الدرس في شرح كتاب الطهارة 29، ألقاها
يشرح كيفية التيمم بالنية والتسمية وضربة واحدة للأرض ثم مسح الوجه واليدين. التيمم يكون ضربة واحدة ولا يشترط الترتيب بين مسح الوجه واليدين.
النجاسة عين مستقدرة يجب اجتنابها، وتنقسم إلى عينية وحكمية وتطهر بالماء. النجاسات ثلاثة أقسام: مغلظة ومخففة ومتوسطة.
بول الصبي الذي لم يأكل الطعام نجاسته مخففة ويرش بالماء، بينما يغسل بول الجارية والصبي الذي يأكل الطعام. العلماء فرقوا بينهما لاختلاف الأحكام.
الحمد لله رب العالمين، الصلاة والسلام على أشرف الخلق والمرسلين، نبينا محمد، على آله وصحبه أجمعين. أما بعد، قال مؤلفه -وفقه الله-: المسألة الرابعة: صفة التيمم. قال: وكيفيته أن ينوي، ثم يسمي، ينوي التيمم والقصد للصعيد تعبدا لله جل وعلا، ثم يسمي، فيقول: بسم الله. وهذا أخذه العلماء قياسا على التسمية في الوضوء، والتيمم تحل محل الوضوء. قال: ويضرب الأرض بيديه ضربة واحدة، ثم ينفخهما أو ينقضهما، ثم يمسح بهما وجهه ويديه إلى الرسغين، بحديث عمار، وفيه: التيمم ضربة للوجه والكفين. وهذه الرواية رواه الإمام أحمد، أبو داود. قال: وحديث عمار أن النبي صلى الله عليه وسلم قال له: «إنما كان يكفيك أن تصنع هكذا»، فضرب بكفه ضربة على الأرض، ثم نفضها. قوله هنا: «ثم ينفخهما أو ينقضهما»، المراد: ينفضهما، إما بالقاف أو بالفاء. قوله: «وكيفيته أن ينوي ثم يسمي، ويضرب الأرض بيديه ضربة واحدة، ثم ينفخهما أو ينقضهما»، عندكم: ينقضهما أو ينفضهما؟ بالقاف أو بالفاء؟ والذي يظهر أن الصواب بالفاء؛ لأن المراد: ينفخهما، يعني ينفخهما بعد أن يضربهما في الأرض. وفيه أيضا معنى النفض؛ يزيل ما يعلق في اليد من التراب الكثير، فينفخه أو ينفضه هكذا أو هكذا. قال: فضرب بكفه ضربة على الأرض، ثم نفضها، ثم مسح بهما ظهر كفه بشماله أو ظهر شماله بكفه، ثم مسح بهما وجهه. إذن كيفية المسح أن تنوي التيمم، ثم تسمي، والتسمية فيه حكمها حكم التسمية في الوضوء، إذا قلنا باستحبابها في الوضوء تكون مستحبة في التيمم. ويضرب الأرض بيديه ضربة واحدة هكذا، ضربة واحدة هكذا، ثم ينفخهما، والنفخ هذا ليس بشرط؛ لأنه جاء في بعض الروايات ذكر النفخ، وفي بعضها لم يذكر، فإذا نفخت فمشروع، وإن تركت فليس عليك شيء. ثم يمسح بهما وجهه ويديه مسحة واحدة؛ الوجه ومسحة اليدين، تمسح الشمال على اليمنى واليمنى على الشمال، بهذا تم التيمم، ضربة واحدة تمسح بها وجهك ويديك. فقوله جل وعلا: ﴿فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ﴾، المراد باليدين: الكفين، كما دل عليه حديث عمار حين بين له النبي عليه الصلاة والسلام كيفية التيمم. وهل تمسح اليدين إلى الرسغين أو إلى الكفين أو إلى المرفقين؟ قال بهذا بعض أهل العلم، واستدل بقول حديث ابن عمر: «التيمم مسحتان أو ضربتان: ضربة للوجه وضربة لليدين إلى المرفقين»، لكن الحديث ضعيف. والصحيح أن التيمم ضربة واحدة للوجه واليدين إلى الرسغين، يعني الكفين فقط. وسواء قدمت الوجه أو قدمت اليدين فالأمر في هذا واسع؛ لأن الآية فيها تقديم الوجه: ﴿فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ﴾، وفي حديث عمار قدم اليدين: قدم اليدين ثم الوجه. والواو كما هو معلوم لا تفيد الترتيب، وإنما تفيد مطلق الاشتراك. وبعض العلماء قال: إذا كان التيمم لرفع الجنابة -يعني إذا كان من حدث أكبر- فيبدأ بالوجه ثم اليدين، وإن كان من حدث أصغر فيبدأ باليدين أو بالوجه ثم اليدين، فالأمر فيه واسع إذا كان الحدث أصغر، فله أن يقدم الوجه وله أن يقدم اليدين. وإن كان من حدث أكبر فيقدم الوجه للآية، وعلى كل فالأمر واسع، إن بدأ كما سمعنا فغسل -مسح- وجهه ثم يديه صح التيمم، وإن بدأ بيديه ثم مسح وجهه صح التيمم. قال: الباب التاسع في النجاسات، كيفية تطهيرها، وفيه مسائل. المسألة الأولى: تعريف النجاسة ونوعها. قال: النجاسة هي كل عين مستقدرة أمر الشارع باجتنابها. كل عين مستقدرة -عين بمعنى ذات مستقدرة- شيء تستقدره النفوس وتعافه، أمر الشارع باجتنابها -أمر بتركها وإبعادها وإزالتها- فهذه نجاسة. قال: وهي نوعان: أولا نجاسة عينية أو حقيقية، نجاسة عينية أو حقيقية وهي التي لا تطهر بحال، هي التي لا تطهر بحال؛ يعني مهما طهرها الإنسان فهي نجسة لا تطهر؛ لأن عينها وذاتها وحقيقتها نجسة. قال: لأن عينها نجسة كروث الحمار والدم والبول، إذا أراد الإنسان أن يطهر البول ما يستطيع؛ لأنه نجس من أصله، كذلك روث الحمار إذا أراد أن يطهره فإنه لا يطهر؛ لأنه نجس من أصله، هذه تسمى نجاسة عينية. قال: ثانيا نجاسة حكمية، وهي أمر اعتباري يقوم بالأعضاء ويمنع من صحة الصلاة، ويشمل الحدث الأصغر الذي يزول بالوضوء كالغائط، والحدث الأكبر الذي يزول بالغسل كالجنابة. قال: نجاسة حكمية، وهي أمر اعتباري يقوم بالأعضاء ويمنع من صحة الصلاة؛ يعني شيء يلحق بالإنسان فيمنعه من الصلاة حتى يزيله. قال: يجمل ذلك الحدث الأصغر الذي يزول بالوضوء كالغائط؛ يعني إذا أصاب الإنسان الغائط أو البول أو غير ذلك مما يوجب الوضوء فيجب إزالته؛ يجب إزالته حتى يصح وضوءه، إذا أصاب الغائط مثلا جسم الإنسان في بدنه أو البول وقع في بدنه، هذه يسمى نجاسة حكمية بالنسبة للبدن، بالنسبة لإصابة هذه النجاسة في البدن، هذه نجاسة حكمية يستطيع إزالتها ويطهر بدنه من هذه النجاسة، وحينئذ يتوضأ ويصح وضوءه، لكن مع بقاء هذه النجاسة فإنه لا يصح وضوءه، ولا يستطيع أن يصلي مع بقاء هذه النجاسة. قال: والحدث الأكبر الذي يزول بالغسل كالجنابة. قال: والأصل الذي تزال به النجاسة هو الماء، فهو الأصل في التطهير، لقوله تعالى: ﴿وَيُنَزِّلُ عَلَيْكُمْ مِنْ السَّمَاءِ مَاءً لِيُطَهِّرَكُمْ بِهِ﴾، ومر معنا الكلام على هذه المسألة في أوائل هذا الكتاب: أن الأصل في التطهير هو الماء. قال: وهي على ثلاثة أقسام؛ أي: نجاسة على ثلاثة أقسام. نجاسة مغلظة، وهي نجاسة الكلب وما تولد منه؛ نجاسة الكلب وما تولد منه؛ يعني بوله وغائطه فهو نجس نجاسة مغلظة؛ لأن الشرع أمر بتطهير الإناء من ولوغ الكلب سبع مرات، هذا يدل أن نجاسته مغلظة. قال: ونجاسة مخففة، وهي نجاسة بول الغلام الذي لم يأكل الطعام؛ الذي لم يأكل الطعام نجاسته مخففة؛ ولهذا كما سيأتي معنى أن الشرع أمر بتطهيره بالرش والنضح؛ اكتفى الشرع بتطهير نجاسة الغلام الذي لم يأكل الطعام بالرش والنضح. قال: نجاسة متوسطة، وهي بقية النجاسات كالبول والغائط والميتة؛ فهذه أمر الشرع بتغسيلها، لكن يكتفى فيها بغسلة واحدة إذا زالت النجاسة؛ إذا زالت بغسلة واحدة اكتفى بذلك. إذا النجاسات على ثلاثة أقسام: مغلظة ومخففة ومتوسطة. قال: المسألة الثانية: الأشياء التي قام الدليل على نجاستها. أولا: بول الآدمي وعذرته وقيه، إلا بول الصبي الذي لم يأكل الطعام، فيكتفى برشه، لحديث أم قيس بنت محصن أنها أتت بابن لها صغير لم يأكل الطعام إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأجلسه في حجره، فبال على ثوبه، فدعا بماء فنضحه ولم يغسله. أما بول الغلام الذي يأكل الطعام، وكذا بول الجارية، فإنه يغسل كبول الكبير. بول الآدمي وعذرته نجسة؛ لقول الله جل وعلا: ﴿أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنْ الْغَائِطِ﴾، وهكذا أمر النبي عليه الصلاة والسلام بصب ذنوب من ماء على بول الأعرابي الذي بال في طائفة المسجد، كما في الصحيحين، وحديث أبي هريرة رضي الله عنه في قول النبي عليه الصلاة والسلام: «إذا وطئ أحدكم الأذى بخفه فطهوره التراب». قوله: «إلا بول الصبي الذي لم يأكل الطعام فيكتفى برشه»، الصبي الذكر الصغير الرضيع الذي لم يأكل الطعام، وما زال يرضع، فبوله نجاسته مخففة؛ يعني ما يجب غسلها، لكن يكتفى فيه بأن ينضح ويرش بالماء الموضع الذي أصابه، يرش بالماء ويطهر بذلك، ما يجب أن تغسل. الدليل حديث أم قيس أن أتت بابن لها صغير إلى النبي عليه الصلاة والسلام، فأجلسه في حجره، فبال على ثوبه، فدعى بماء فنضحه ولم يغسله؛ نضحه يعني رشه وبلله بالماء ولم يغسله، والحديث في الصحيحين. أيضا حديث أبي السمح في السنن أن النبي عليه الصلاة والسلام قال: «يغسل بول الجارية ويرش بول الغلام»، يغسل بول الجارية ويرش بول الغلام، أو كما قال عليه الصلاة والسلام. فالنبي صلى الله عليه وسلم فرق بين بول الغلام وبين بول الجارية؛ يعني البنت الصغيرة التي هي رضيعة، هذه يغسل بولها، يغسل بولها، أما الغلام الصغير الذي لا يأكل الطعام وإنما يرضع، فهذا يكتفى بتطهير بوله بالرش. وبهذا القول -القول بالتفريق- قال به علي وأم سلمة رضي الله تعالى عنهما، وهو قول الثوري والأوزاعي والشافعي وداود وأحمد، ومالك في رواية عنه، هؤلاء إلى التفريق بين بول الصغير وبين بول الجارية؛ لهذه الأحاديث المفرقة بين الذكر الصغير والأنثى الصغيرة. وذكر العلماء حكما وعللا في التفريق بين نضح بول الغلام والأمر بغسل بول الجارية، منها أنهم يعني ذكروا أن بول الغلام يكثر حمله، يكثر رشه وتناثره، فيحصل المشقة في تطهير بوله، بخلاف الجارية، ومنها أيضا أن بول الغلام يتناثر ويتفرق، تعرفون الصبي لما يبول ينتشر بوله في أكثر من موضع، بخلاف البنت الجارية الصغيرة إذا بالت تبول في موضعها، فلهذا يسهل غسلها، أما بول الصبي فإنه يشق غسله، ولهذا اكتفي بالنضح. وقيل: أن بول الجارية فيه يعني شيء من الحرارة، بخلاف بول الصبي. فالمهم أن الشرع فرق بين بول الصبي الغلام وبين بول الصغيرة والجارية الصغيرة، هذا إذا كان لا يأكل الطعام، أو كان يأكل شيء يسير؛ يعني تعرفون الصبي إذا بلغ سنة أو نحوها يبدأ يأكل شيء من الطعام قليل، لكن الاعتماد على الرضاع، الاعتماد على الرضاع، مثل هذا يبقى حكما نضح ورش، أما إذا اعتمد على الطعام، وهذا غالبا يكون قرب السنتين أو بعدها، فهنا يكون حكم بوله كحكم الكبير، أنه يغسل، إذا كان يأكل الطعام فحكم بوله حكم بول الكبير، فيجب غسله. صلى الله وسلم على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.