر فيه أثر ابن عمر، وأثر هشام بن عروة. ففي أثر ابن عمر: أن زيد بن أسلم قال: أرسلني أبي إلى ابن عمر، فرأيته يكتب: بسم الله الرحمن الرحيم، أما بعد. يعني أن ابن عمر كان يستعمل هذا التعبير في كتابته، فيبدأ ببسم الله الرحمن الرحيم، وكذلك يكتب أما بعد. وهذه الكلمة «أما بعد» يؤتى بها بعد الحمد والثناء على الله سبحانه وتعالى، فيكتب بعد ذلك «أما بعد»، أي ينتقل بعد ذلك إلى ذكر الموضوع الذي يريد أن يذكره. ومعنى «أما بعد»: أي مهما يكن من شيء بعد، فيذكر الموضوع الذي يريد أن يطرحه، فيقول: «أما بعد»، فإني مثلا أطلب منك كذا وكذا، أو أريد كذا وكذا، أو الأمر كذا وكذا. فهذا معناها: مهما يكن من شيء بعد. وفي أثر هشام بن عروة: أنه قال: رأيت رسائل من رسائل النبي عليه الصلاة والسلام، كل من قضت قصة، قال: «أما بعد». والمراد بالقصة: الجملة من الكلام. والشاهد من هذا الأثر: أن استخدام «أما بعد» مما استخدمه النبي عليه الصلاة والسلام، فكان النبي صلى الله عليه وسلم يستعمل هذه الكلمة في رسائله، بعد أن يذكر جملة من الكلام، فيقول: «أما بعد». فيدل هذا على مشروعية استعمال هذا التعبير في الرسائل والكتابات. قال: باب صدر الرسائل بسم الله الرحمن الرحيم. قال حدثنا إسماعيل بن أبي أويس، قال حدثنا ابن أبي الزناد، عن أبيه، عن خارجة بن زيد، عن كبراء آل زيد بن ثابت: أن زيد بن ثابت كتب بهذه الرسالة: بسم الله الرحمن الرحيم، لعبد الله معاوية أمير المؤمنين، من زيد بن ثابت. سلام عليك أمير المؤمنين ورحمة الله، فإني أحمد إليك الله الذي لا إله إلا هو، أما بعد. هذا الباب: باب صدر الرسائل بسم الله الرحمن الرحيم، يعني ما تصدر به الرسائل وتبدأ به، هو ذكر البسملة، أن تكتب: بسم الله الرحمن الرحيم. وهذا اقتداء بفعل النبي عليه الصلاة والسلام أولا، واقتداء بكتاب الله، فإنه يبدأ بذكر البسملة. واقتداء بفعل النبي عليه الصلاة والسلام، فإنه كان يصدر رسائله بذكر البسملة، كما مر معنا في رسالته عليه الصلاة والسلام إلى «إله رقل»: بسم الله الرحمن الرحيم، من محمد رسول الله إلى «إله رقل» عظيم الروم. فيكون الابتداء بالرسائل بذكر البسملة: أول ما تبدأ في الرسالة تكتب: بسم الله الرحمن الرحيم. وبسم الله: الجار المجرور هنا متعلق بمحذوف يقدر على حسب مقصود الكاتب والمتكلم. فإن كان مراده الكتابة، فبسم الله أكتب. وإن كان مراده القراءة، فبسم الله أقرأ. وإن كان مراده الدخول، فبسم الله أدخل، إلى آخر ذلك من المقاصد التي يقصدها قائل البسملة. وألباهنا للاستعانة بسم الله، أي أبدأ مستعينا بالله. ولفظ الجلالة «الله» مشتق من الألوهية، من ألِهَه يألَهه بمعنى المعبود. والإله بمعنى المعبود، وهو من أسماء الله جل وعلا الخاصة به، فلا يجوز إطلاقها على غير الله سبحانه وتعالى. وهكذا «الرحمن الرحيم»: هذان الاسمان دلان على صفة الرحمة. فاسمه «الرحمن» دال على صفة الرحمة القائمة بالله جل وعلا، والرحيم دال على صفة الرحمة المتعدية إلى الخلق. وذكر هذا الأثر: أثر زيد بن ثابت رضي الله تعالى عنه، أنه كتب في هذه الرسالة: بسم الله الرحمن الرحيم، لعبد الله معاوية أمير المؤمنين، من زيد بن ثابت. وهنا بدأ زيد بذكر المرسل إليه، وهو معاوية بن أبي سفيان رضي الله تعالى عنهما، ثم ذكر نفسه: من لعبد الله أمير المؤمنين، من زيد بن ثابت. والأصل أن الكاتب يبدأ بنفسه ثم يذكر المرسل إليه، لكن يجوز أن يبدأ بذكر المرسل إليه ثم بذكر نفسه إذا كان في ذلك مصلحة، كأن يكون المكتوب له ممن له فضل وله منزلة، كالوالي أو العالم أو مثلا الأب أو نحو ذلك، فيجوز أن يقدمه. قال: سلام عليك أمير المؤمنين ورحمة الله، فإني أحمد إليك الله الذي لا إله إلا هو، أما بعد. وهذا كما مر معنا: أن السلف كانوا يستخدمون هذا التعبير في كتبهم ورسائلهم. قال: وحدثنا محمد الأنصاري، قال حدثنا أبو مسعود الجريري، قال: سأل رجل الحسن عن قراءة بسم الله الرحمن الرحيم، قال: تلك صدور الرسائل. والأثر صحيح. قوله: تلك صدور الرسائل، يعني تصدر به الرسائل وتبتدأ به الرسائل. نكتفي بهذا القدر إلى هنا، صلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.