الدرس في التعليقات على كتاب الأدب المفرد 165، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد
يؤكد على أهمية طاعة ولي الأمر وعدم الخروج عليه، ويحذر من أفعال تؤدي إلى الهلاك مثل الهروب من السيد والتبرج بعد غياب الزوج. هذه الأمور تعتبر من كبائر الذنوب وتؤدي إلى الهلاك بسبب مخالفتها لأوامر الله ورسوله.
يُحذر من الشك والقنوط من رحمة الله ويُشير إلى أن الشك الذي يؤاخذ به العبد هو الذي يسترسل معه حتى يقع في الكفر. القنوط من رحمة الله كبيرة من كبائر الذنوب ويُوصي بالتوبة والاستغفار عند الوقوع في الذنب.
يدعو إلى عدم اليأس من رحمة الله مهما كانت الذنوب، ورحمة الله واسعة وتغفر جميع الذنوب لمن تاب وأقبل عليه. الله عز وجل غفور رحيم ويقبل التوبة من عباده.
بسم الله الرحمن الرحيم، والحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الخلق والمرسلين، نبينا محمدٍ، على آله وصحبه أجمعين. أما بعد، وقفنا في كتاب الأدب المفرد عند حديث فضالة بن عبيد، في قول النبي عليه الصلاة والسلام: «ثلاثة لا يسأل عنهم رجل: فارق الجماعة، وعصى إمامه، فمات عاصيا، فلا تسأل عنه». وقلنا: هذا فيه الأمر بلزوم الجماعة، والنهي عن التفرق والاختلاف، ومن ذلك طاعة ولي الأمر في طاعة الله سبحانه وتعالى، كما أمر الله عز وجل بذلك: ﴿يا أيها الذين آمنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم﴾. وقال النبي عليه الصلاة والسلام، كما في الصحيحين، من حديث ابن عمر: «على المرء المسلم السمع والطاعة فيما أحب وكره، إلا أن يؤمر بمعصية، فإن أمر بمعصية، فلا سمع ولا طاعة». فأمر النبي عليه الصلاة والسلام بالسمع والطاعة لولاة الأمور إذا أمروا بطاعة الله، وإن أمروا بمعصية الله، فلا سمع لهم ولا طاعة، إنما الطاعة بالمعروف. ويجب على المرء أن يسمع ويطيع، وإن قصر الإيمان في حقه، إذا قصر الإيمان في حقه بأن لم يعطيه مثلاً ما هو له كاملاً، أو استأثر بشيء من الدنيا، أو كذلك لو وقع في شيء من الظلم أو الجور، فعليه السمع والطاعة، كما أمر النبي عليه الصلاة والسلام. قال عليه الصلاة والسلام، كما في الصحيحين، من حديث المسعود: «ستكون بعدي أثرة، فاصبروا حتى تلقوني على الحوض». وقال: «ستلقون بعدي أثرة»، قالوا: فما تأمرنا يا رسول الله؟ قال: «أدوا الحق الذي عليكم، واسألوا الله الذي لكم». وقال عليه الصلاة والسلام: «فإنما عليهم ما حملوا، وعليكم ما حملتم». فأمر عليه الصلاة والسلام بالسمع والطاعة، هذا الواجب على المسلم أن يسمع ويطيع، وإن قصر، فتقصيره على نفسه، فهو الذي يتحمل إثم تقصيره، وأنت إن عصيته أو حرصت على الخروج عليه، فإنك تتحمل إثم ذلك. الواجب عليك أن تؤدي الذي له من السمع والطاعة بالمعروف. قال عليه الصلاة والسلام: «من مات وليس في عنقه بيعة، مات ميتة جاهلية»، يعني مات كما يموت أهل الجاهلية. أهل الجاهلية كانوا لا يرون لأحد طاعة عليهم، لا ينزلون تحت طاعة إمام، لأنهم يرون ذلك من الذل. وهذا مما خالف فيه النبي عليه الصلاة والسلام أهل الجاهلية، فأمر بطاعة ولي الأمر، وأخبر أن من مات وليس في عنقه بيعة، يعني نزع السمع والطاعة لولي الأمر، فمات، فإنه يموت ميتة جاهلية، يعني كما يموت أهل الجاهلية. فالواجب على المسلم أن يعتقد أن لإمامه بيعة، وأنه يجب عليه أن يسمع ويطيع، وإلا فإنه يموت عاصيا، كما قال عليه الصلاة والسلام في هذا الحديث: «وعصى إمامه، فمات عاصيا، فلا تسأل عنه»، يعني أنه على خطر عظيم. ومن ذلك ما يفعله بعض الجهال اليوم، الذين يحرضون على الخروج على ولي الأمر، وإقامة المظاهرات، ونحو ذلك من مثل هذه الأفعال التي هي أفعال تخريبية، وفسادها أعظم من مصلحتها. ومع ذلك ما يكون فيها من معاني الخروج على ولي الأمر، وإثارة الفوضى، وهكذا أيضا حصول الشر من اعتداء على أنفس بريئة، أو أخذ أموال بغير حق، أو ترهيب وتخويف، أو زعزعة للأمن، أو غير ذلك من مفاسد كثيرة، فإن مثل هذا الفعل لا يجوز. والظلم لا يزال بالظلم، والشر لا يزال بالشر، بل ينبغي سلوك الطريق الصحيح في إصلاح الأمور بالطرق الشرعية، من مناصحة ولي الأمر، ومناصحة المسؤولين، وطلب كذلك إزالة الظلم والجور بغير هذه الطرق التي لا مصلحة فيها. قال: «وأمة أو عبد أبق من سيده»، يعني كذلك ممن لا تسأل عنهم العبد أو الأمة الذي أبق من سيده، يعني عصى وهرب من سيده، ولم يسمع له. فأخبر النبي عليه الصلاة والسلام أنه كذلك ممن يهلك، ولا تسأل عما يقع له، لأن السيد للعبد ملك سيده، فيجب عليه أن يقوم بالأمر الذي وكل به للسيد، فهو راع في ماله، كما قال النبي عليه الصلاة والسلام: «والعبد راع في مال سيده». وهو مملوك له، فلا يجوز له أن يعصيه إذا أمره بطاعة الله، ولم يأمره بمعصية. وقد أخبر النبي عليه الصلاة والسلام أن العبد إذا أبق لم تقبل له صلاة أربعين ليلة، وهذا عقوبة له. ومثله كذلك الأمة. قال: «وامرأة غاب زوجها، وكفاها مؤونة الدنيا، فتبرجت وتمرجت بعده»، يعني كذلك هذه المرأة ممن لا تسأل عنها، وذلك بما يقع لها من الشر. امرأة غاب زوجها، وكفاها مؤونة الدنيا، غاب لسفر في تجارة أو في جهاد أو طاعة أو غير ذلك من أسباب الغياب، وكفاها مؤونة الدنيا، يعني أنه ترك لها ما تحتاج إليه من متاع الدنيا من مال ومأكل ومشرب إلى آخر ذلك. قال: «فتبرجت وتمرجت بعده»، يعني أنها قابلت هذا الفعل الذي فعله لها، الذي فعله لها من إكفائها بمؤونة الدنيا، فكان الواجب عليها أن تحفظه في حال غيبته، تحفظ عرضه، وتحفظ ماله وبيته. فإنها قابلت ذلك بالتبرج، فتبرجت وتمرجت، وذلك يشمل جميع معاني التبرج، سواء كان بخروجها من بيتها متعطرة أو غير متسترة بالستر والحجاب الشرعي، أو بكلامها للرجال، أو بإدخال الرجال، أو غير ذلك من معاني التبرج. فذلك سبب في هلاكها، لأنه لم يوجد عندها الأسباب التي ربما قد توقع المرأة في مثل ذلك. قال: «وثلاثة لا يسأل عنهم رجل: نازع الله رداءه، فإن رداءه الكبرياء، وإزاره العزة، ورجل شك في أمر الله، والقنوط من رحمة الله». هؤلاء ثلاثة أيضا لا يسأل عنهم. رجل نازع الله رداءه، فإن رداءه الكبرياء، وإزاره العزة، يعني أنه تخلق بخلق الكبر، فتكبر على خلق الله سبحانه وتعالى. والكبر من صفات الكمال لله سبحانه وتعالى، وأما بالنسبة للمخلوق، فهي صفة نقص، المخلوق ينبغي عليه أن يتواضع، وأن لا يتصف بصفات الكبر. فإذا تصف بها، فقد وقع فيه كبير من كبائر الذنوب، ونازع الله سبحانه وتعالى صفة من صفاته. وهكذا رجل شك في أمر الله، شك في أمر الله سبحانه وتعالى، يعني في قدرة الله، وفي شرع الله، فكان في شك وتردد، وهذا من أسباب الهلاك التي يهلك بها المرء. وقد ذكر علماء أن من طرق الردة وأسباب الردة الشك، أن يشك في أمر من أمور الشرع، يكون مترددا: هل الرسول رسول أم لا؟ هل الجنة موجودة أو غير موجودة؟ هل النار موجودة أم لا؟ هل هناك بعث ونشور؟ هل هناك جزاء وحساب؟ هل هناك صراط وميزان؟ وهكذا يشك في شيء مما أخبر الله سبحانه وتعالى به أو رسوله، فإن ذلك مما يوقع في الكفر إذا كان هذا الشك مع استرسال حتى يقع فيما يقع فيه المنافقون. والله سبحانه وتعالى أخبر أن أهل الإيمان الذين حققوا الإيمان لا يقعون في الشك، إنما المؤمنون الذين آمنوا بالله ورسوله ثم لم يرتابوا لم يقعوا في الشكوك. أما إذا كان الشك مجرد تشكك وظنون الشيطان، فيدفعه الإنسان، فهذا لا يضره، بل هذا من صريح الإيمان، كما قال النبي عليه الصلاة والسلام: «يأتي الشيطان أحدكم فيقول: من خلق كذا؟ من خلق كذا؟ حتى يقول: من خلق الله؟ فإذا وجد ذلك أحدكم، فليقل: آمنت بالله». وجاء في رواية: «فإذا وجد ذلك أحدكم، فليقل: آمنت بالله، فإن ذلك من صريح الإيمان». لكن الشك الذي يؤاخذ به العبد الشك الذي يسترسل معه حتى يقع بعد ذلك في الكفر بالله سبحانه وتعالى. قال: «والقنوط من رحمة الله» أيضا من أسباب الهلاك. القنوط واليأس من رحمة الله سبحانه وتعالى، الله عز وجل أخبر أن رحمته واسعة: ﴿ورحمتي وسعت كل شيء﴾، كما قال عليه الصلاة والسلام في الحديث القدسي: قال الله عز وجل: «إن الله كتب في كتابه وعنده فوق العرش: إن رحمتي سبقت غضبي». والله عز وجل حذر من القنوط من رحمته: ﴿إنه لا ييأس من روح الله إلا القوم الكافرون﴾، ﴿ومن يقنط من رحمة ربه إلا القوم الخاسرون﴾. فالقنوط من رحمة الله عز وجل كبيرة من كبائر الذنوب، وهي سبب لهلاك العبد. والواجب على العبد أن لا يقنط من رحمة الله، وأن لا ييأس من رحمة الله سبحانه وتعالى. فإذا وقع في ذنب أو معصية، فإنه يتوب إلى الله عز وجل، مهما عظم الذنب، مهما عظم الذنب، فإن رحمة الله سبحانه وتعالى واسعة: «يا ابن آدم، لو أتيتني بقراب الأرض خطايا، ثم لقيتني لا تشرك بي شيئا، لأتيتك بقرابها مغفرة». فلا يسأل عبد من رحمة الله سبحانه وتعالى. وكذلك أيضا كما أنه لا يقنط من رحمة الله، فإنه كذلك أيضا لا يقع في الإرجاء، لا يقع في الإرجاء، ويقول: إن الله غفور رحيم، ويسترسل في فعل المعاصي والذنوب، بل يكون وسطا، لا إفراط ولا تفريط، يكون بين الخوف والرجاء، يفعل الطاعة والعبادة وهو يخاف ألا تقبل منه. وإذا وقع في ذنب ومعصية، أقبل على الله عز وجل بالتوبة والإنابة والاستغفار: «يا عبادي، لو لم تذنبوا لذهب الله بكم، ولجاء بقوم يذنبون فيستغفرون فيغفر الله لهم». فالله عز وجل حب من عبده أن يتوب إليه، وأن يستغفره. لله أشد فرحا بتوبة عبده من أحدكم حين يتوب إليه، من أحدكم ترك ظالته في الفلاة حتى أيس منها، فأتى شجرة فاضطجع في ظلها، وقد أيس منها، فإذا هي قائمة عنده، فلما رأى أخذ بخطامها، فقال: اللهم أنت ربي وأنا عبدك، أو أنت عبدي وأنا ربك، أخطأ من شدة الفرح. وكما الله عز وجل يقول، وهو مادح لأهل الإيمان والتقوى: أنهم إذا وقعوا في ذنب، تابوا إلى الله واستغفروا: ﴿والذين إذا فعلوا فاحشة أو ظلموا أنفسهم ذكروا الله فاستغفروا لذنوبهم ومن يغفر الذنوب إلا الله ولم يصروا على ما فعلوا وهم يعلمون﴾. هذا هو وصف المؤمنين وأهل التقوى، ليسوا معصومين من الخطأ، بل يقعون في الخطأ، ويقعون في الزلل، ويقعون في الذنب، لكن متى ما وقعوا، فإنهم مسارعون بالتوبة إلى الله سبحانه وتعالى، ولا ييأسون ويقنطون من رحمة الله، فإن هذا سبب في الوقوع في الكفر، لأن هذا من سوء الظن بالله سبحانه وتعالى، أنك تظن أنه لا يغفر لك ولا يرحمك. والله عز وجل يقول: ﴿قل يا عبادي الذين أسرفوا على أنفسهم لا تقنطوا من رحمة الله إن الله يغفر الذنوب جميعا إنه هو الغفور الرحيم﴾. لا تقنط من رحمة الله سبحانه وتعالى، ويسيبك اليأس والقنوط، فإن رحمة الله عز وجل واسعة. والله تعالى أعلم.