الدرس في كتاب البيوع 16، ألقاها الشيخ أبو يوسف عبد المجيد الشحري
الشركة بجميع أنواعها جائزة في الإسلام وتشمل عدة أنواع مثل العنان والمضاربة. يجب أن يكون الربح فيها بحسب ما يتفق عليه الشركاء.
جميع أنواع الشركة جائزة إذا خلا العقد من المحاذير الشرعية، مع توضيح أنواع الشركة مثل العنان والمضاربة وضوابط كل نوع منها.
توجد أنواع أخرى للشركات مثل شركة الوجوه وشركة الأبدان وشركة المفاوضة، ويجب أن يكون الربح جزءا مشاعا معلوما وعدم وجود ظلم أو غرر لأحد الشريكين.
يتم تقييم العروض وتقسيم الأموال وفقًا لحصص الملكية والاتفاق المسبق بين الشريكين عند انتهاء الشراكة بشكل عادل.
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله والآله وصحبه أمن ولا أما بعد، قال علام السعدي رحمه الله في كتابه من الجسالكين وكتاب البيوع في باب الوكالة والشركة والمساقى والمزارعة. قال: الشركة قال صلى الله عليه وسلم: «يقول الله تعالى: أنا ثالث الشريكين ما لم يخن أحدهما صاحبه، فإذا خانه خرجت من بينهما» رواه أبو داود. فالشركة بجميع أنواعها كلها جائزة، ويكون الملك فيها والربح بحسب ما يتفقان عليه إذا كان جزءا مشاعا معلوما. فدخل في هذا شركة العنان، وهي أن يكون من كل منهما مال وعمل، وشركة المضاربة بأن يكون من أحدهما المال ومن آخر العمل، وشركة الوجوه بما يأخذان من وجوههما من الناس، وشركة الأبدان بأن يشترك بما يكتسبان بأبدانهما من المباحات من حشيش ونحوه، وما يتقبلانه من الأعمال، وشركة المفاوضة وهي الجامعة لجميع ذلك، وكلها جائزة، ويفسدها إذا دخلها الظلم والغرر لأحدهما، كأن يكون لأحدهما ربح وقت معين وللآخر ربح وقت مآخر، أو ربح إحدى السلعتين أو إحدى السفرتين، وما يشبه ذلك. الشركة في اللغة هي الاختلاط، ولها لغات فيقال: الشركة بفتح الشين وكسر الراء، ويقال: الشركة بكسر الشين وإسكان الراء، ويقال أيضا: الشركة بفتح الشين وإسكان الراء. واصطلاحا: الشركة على قسمين: شركة أملاك وشركة عقود. فشركة الأملاك هي الاشتراك اشتراك جماعة في حق مالي، أو يقول: اشتراك جماعة في استحقاق حق مالي إما بشراء أو هبة أو إرث، هذه تسمى الشركة أملاك. والنوع الثاني وهي شركة العقود، وهو الاشتراك في التصرف في المال، وهو المراد في هذا الموضع بهذا الدرس. وهو ما يتعلق بشركة العقود، وهي أنواع كما ذكر المصنف خمسة أنواع كلها جائزة. والشركة في الجملة هي جائزة بالكتاب والسنة والإجماع والقياس. فمن الكتاب قول الله عز وجل في باب الإرث: ﴿فإن كانوا أكثر من ذلك فهم شركاء في الثلث﴾، وهكذا قول الله عز وجل: ﴿وإن كثيراً من الخلطاء لا يبغي بعضهم على بعض﴾، والخلطاء هم الشركاء. ومن السنة قول النبي عليه الصلاة والسلام: «كنت شريكاً خير شريك لا تماري ولا تداري». أجمع العلماء على جواز الشركة في الجملة، والقياس الصحيح يقتضي كذلك صحتها لما فيه من المصلحة والحاجة. وذكر هنا حديث عن الثالث الشريكين ما لم يخن أحدهما صاحبه، والحديث ضعيف لا يصح. قال: الشركة بجميع أنواعها كلها جائزة، شركة العنان والمضاربة والوجوه والأبدان والمفاوضة كلها جائزة إذا خلت من المحاذير الشرعية. فالشركة عقد جائز، ويكون الملك فيها والربح بحسب ما يتفقان عليه إذا كان جزءا مشاعا معلوما. يكون الملك فيها بحسب الاتفاق، يعني إذا كانت الشركة فيها دفع مال من الجهتين كشركة العنان. قال: شركة العنان وهي أن يكون من كل منهما مال وعمل. ومعنى العنان أي التساوي، هي الاشتراك في مال وعمل، يشتركان في دفع المال وفي العمل بهذا المال، لكن لا يشترط أن يكون ما يدفعان من المال سويا. والربح بينهما حسب الاتفاق بالنصف أو الربع أو الثلث على حسب ما يتفقان عليه، والخسارة إذا حصل شيء من الخسارة فتكون على قدر الأملاك. وهي جائزة لا خلاف في جوازها، وسواء عمل العامل بنفسه أو وكل من يقوم بالعمل مع شريكه هذا جائز أيضا. قال: وشركة المضاربة بأن يكون من أحدهم المال ومن الآخر العمل. والمضاربة ما أخذ من الضرب في الأرض، قال الله جل وعلا: ﴿وآخرون يضربون في الأرض يبتغون من فضل الله﴾. ويسمى أيضا هذه النوع من الشريكة تسمى بالقراض عند أهل الحجاز. والقراض باللغة بمعنى القطع، والمناسبة من معنى اللغوي والاصطلاحي أن المضارب يقطع بجزء من ماله للعامل. والمضارب كما يقول ابن القيم رحمه الله: أمين ووكيل وشريك، بل وأجير أيضا. إذا قبض المال فهو أمين، وإذا تصرف في هذا المال فهو وكيل، وإذا عمل بهذا المال فهو أجير، وإذا ربح فهو شريك. وكلها جائزة، ويدل عليها عموم الأدلة الدال على جواز الشركة، وقد صح القول بتشريعيتها عن جمع من الصحابة كعمر وعلي وابن مسعود. ولا يعرف لهم مخالف من الصحابة، ويدل عليها القياس الصحيح. قال: وشركة الوجوه، قال: بما يأخذان بوجوههما من الناس. شركة الوجوه يعني أن يكون كلا الشريكين ليس لهما مال، لكن لهم مجاهة عند التجار، فهم يأخذون من التجار البضائع ويقومان بتصريفها وبيعها ويقتسمان الربح بينهما. قال: وشركة الأبدان أن يشترك بما يكتسبان بأبدانهما من المباحات من حشيش ونحوه، وما يتقبلانه من الأعمال. هذه شركة الأبدان، يشتركان بما يكتسبان بأبدانهما، يقول الشخص لصاحبه: ما رأيك نذهب فنحتطب وما نجمع من الحطب نبيعه ثم نقتسم الربح. قال: وشركة المفاوضة وهي الجامعة لجميع ذلك. شركة المفاوضة تكون جامعة لهذه الأقسام وهذه الأنواع، فقد تشتمل على شركة العنان والمضاربة والوجوه والأبدان. فمثلا يدفعان المال كلاهما، ويقومان بالعمل بهذا المال، وهكذا ربما يأخذون شيئا من البضائع من التجار للاتجار فيها، أو أيضا يشتركان بأبدانهما. قال: وكلها جائزة، ويفسدها إذا دخلها الظلم والغرر لأحدهما، كأن يكون لأحدهما ربح وقت معين وللآخر ربح وقت آخر، أو ربح إحدى السلعتين أو إحدى السفرتين، وما يشبه ذلك. قال: ولا بد أن يكون الربح جزءا مشاعا معلوما، حتى تصح هذه الشركة وتكون سالمة من الغرر والجهالة. وإذا كان كذلك فهي جائزة، أما إذا كان كما سمعنا أن يقول: لك ربح هذا الوقت ولي ربح الوقت الآخر، أو لك ربح هذه السفرة ولي ربح السفرة الأخرى، فهذا لا يجوز لما فيه من غرر وجهالة. ولا بد أن يحدد الربح، لو قال: خذ هذا المال والتجربة ولك ربح، ولم يحدد هذا الربح، هذا لا يجوز، هذا أيضا فيه جهالة. لا بد من تحديد الربح أن يكون جزءا مشاعا معلوما. إلى هنا، صلى الله عليه وسلم عن نبينا محمد، آله وصحبه أجمعين. دون مسألة يحسن أن يذكرها، وهي أن الاشتراك في باب الشركة إذا كان المدفوع مالا دراهم يعني دنانير أو ذهب أو فضة أو ما يقوم مقامها من الأموال النقدية، هذه جائزة باتفاق أهل العلم. والصحيح أنه يجوز أن يكون المال عبارة عن عروض، وأدلة الجواز هي أدلة جواز الشركة. وإذا انتهت الشركة فيثمنون هذه العروض ويقتسمان المال على حسب أملاكهما وما اتفق عليه. صلى الله عليه وسلم على نبينا محمد، آله وصحبه أجمعين.