الدرس في التعليقات على كتاب الأدب المفرد 310، ألقاها
يذكر أن الكافر لا يدعى له بالرحمة، وإنما يدعى له بالهداية كما كان النبي صلى الله عليه وسلم يفعل مع اليهود. هذا يدل على أن الدعاء للمشركين ينبغي أن يكون بالهداية وليس بالمغفرة.
يتناول المقطع تشميت العاطس، ويشترط الحمد لله لتشميته، كما يبين ضوابط تشميت الرجل للمرأة عند العطاس مع أمن الفتنة. يُستدل بحديث أبي موسى الأشعري وفتوى الإمام الشعبي رحمه الله.
يُثني على طاعة النبي صلى الله عليه وسلم وتقديمها على رغبات النفس، ويُبين أهمية الامتثال لأمره كما فعلت المرأة التي استسلمت لحديث سمعته. يُنهي بالصلاة على النبي وآله وصحبه.
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الخلق والمرسلين، نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين. أما بعد، قال الإمام البخاري رحمه الله في كتابه الأدب المفرد: باب إذا عطس يهودي. قال حدثنا محمد بن يوسف، قال حدثنا سفيان، عن حكيم بن الديلم، عن أبي بردة -وهو ابن أبي موسى- قيل اسمه عامر، وقيل الحارث، ومشهور بكنيته، عن أبي موسى -وهو عبد الله بن قيس الأشعري- رضي الله تعالى عنه، قال: كان اليهود يتعاطسون عند النبي صلى الله عليه وسلم رجاء أن يقول لهم: يرحمكم الله، فكان يقول: يهديكم الله ويصلح بالكم. قال حدثنا أبو حفص بن علي، قال حدثنا يحيى، قال حدثنا سفيان، قال حدثني حكيم بن الديلم، قال حدثني أبو بردة، عن أبيه، مثله. هذا الحديث فيه أن اليهود كانوا يتعاطسون عند النبي عليه الصلاة والسلام. ومعنى يتعاطسون، يعني يطلب أحدهم العطسة ويتكلفها، يتكلف أن يعطس عند النبي عليه الصلاة والسلام، قال: رجاء أن يقول لهم: يرحمكم الله، يعني يريدون أن يقول لهم النبي عليه الصلاة والسلام: يرحمكم الله؛ لأنهم علموا وسمعوا أن النبي صلى الله عليه وسلم إذا عطس عنده أحد، فإنه يجيبه بقوله: يرحمك الله، فأرادوا أن تنالهم هذه الدعوة، أن تنالهم دعوة النبي عليه الصلاة والسلام. فكان يقول -أي النبي صلى الله عليه وسلم-: يهديكم الله ويصلح بالكم، فلا يقول لهم عليه الصلاة والسلام: يرحمكم الله، ولكن يقول: يهديكم الله ويصلح بالكم. ففي هذا الحديث بيان أنه إذا عطس اليهود أو الكافر، فإنه لا يقال له: يرحمك الله؛ لأن الرحمة إنما تكون لأهل الإيمان، إنما تكون للمؤمنين، ولكن يدعى له بالهداية: يهديكم الله ويصلح بالكم، أن يهديك الله ويوفقك للتوبة والهداية والإيمان، ويصلح حالك. فأما الرحمة فلا يدعى له بها. وفي هذا الحديث كذلك بيان أن اليهود يعرفون الحق ويعلمون أن النبي عليه الصلاة والسلام رسول من عند الله، وأنه مصدق لما بين يديه، كما قال الله عز وجل عنهم: ﴿يعرفونه كما يعرفون أبناءهم﴾، يعرفونه كما يعرفون أبناءهم، ولكن الكبر أو التقليد الأعمى الذي جعلهم يكفرون بالنبي عليه الصلاة والسلام، وهم في حقيقة باطنهم يعلمون أنه نبي ورسول من عند الله سبحانه وتعالى. وهذا الحديث مما يدل على ذلك؛ أنهم كانوا يرجون دعوة النبي عليه الصلاة والسلام لهم بالرحمة، فيتعاطسون عنده حتى تنالهم دعوة النبي عليه الصلاة والسلام. قال: وهنا مسألة، لو أن الكافر هو الذي شمتك، هو الذي شمتك، فقال بعض أهل العلم -كالإمام الشعبي رحمه الله-: قال تدعو له بالهداية، يقول: يهديكم الله أو هداك الله، كما في هذا الحديث، سواء هو الذي عطس أو أنت الذي عطست، فإنك تدعو له بالهداية في كل الحالتين. قال: قال باب تشميت الرجل المرأة. قال حدثنا فروة وأحمد بن إشكاب، قال حدثنا القاسم بن مالك المزني، عن عاصم بن كليب، عن أبي بردة، قال: دخلت على أبي موسى وهو في بيت ابنته أم الفضل بن العباس -هكذا عندنا في هذه النسخة، والصواب: وهو في بيت ابنة الفضل بن العباس، في بيت ابنة الفضل بن العباس- المراد بها أم كلثوم، وهي زوجته، زوجة أبي موسى الأشعري رضي الله عنه، أم كلثوم بنت الفضل بن العباس، كانت تحت علي بن أبي طالب، ثم تحت الحسن بن علي، فلما فارقها تزوجها أبو موسى رضي الله تعالى عنه، وولدت له موسى. وأم أبي بردة هي أخرى، وهي أم عبد الله بنت أبي دومة. قال: فعطست فلم يشمتني -يعني أبو بردة عطس عند أبي موسى فلم يشمته- قال: وعطست فشمتها -أي زوجته- فأخبرت أمي -يعني لما رجع إلى أمه أخبرها بهذا الأمر- قال: فلما أن أتاها وقعت به -يعني عاتبته- وقالت: عطس ابني فلم تشمته، وعطست فشمتها. فقال لها: إني سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول: «إذا عطس أحدكم فحمد الله فشمته، وإن لم يحمد الله فلا تشمته». وإن ابنك عطس فلم يحمد الله فلم أشمته، وعطست فحمدت الله فشمتها. فقالت: أحسنت. والحديث في صحيح الإمام مسلم. وأراد الإمام البخاري رحمه الله أن يستدل به على تشميت الرجل للمرأة، وإن كان التبويب عام، والدليل أخص؛ لأن فيه تشميت أبي موسى رضي الله تعالى عنه لامرأته، وهي من محارمه. وأجاز بعض أهل العلم تشميت الرجل للمرأة -كالإمام الشعبي رحمه الله- لكن يقيد ذلك بأمن الفتنة، إذا أمنت الفتنة فلا بأس أن يشمت الرجل المرأة، كأن تكون كبيرة في السن، أو يكون في جمع من النساء، أو نحو ذلك مما لا فتنة فيه. وإذا كانت من محارمه فهذا لا شك فيه أنه لا بأس به، وليس فيه شيء. وفي هذا الحديث أن أبا بردة دخل على أبي موسى وهو في بيت زوجته بنت الفضل العباس، فعطس أبو بردة فلم يشمته أبو موسى وهو أبوه، وعطست زوجته فشمتها. فلما رجع أبو بردة إلى أمه أخبرها بذلك؛ أنه عطس فلم يشمته، وأن زوجته عطست فشمتها، فغارت من ذلك ووقعت به -يعني عتبته على ذلك- وقالت: عطس ابني فلم تشمته، وعطست فشمتها. وهذا فيه بيان عظيم غيرة النساء حتى في مثل هذه الأمور في تشميت؛ لماذا تشمت فلان أو لا تشمته، وشمت زوجتك؟ كيف أصابتها الغيرة بسبب ذلك؟ وهذا يدعى لأنه ينبغي للمسلم أن يعدل قدر الاستطاعة فيما هو في قدرته؛ فيما هو في قدرته في ذلك في تعامله مع أبنائه في إعطائهم وهداياهم مثلا، حتى في تشميتهم إذا عطس هذا وحمد الله فيحرص أن يشمته، وهكذا الآخر، وهكذا في سائر الأمور التي هي في استطاعته. ثم أخبرته بذلك، فقال لها: سمعت النبي عليه الصلاة والسلام، وذكر لها السبب الذي جعله يشمت زوجته ولا يشمت ابنها، فقال: سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول: «إذا عطس أحدكم فحمد الله فشمته، وإن لم يحمد الله فلا تشمته». وهذا الحديث يدل على أن تشميت العاطس مقيد بالحمد؛ إذا حمد الله إذا عطس فحمد الله وقال الحمد لله فيشمت، يقال له: يرحمك الله. وأما إن لم يحمد الله فإنه لا يشمت، ولو كان هذا العاطس ذا شرف وذا منزلة أو ذا قرابة، إذا لم يحمد الله فإنه لا يشمت كائنا من كان، لقول النبي عليه الصلاة والسلام: «وإن لم يحمد الله فلا تشمته». ثم قال: إن ابنك عطس فلم يحمد الله فلم أشمته، وعطست فحمدت الله فشمتها. هذا هو السبب الذي جعله يشمت زوجته ولا يشمت ابنه؛ ليس القصد يعني إهمالا له وعدم إعطاء حق له أو نحو ذلك مما قد تظن، وإنما السبب هو ما سمعه من النبي عليه الصلاة والسلام من تشميت من حمد الله وعدم تشميت من لم يحمد الله. فلما سمعت ذلك قالت: أحسنت. انظر إلى سرعة الرجوع والاستجابة؛ في أول الأمر كانت تعاتبه ووقعت به، فلما سمعت الحديث عن النبي عليه الصلاة والسلام استسلمت له وقالت: أحسنت، أحسنت بما صنعت. إذا كان هذا هو قول النبي عليه الصلاة والسلام، وهذا أمر النبي عليه الصلاة والسلام، فنعم ما فعلت. وهكذا ينبغي أن تكون النساء وقافات عند حدود الله؛ إذا سمعت الدليل من الكتاب أو السنة على أمر من الأمور أن تسارع بالاستجابة. انظروا سرعان ما سمعت الحديث قالت: أحسنت، استسلمت، بل شكرته على ما فعل، قالت: أحسنت على هذا الفعل وهذا الصنيع؛ لأن هذا هو أمر النبي عليه الصلاة والسلام، وأمر النبي صلى الله عليه وسلم مقدم على شهوات النفوس وإرادة هذه النفوس. وصلى الله وسلم على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.