التعليق على مذكرة أصول الفقه 69

الدرس في التعليق على مذكرة أصول الفقه 69، ألقاها الشيخ أبو يوسف عبد المجيد الشحري

المستثنى من قاعدة القياس وأنواعه

يناقش المستثنى من قاعدة القياس، ويصنف إلى نوعين: ما يُعقل معناه ويمكن القياس عليه، وما لا يُعقل معناه. يشرح أمثلة على كلا النوعين ويبين آراء العلماء في ذلك.

تعليل الأحكام الشرعية بالوجود والعدم وتصنيفه

يناقش تعليل الأحكام الشرعية بالوجود والعدم، ويبين آراء الجمهور في ذلك. يقدم أمثلة ويصنف التعليل إلى أربعة أقسام.

قياس الأسباب والشروط والموانع وآراء الأصوليين

يتناول آراء الأصوليين في جواز قياس الأسباب والشروط والموانع، ويشرح أدلة جواز القياس في الأسباب وتشابهها في بعض الأحكام.

تطبيق القياس على الأسباب الشرعية

يشرح جواز القياس في الأسباب الشرعية مثل الإسلام كشرط لصحة الصلاة، ويبين تأثير عدم توفر هذا الشرط على صحة العمل.

التفريغ النصي الكامل

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وآله وصحبه ومن والاه. قال إمام الحرمين رحمه الله في كتابه مذكرة في أصول الفقه: قال المؤلف رحمه الله تعالى: فصل والمستثنى من قاعدة القياس منقسم إلى ما عقل معناه وإلى ما لم يعقل، إلى آخره. قال: فالأول -يعني ما يعقل معناه- يصح أن يقاس عليه ما وجدت فيه العلة، كاستثناء العرايا للحاجة، فلا يبعد قياس العنب على الرطب في ذلك إذا تبين أنه في معناه، وهذا قول الشافعية. نعم، فجعل العلة في بيع العرايا هي الحاجة، كون الذي يريد الرطب يحتاج إلى الرطب وما عنده مال، فأجاز له الشرع أن يشتري الرطب بالتمر. قاله: فكذلك أيضا في العنب إذا كان سيتفكه بأكل العنب وما عنده إلا زبيب، فإنه يجوز له حينئذ أن يشتري بالعنب الزبيب كشراء التمر بالرطب. قاله: كإباحة أكل الميتة للمضطر، صيانة لحياته، يقاس عليه بقية المحرمات إذا اضطر إليها. نعم، الشرع أباح أكل الميتة ونص على ذلك أن الميتة تحل للمضطر، فغيرها من الحيوانات إذا اضطر الإنسان جاز له أن يأكلها. لو وجد حيوان حي خنزير مثلا حي وهو مضطر قد بلغ الجوع به مبلغه ووصل إلى حد تحل به الميتة، جاز له أن يأكلها. قال: الثاني لا يصح فيه القياس، كشهادة خزيمة -يعني حين شهد له النبي عليه الصلاة والسلام بأن شهادته كشهادة رجلين- قال: وقوله صلى الله عليه وسلم لأبي بردة: «اذبحها ولن تجزئ عن أحد بعدك»، لما تعجل وذبح قبل صلاة العيد، ثم أخبر النبي أن عنده عناق -وهي الشاة الصغيرة من الغنم التي لم تبلغ السنة- يعني بنت أقل من سنة، فأخبر النبي صلى الله عليه وسلم بذلك، قال: «اذبحها ولن تجزئ عن أحد بعدك»، يعني ما تجزئ أضحية عن أحد بعدك، وهي دون سن الوحية. قال: وكذا فرق صلى الله عليه وسلم بين بول الجارية وبول الغلام، ونحو ذلك. هذا طيب، هنا يعني مثل هذه الأمور الآن وهذه المسائل هل يصح فيها القياس؟ فيقول المؤلف رحمه الله: أنه لا يصح لأنه لا يعلم، لا تعقل معناها أو عللها. كيف يقاس عليها؟ وشيخ الإسلام رحمه الله خالف في ذلك وقال: بل يمكن أن يقاس عليها، ويقال: من كانت حالته كحالة أبي البراء حين أذن له النبي صلى الله عليه وسلم بذبح العناق، كشخص مثلا أن تعجل وذبح قبل الصلاة، وجاهلا أن ذبح الأضحية بعد الصلاة، وعنده غنمه دون سن الأضحية، فيقال له: اذبحها. قال: هذا حاصل ما ذكره المؤلف، مع أن القياس على الأول خالف فيه كثير من العلماء، كما أشار إليه صاحب المراقب. قوله: «وقس على الخارج للمصالح، ورب شيخ لامتناع جانح». قال المؤلف رحمه الله تعالى: قال أبو الخطاب: يجوز أن تكون العلة نفي صورة أو اسم أو حكم، على قول أصحابنا، إلى آخره. وهذه الثلاثة قول الجمهور، يعني العلة نفي صورة أو حكم أو اسم. قال: مثال نفي الصورة قولهم: ليس بمكيل ولا موزون، فلا يمتنع فيه ربا الفضل. هذا نفي الصورة: ليس بمكيل ولا موزون، فلا يمتنع فيه ربا الفضل، إذا جعلنا العلة في الربا في ربا الفضل هو كونه مكيلا أو موزونا، فما لم يكن كذلك إذا لا يجري فيه الربا، فيجوز فيه التفاضل. قالوا: مثال نفي الاسم قولهم: ليس بتراب، فلا يجوز التيمم به. هذا نفي الاسم: اسم التراب، وهذا عند من يعلل بالتراب كالشافعية، وإلا الصحيح أن التيمم يجوز على كل ما صعد على وجه الأرض. قالوا: مثال نفي الحكم قولهم: في الخمر لا يجوز بيعه، فلا يجوز رهنه. هذا نفي الحكم: إذا كان الخمر لا يجوز بيعه، إذن لا يجوز رهنه، لأن الواجب هو إراقته وعدم إبقائه. قال: حاصل ما ذكره المؤلف في هذا الفصل أنه يجوز تعليل الوجود بالعدم، خلافا لمن منع ذلك، وهذا قول الجمهور. الذين منعوا هم الشافعية، أقصد الشافعية منعوا تعليل الوجود بالعدم، والجمهور على الجواز. قال: ومثاله ترك الصلاة، فإن عدم الصلاة علة للقتل الذي يترك الصلاة، فإنه يستتاب، إن تابع قتل. قال: والقتل وجودي، يعني شيء موجود، وترك الصلاة عدم واضح. قال: وعدم مال القريب علة لوجوب النفقة عليه، إذا كان القريب ما عنده مال، فهذه علة لتوجب على القريب أن ينفق عليه. قال: وعدم المال في حق المسكين والفقير علة لكونهما من مصارف الزكاة. قال: حاصل هذا المبحث راجع إلى أربعة أقسام، لأن العلة إما وجودية وإما عدمية، والمعلل بها إما وجودي أو عدمي، فالمجموع أربعة من ضرب اثنين باثنين. قال: ثلاثة منها لا خلاف في التعليل بها، وهي تعليل الوجود بالوجود، وتعليل العدم بالعدم، وتعليل العدم بالوجود. سيأتي مثاله: كتعليل عدم الميراث بالكفر، فالكفر مانع من الإرث، فإذا وجد الكفر فلا ميراث، هذا تعليل عدم الميراث لوجود الكفر. قال: والرابع هي محل الخلاف، وهي تعليل الوجود بالعدم، وقد عرفت الراجح منها آنفا، أي الجواز. قال: تنبيه: خلف اختلف في الصفات الإضافية كالأبوة والبنوة، هل هي وجودية أو عدمية؟ وعلى أنها عدمية، يجري فيها الخلاف المذكور. صفات إضافية عن المضاف ومضاف إليه. قال المؤلف رحمه الله: فصل: يجوز تعليل الحكم بعلتين. قال: اعلم أن لهذا المبحث صورتين: إحداهما أن يعلل الحكم الواحد بعلتين أو أكثر، بأن يثبت الحكم بكل واحدة، بأن يثبت الحكم بكل واحدة منفردة عن الأخرى، كالبول والغائط والتقبيل بالنسبة إلى نقض الوضوء، وهذا لاختلاف فيه في العلل المنصوصة. يعني هذه كلها علل لنقض الوضوء، فإذا فردت واحدة منها صارت صالحة لحصول النقض. لو أنه بال فقط انتقض وضوء، لو تغوط كذلك، لو قبل فأنزل. قال: واختلف في جواز ذلك في العلل المستنبطة. قال: الصورة الثانية التي يعنيها المؤلف: أن يكون الحكم معللا بمجموع العلتين، لا إحداهما بعينها، كمن لمس وبال في وقت واحد، إذا كان هذا هو علة للنقض، مجموع العلتين اللمس والبول. قال: وكذلك إذا اجتمع لبن أختك ولبن زوجة أخيك، ووصل المجموع دفعة واحدة إلى حلق المرأة، فإنك تكون عما لها وخالا في وقت واحد، إذا حصل خمس رضعات أو كانت هي الخامسة مثلا، أما مرة واحدة ليحصل بها التحريم على الصحيح، فإن حصل ذلك خمس مرات، خلط لبن أختك مع لبن زوجة أخيك، صرت قريبا لهذا المرضع من جهتين: من جهتي أختك فتكون خالا له، ومن جهة أخيك فتكون عما له بالرضاع. قال: والمجموع هو علة التحريم لعدم تميز واحد بعينه، ولا يمكن أن يقال: هما تحريمان، لأن التحريم حقيقة واحدة. وهذه الصورة اختلف في التعليل بها، واختيار المؤلف جواز ذلك، وشرطه عنده أن تكون منصوصة لا مستنبطة. قال: ولا يرد على ما ذكره المؤلف القدح بانتفاء العكس، أي ملازمة المعلول للعلة في الانتفاء، كما لو قلت: قد ينتفي البول والغائط ولا ينتفي نقض الوضوء، لوجود علة أخرى كالنوم مثلا. قال: لأن عدم العكس على القول بأنه قادح محله في الحكم المعلل بعلة واحدة دون المعلل بعلتين، فلا يقدح فيه قولا واحدا. قال المؤلف رحمه الله تعالى: فصل: قال قوم: يجوز إجراء القياس في الأسباب. قال: خلاص ما ذكره المؤلف في هذا الفصل أن الأصوليين اختلفوا في إجراء القياس في الأسباب، واختيار المؤلف جواز ذلك. وحاصل كلامه فيه أن يجعل الشارع وصفا سببا لحكم، فيقاس عليه وصف آخر، فيحكم بكونه سببا أيضا. فالنبي صلى الله عليه وسلم جعل الغضب سببا لمنع الحكم من القضاء، كما في حديث موسى في الصحيحين: لا يقضي القاضي حين يقضي وهو غضبان. فجعل العلة في منع من القضاء هو الغضب، وجعل الغضب سببا للمنع من القضاء. قال: فيقاس على الغضب الجوع والحزن مثلا، فتجعل أسبابا لمنع القضاء أيضا، لأنها تشوش الفكر كالغضب. كل إنسان قاض غضبان، هذا لا يجعله يصيب الحق ويقضي بالحق، فيتشوش فكره، فكل ما كان كذلك كالغضب في تشويش الفكر، فيلحق به كالجوع الشديد والحزن الشديد، فيأخذ حكم الغضب فيمنع من القضاء. قال: وعلم أن أكثر الأصوليين على المنع من القياس في الأسباب والشروط والموانع، وجعلوا المثال الذي ذكرناه ونحوه من تنقيح المناط، وهو مفهوم الموافقة. فيكون الخلاف حينئذ لفظيا، يعني هذا ليس قياسا، وهؤلاء يسمونه مفهوم الموافقة. قال: والأكثرون على أنه ليس قياسا كما تقدم، يعني مفهوم الموافقة. قال: وخلافا للشافعي وطائفة، عللوا بأن القياس في الأسباب يفضي إلى ما لا ينبغي، فلا يحسن قياس طلوع الشمس على غروبها في كونه سببا لوجوب الصلاة مثلا. قال: وعلل من منع في الأسباب أيضا بكونه يخرجها عن أن تكون أسبابا، لاستلزام القياس نفي السببية عن خصوص الأصل المقيس عليه. فيكون السبب أحد الأمرين، لأن ما له سببان يحصل لكل واحد منهما، فيصير السبب المقيس عليه بالقياس غير السبب المستقل. قال: وهذا قوله في المانع والشرط، في الموانع كالنفاس مثلا والحيض في منع الصلاة، وجود الحيض مانع للصلاة، فكذلك أيضا النفاس كذلك مانع للصلاة. وهكذا في الشروط، يعني الإسلام مثلا سببا لوجوب الصلاة أو شرطا لصحة الصلاة، فإذا كان كافرا وانتفى هذا الشرط، فإنه لا تصح الصلاة. والخلاص أنه يجوز القياس في الأسباب. صلى الله عليه وسلم على محمد وأله أجمعين.