كتاب الحدود 2

الدرس في كتاب الحدود 2، ألقاها الشيخ أبو يوسف عبد المجيد الشحري

حد السرقة وشروط إقامة الحد

حد السرقة هو قطع يد السارق اليمنى إذا سرق ربع دينار من حرزه، ويشترط لإقامة الحد بلوغ المسروق النصاب وأن يكون السارق مكلفًا. يجب أن يكون المسروق من حرزه وانتفاء الشبهة.

تفاصيل تنفيذ حد السرقة والعقوبات المتعلقة

يشترط لقطع يد السارق ثبوت السرقة بشهادة عدلين أو إقراره، وتنفذ العقوبة بقطع اليد اليمنى من مفصل الكف. تُحدد عقوبات مختلفة للسرقات المتكررة.

عقوبة المحاربين والبغاة وتطبيق أحكام القرآن

عقوبة المحاربين وقطاع الطرق تُحدد حسب الفعل المرتكب كما ورد في القرآن، ويجب قتال البغاة الخارجين على الإمام إذا لزم الأمر. يظهر حرص الصحابة على التفسير الصحيح للقرآن وتطبيقه.

التفريغ النصي الكامل

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الخلق والمرسلين، نبينا محمد، على آله وصحبه أجمعين. أما بعد، قال الشيخ السعدي -رحمه الله- في كتابه "التنبيهات السنية" في "الفقه بالدين"، في كتاب "الحدود"، قال: حد السرقة، قال: ومن سرق ربع دينار من الذهب، أو ما يساويه من المال، من حرزه، قطعت يده اليمنى من مفصل الكف، وحسمت. فإن عاد، قطعت رجله اليسرى من مفصل الكعب، وحسمت. فإن عاد، حبس، ولا يقطع غير يد ورجل. قال تعالى: ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا﴾. وعن عائشة -رضي الله عنها- مرفوعًا: "لا تقطع يد سارق إلا في ربع دينار فصاعدًا". متفق عليه. وفي الحديث: "لا قطع في ثمر ولا كثر". رواه أهل السنن. نعم، هنا ذكر -رحمه الله- حد السرقة، والسرقة هي أخذ مال على وجه الاختفاء، أخذ مال على وجه الاختفاء من مالكه أو نائبه، نصابًا من حرز مثله من مال معصوم. هذا هو حد السرقة، يكون أخذ المال على جهة الاختفاء والتستر. فمن سرق ربع دينار من الذهب، أو ما يساويه من المال، من حرزه، إذا سرق له شروط حتى يقام الحد على السارق. ومن هذه الشروط: أن يبلغ المسروق النصاب، أن يبلغ هذا المال المسروق النصاب. ونصاب السرقة ربع دينار من الذهب، أو ما يساويه من المال. الشرط الثاني: أن يكون هذا المال المسروق سرق من حرزه، أن يكون محروزًا. والمراد بالحرز هو الموضع الذي يحفظ فيه المال عرفًا. الشرط الثالث: أن يكون هذا السارق مكلفًا، أن يكون عاقلًا بالغًا. الشرط الرابع: انتفاء الشبهة. فلو أخذ الولد من مال أبيه، هنا لا قطع؛ لوجود الشبهة. الشرط الخامس: ثبوت السرقة بشهادة عدلين، أو إقرار السارق. الشرط السادس: مطالبة صاحب المال بماله. فإذا توفرت هذه الشروط، فهنا تقطع يد السارق. قال: قطعت يده اليمنى من مفصل الكف. يعني أول ما تحصل السرقة وتتوفر شروطها، فإن ما يقطع من السارق هو يده اليمنى من مفصل الكف. قال: وحسمت. معنى حسمه: أن توضع بعد أن تقطع اليد، توضع في زيت حار حتى تتسد العروق، ولا يبقى ينزف فيموت. قال: فإن عاد، يعني سرق مرة أخرى بعد أن قطعت يده اليمنى، سرق. قال: فإن عاد، قطعت رجله اليسرى من مفصل الكعب، وحسمت. قال: فإن عاد، حبس. يعني إذا سرق مرة ثالثة، فإنه يحبس. قال: ولا يقطع غير يد ورجل. يعني لا يقطع شيء بعد ذلك بعد اليد والرجل، إنما يحبس ويعزر. ثم ذكر قول الله عز وجل: ﴿السَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا﴾. فأمر الله سبحانه وتعالى بقطع يد السارق، سواء كان السارق ذكرًا أو أنثى، رجلًا أو امرأة، فإنه يقام عليه هذا الحد. ثم ذكر حديث عائشة -رضي الله عنها- في بيان النصاب: "لا تقطع يد السارق إلا في ربع دينار فصاعدًا". قال: ولا قطع في ثمر ولا كثر. الثمر يعني من أخذ شيء من الثمار، أتى إلى مزرعة وأخذ من ثمارها، فهذا لا قطع فيه، ولكن تضاعف عليه القيمة. قال: ومن سرق منه شيئًا بعد أن يؤويه الجريين، فبلغ ثمن المجن، فعليه القطع. يعني بعد أن يؤخذ الثمر ويوضع في المكان الذي يجفف فيه ويخزن فيه، فهذا الآن أصبح في حرزه. قال -رحمه الله-: حد الحرابة. وقال تعالى: ﴿إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَادًا أَنْ يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ مِنْ خِلَافٍ أَوْ يُنْفَوْا مِنْ الْأَرْضِ﴾. قال: وهم الذين يخرجون على الناس، ويقطعون الطريق عليهم بنهب أو قتل. فمن قتل وأخذ مالًا، قتل وصلب. ومن قتل، تحتم قتله. ومن أخذ مالًا، قطعت يده اليمنى ورجله اليسرى. ومن خاف الناس، نفي من الأرض. قال ابن عباس -رضي الله عنهما-: إذا قتلوا وأخذوا المال، قتلوا وصلبوا. وإذا قتلوا ولم يأخذوا المال، قتلوا ولم يصلبوا. وإذا أخذوا المال ولم يقتلوا، قطعت أيديهم وأرجلهم من خلاف. وإذا أخافوا السبيل ولم يأخذوا مالًا، نفوا من الأرض. قال: فمن تاب من قبل أن تقدروا عليه، فاعلموا أن الله غفور رحيم. فأخبر الله عز وجل في هذه الآية أن من تاب من قطاع الطرق قبل القدر عليه، أي قبل أن يقبض عليه، فإن الحد يسقط عنه. قال -رحمه الله-: البغاة. قال: ومن خرج على الإمام يريد إزالته عن منصبه، فهو باغ. وعلى الإمام مراسلة البغاة، وإزالة ما ينقمون عليه مما لا يجوز، وكشف شبههم. فإن انتهوا، كف عنهم. وإلا قاتلهم إذا قاتلوا. وعلى رعيته معونته على قتالهم. قال: فإن اضطر إلى قتلهم أو تلف في مالهم، فلا شيء على الدافع. وإن قتل الدافع، كان شهيدًا. ولا يتبع لهم مدبر، ولا يجهز على جريح، ولا يغنم لهم مال، ولا يسبى لهم ذرية. ولا ضمان على أحد الفريقين فيما أتلف حال الحرب من نفوس وأموال. قال الإمام الزهري -رحمه الله-: هاجت الفتنة، وأصحاب رسول الله -صلى الله عليه وسلم- متوافرون، فأجمعوا أنه لا يقاد أحد، ولا يؤخذ مال على تأويل القرآن، إلا ما وجد بعينه. صلى الله وسلم على نبينا محمد، وآله وصحبه أجمعين.