الدرس في التعليقات على كتاب الأدب المفرد 294، ألقاها
نهى الإسلام عن السخرية والاستهزاء بالمسلمين لما فيه من الكبر والاحتقار. حذر النبي من الشماتة بأخيه المسلم حيث قد يرحمه الله ويبتلي الآخر.
ينبغي للمسلم التأني في أمور الدنيا والمسارعة في أمور الآخرة. التأني من الله والعجلة من الشيطان ويجنب الندم.
التأني والاستخارة يؤديان إلى معرفة المخرج والفرج في الأمور الصعبة. ينبغي للمسلم أن يتأنى ويستخير الله في كل الأمور.
التأني في التعامل مع الآخرين بالمعروف يحقق مخرج إلهي من الأوضاع الصعبة. ضرورة الصبر والتأني في المعاشرة لتحقيق الفرج.
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الخلق والمرسلين، نبينا محمد، على آله وصحبه أجمعين. أما بعد، قال الإمام البخاري رحمه الله في كتابه "الأدب المفرد"، باب السخرية، وقول الله عز وجل: ﴿لا يسخر قوم من قوم﴾ الآية. قال: حدثنا إسماعيل، قال: حدثني أخي، عن سليمان بن بلال، عن علقمة بن أبي علقمة، عن أمه، عن عائشة رضي الله عنها، قالت: مر رجل مصاب على نسوة، فتضاحكن به يسخرن، فأصيب بعضهن. هذه الترجمة ترجم الإمام البخاري رحمه الله بقوله: "باب السخرية"، وقول الله عز وجل: ﴿لا يسخر قوم من قوم﴾ الآية، أي قول الله عز وجل: ﴿يا أيها الذين آمنوا لا يسخر قوم من قوم عسى أن يكونوا خيرا منهم ولا نساء من نساء عسى أن يكون خيرا منهم ولا تلمزوا أنفسكم ولا تنابزوا بالألقاب بئس الاسم الفسوق بعد الإيمان ومن لم يتب فأولئك هم الظالمون﴾. وأراد بذلك رحمه الله بيان حرمة السخرية، وأنه لا يجوز للمسلم أن يسخر بأخيه المسلم. والسخرية بمعنى الاحتقار والاستهزاء، فهو يستحقر أخاه المسلم ويستصغره، وهي من كبائر الذنوب؛ لأن فيها معنى الكبر والبطر، كما قال النبي عليه الصلاة والسلام حين قال: "الكبر بطر الحق وغمط الناس". الكبر بطر الحق، أي رده، وغمط الناس، أي استحقارهم. فاستحقار الناس هذا من الكبر، تستحقر الناس وتستصغرهم، وترى أنك أفضل منهم وأنك أرفع منهم، فهذه من الأخلاق الذميمة التي جاءت الشريعة بتحريمها. فلا يجوز للمسلم أن يسخر بأخيه المسلم، ولا أن يستهزئ به، وكذلك أيضا لا يلمزه بالألقاب، فيلقبه بلقب أو يناديه بلقب لا يحبه ولا يرضاه، هذا لا يجوز. وربما كان هذا الذي تستهزئ به هو أفضل منك عند الله سبحانه وتعالى، وأحب إلى الله عز وجل منك، فكيف تسخر به؟ وكيف تستهزئ به؟ فينبغي للمسلم أن يحذر من هذا الخلق الذميم، استحقار الناس واستصغارهم والاستهزاء بهم والسخرية بهم، حتى لو كان فيه شيء في خلقته كمرض، فلا يجوز للمسلم أن يسخر بأخيه المسلم، بل ينبغي أن تحمل على الله عز وجل الذي عافاك مما ابتلاه به، لا أن تسخر به وتستهزئ به. فربما يعافيه الله عز وجل ويبتليك، ربما يعافيه الله سبحانه وتعالى ويبتليك. وذكر حديث عائشة رضي الله عنها قالت: "مر رجل مصاب على نسوة، فتضاحكن به يسخرن، فأصيب بعضهن". مر رجل مصاب على نسوة، يعني فيه شيء من الأمراض، فتضاحكن به يسخرن، يعني سخرن من هذا الرجل لما فيه من هذه الإصابة، فأصيب بعضهم، يعني ابتلاهن الله سبحانه وتعالى بسبب سخريتهن بهذا الرجل. وهذا الحديث لا يصح؛ لأن أم علقمة، واسمها مرجانة، مجهولة، فلا يصح هذا الأثر. وجاء عند الترمذي من حديث واثلة بن الأسقع رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "لا تظهر الشماتة بأخيك فيرحمه الله ويبتليك". لا تظهر الشماتة بأخيك، فيرحمه الله ويبتليك، يعني لا تظهر الشماتة تشمت بأخيك وتستهزئ به وتسخر به، فيرحمه الله ويعافيه ويبتليك بسبب استهزائك وسخريتك به. وهذا الحديث كذلك ضعيف، حديث واثلة كذلك ضعيف. قال: "باب التؤدة في الأمور". قال: حدثنا بشر بن محمد، قال: أخبرنا عبد الله، قال: أخبرنا سعد بن سعيد الأنصاري، عن الزهري، عن رجل من بلي، قال: أتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم مع أبي، فناجى أبي دوني، قال: فقلت لأبي: ما قال لك؟ قال: إذا أردت أمرا فعليك بالتؤدة حتى يريك الله منه المخرج، أو حتى يجعل الله لك مخرجا. وهذا الباب بوبه رحمه الله بقوله: "باب التؤدة في الأمور". والتؤدة هي التأني وعدم العجلة. باب التؤدة في الأمور يعني ينبغي التأني في الأمور وعدم التعجل وعدم التسرع، بل ينبغي أن يكون المسلم عنده التأني، وكذلك النظر في الأمور وعدم التعجل والتسرع. وهذا في أمور الدنيا، ينبغي أن يتأنى فيها الإنسان وأن لا يتعجل. إذا أراد أن يقدم على أمر من الأمور، فينبغي أن يتأنى، سواء في عمل أو سفر أو نكاح أو غير ذلك من الأمور، فإنه يتأنى ولا يتعجل حتى يدخل على هذا الأمر ويقدم عليه وهو بكامل القناعة، فلا يندم بعد ذلك. أما في أمور الآخرة، فإنه لا ينبغي أن يتأنى فيها، بل ينبغي أن يتعجل وأن يسارع ويسابق. ولهذا قال النبي عليه الصلاة والسلام: "التؤدة في الأمور كلها إلا في أمر الآخرة". التؤدة في كل شيء إلا في عمل الآخرة. وهذا الحديث رواه أبو داود من حديث سعد بن أبي وقاص رضي الله تعالى عنه، وصححه الشيخ الألباني رحمه الله. التؤدة في كل شيء إلا في عمل الآخرة، يعني في أمور الدنيا ينبغي أن تتأنى، إلا في عمل الآخرة، فسارع وسابق كما قال الله عز وجل: ﴿وسارعوا إلى مغفرة من ربكم وجنة عرضها السماوات والأرض﴾، وقال سبحانه: ﴿وسابقوا إلى مغفرة من ربكم وجنة عرضها كعرض السماء والأرض﴾، وقال سبحانه حين ذكر ما لأهل الجنة من النعيم: ﴿فليتنافس المتنافسون﴾، يعني لأجل هذا النعيم فليتنافس من كان متنافس، ومن كان مسابقا فليسابق في أمر الآخرة، ويسارع إذا وجد بابا من أبواب الخير، وبابا من أبواب الطاعة، وبابا من أبواب مرضاة الله سبحانه وتعالى، فينبغي أن يسارع ويسابق ولا يتأنى. لكن في أمور الدنيا ينبغي أن يتأنى ولا يتعجل. وصحح شيخ الألباني رحمه الله كذلك حديثا أن النبي عليه الصلاة والسلام قال: "التأني من الله والعجلة من الشيطان". التأني من الله والعجلة من الشيطان. وهذا الحديث أخرجه أبو يعلى والبيهقي من حديث أنس بن مالك. فالتأني مما يحبه الله سبحانه وتعالى، وكذلك مما يرضاه الله عز وجل؛ لأنه يوصل العبد إلى الفعل الصحيح الذي لا يندم بعده، ولا كذلك يتحسر على فعله، خلاف التعجل، فربما يقع في أمر يكون ضررا عليه، أو كذلك أيضا يتحمل من ورائه آثام أو نحو ذلك. فلذلك ينبغي للمسلم أن يتأنى في أموره ولا يتعجل. وذكر في هذا الباب هذا الحديث الذي صحابيه رجل مبهم، وهذا لا يضر؛ لأن الصحابة عدول رضي الله تعالى عنهم. قال: "أتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم مع أبي، فناجى أبي دوني"، يعني كلمه دون أن أسمع ما يقول. "فقلت لأبي: ما قال لك؟ قال: إذا أردت أمرا فعليك بالتؤدة حتى يريك الله منه المخرج، أو حتى يجعل الله لك مخرجا". يعني إذا أردت أن تقدم على أمر فتأنى لا تتعجل، حتى يريك الله منه المخرج، يعني يريك الله عز وجل ما هو أصلح لك في الإقدام على هذا الأمر أو في تركه، فيجعل الله سبحانه وتعالى لك فيه مخرجا وفرجا. ومن التأني أن الإنسان إذا أراد أن يقدم على أمر أن يستخير كما علمنا النبي عليه الصلاة والسلام الاستخارة في الأمور كلها، كما في حديث جابر قال: "علمنا رسول الله صلى الله عليه وسلم الاستخارة في الأمور كلها". إذا أردت أن تقدم على أمر من الأمور فاستخير، تصلي ركعتين من غير الفريضة، ثم تدعو الله عز وجل بدعاء الاستخارة: "اللهم إني أستخيرك بعلمك وأستقدرك بقدرتك وأسألك من فضلك العظيم، فإنك تقدر ولا أقدر، وتعلم ولا أعلم، وأنت علام الغيوب. اللهم إن كنت تعلم أن هذا الأمر خير لي في ديني ومعاشي وعاقبة أمري وعاجله وآجله، فيسره لي وقدره لي ثم بارك لي فيه، وإن كنت تعلم أن هذا الأمر شر لي في ديني ومعاشي وعاقبة أمري وعاجله وآجله، فاصرفه عني واصرفني عنه، ثم قدر لي الخير حيث كان ثم رضني به". ثم تسمي حاجتك الذي تريد أن تقدم عليها. وسيجعل الله عز وجل لك فرجا ومخرجا، ويجعل لك الخير في هذا الأمر الذي تريد أن تقدم عليه، إن كان فيه خير يسره الله لك، وإن لم يكن له فيه خير لك صرفك الله سبحانه وتعالى عنه، فيجعل الله عز وجل لك الخير فيما يختاره سبحانه وتعالى. قالوا عن الحسن بن عمر الفقيمي، عن منذر الثوري، عن محمد بن الحنفية -وهو محمد بن علي بن أبي طالب، قال له محمد بن الحنفية نسبة إلى أمه- قال: "ليس بحكيم من لا يعاشر بالمعروف من لا يجد من معاشرته بدا حتى يجعل الله له فرجا أو مخرجا". وهذا الأثر صححه الشيخ الألباني رحمه الله. ليس بحكيم من لا يعاشر بالمعروف من لا يجد من معاشرته بدا، يعني من الحكمة أنك تعاشر بالمعروف من لا بد من معاشرته، ولو كان عنده نقص أو كذلك تكره منه شيئا وأنت تعاشره، فلا بد أن تعاشره بالمعروف، سواء كان زوجة أو أخا أو كذلك أبا أو جارا أو صديقا أو غيرهم ممن تعاشرهم ولا بد لك من معاشرتهم. فينبغي أن تعاشرهم بالمعروف؛ فإن ذلك من وضع الشيء في موضعه، حتى يجعل الله سبحانه وتعالى لك فرجا ومخرجا. والشاهد من هذا الأثر هو بالمعنى، يعني أن تتأنى في هذا الأمر في بقائك ومعاشرتك لمن تعاشره بالمعروف، حتى يجعل الله سبحانه وتعالى لك فرجا ومخرجا مما أنت فيه من ضيق أو كراهية أو نحو ذلك.