الدرس في مسائل في الصيام 1، ألقاها الشيخ أبو يوسف عبد المجيد الشحري
يهنئ المسلمين بقدوم رمضان ويشرح أحكام الصيام ووجوبه كركن من أركان الإسلام. فرض صيام رمضان في السنة الثانية للهجرة.
يجب الصيام على كل مسلم عاقل بالغ قادر مقيم وخال من الموانع. يُستثنى الكافر والصبي حيث لا يجب ولا يقبل الصيام منهما.
يستحب تعويد الصبي على الصيام عند الاستطاعة، ويجب عند البلوغ الذي يكون بخمس عشرة سنة أو بعلامات معينة. العقل شرط لصحة التكليف.
ينتهي الحديث بالصلاة على النبي محمد وآله وصحبه، مما يظهر التقوى والاحترام. يُعتبر هذا الختام دعاءً وتأكيداً على أهمية الصلاة على النبي.
الحمد لله رب العالمين، الصلاة والسلام على أشرف الخلق والمرسلين، نبينا محمد، على آله وصحبه أجمعين. أما بعد، فبادئ ذي بدء نهنئ آباءنا وإخواننا وأبناءنا وسائر المسلمين بقدوم شهر رمضان المبارك في هذا العام، عام 1442 من الهجرة. ونسأل الله جل وعلا أن يجعله شهر خير وبركة ومغفرة ورحمة، ونسأله سبحانه أن يطيل في أعمارنا حتى يبلغنا إتمامه وإكماله، ويوفقنا جل وعلا لصيامه وقيامه وإعمار أوقاته، وأن يجعلنا جل وعلا فيه من عتاقائه من النار. وإن هذا من نعمة الله جل وعلا ومن فضله سبحانه وإحسانه أن وفقنا لإدراك هذا الشهر، وأطال في أعمارنا حتى بلغنا إياه، فهذه نعمة تحتاج إلى شكر، ومنه تحتاج إلى مقابلة بإحسان، واستغلال هذا الشهر في طاعة الله جل وعلا وفيما يحبه جل وعلا ويرضاه. فكم من أناس كانوا يتمنون إدراك هذا الشهر وبلوغه، فحال بينهم وبين بلوغه هادم اللذات ومفرق الجماعات. من الله عز وجل عليك وأطال عمرك حتى أدركته، فاستغل هذه النعمة، وكذلك أعمر أوقاتك في طاعة الله جل وعلا. أيها الإخوة الأفاضل، سيكون مجلسنا في مثل هذا اليوم وهذا الوقت في ذكر شيء من أحكام الصيام. وسنذكر هذه الأحكام على صورة مسائل والجواب عنها. ومعلوم أن طلب العلم منه ما هو واجب، أي فرض عين على كل مسلم أن يتعلمه، ومنه ما هو فرض كفاية. فما كان من الأمور التي يتعين على المسلم أن يتعلمها، كأركان الإسلام، كالشهادتين والصلاة والصيام والزكاة والحج، فهذه من فروض الأعيان التي يجب على المسلم أن يتعلمها وأن يتفقها فيها حتى يؤديها على وجه الأكمل الذي يحبه الله جل وعلا ويرضاه. وما كان سوى ذلك، فهو من فروض الكفايات. فبهذا نعلم أن التفق في أحكام الصيام يعتبر من العلم الواجب الذي يجب على المسلم أن يتعلمه وأن يتفقها فيه. قال النبي صلى الله عليه وسلم: «طلب العلم فريضة على كل مسلم». فمن هذه المسائل مسألة، وهي: متى فرض صيام رمضان؟ والجواب: أنه فرض في السنة الثانية من الهجرة. فرض صيام رمضان في السنة الثانية من الهجرة، وصام النبي صلى الله عليه وسلم تسع رمضانات، وتوفي عليه الصلاة والسلام في ربيع الأول من سنة إحدى عشر من الهجرة. إذن فرض الصيام كان في السنة الثانية. وتأتي مسألة، وهو: هل كان هناك شيء فرض صيامه قبل رمضان؟ والجواب: نعم، فرض قبل صيام رمضان صيام عاشوراء في السنة الأولى من الهجرة. لما قدم النبي عليه الصلاة والسلام إلى المدينة، ووجد اليهود يصومون العاشر من محرم، فسأل عن ذلك، فقالوا: إنه اليوم الذي نجى الله عز وجل فيه موسى وقومه، فصامه موسى شكرا لله، فنحن نصومه. فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «نحن أولى بموسى منكم»، فصامه وأمر بصيامه، أي صار صيام عاشوراء فرضا واجبا، صار فرضا واجبا. ثم لما فرض صيام رمضان في السنة الثانية من الهجرة، نسخ وجوب صيام عاشوراء، وصار صيام عاشوراء مستحبا، من شاء صامه ومن شاء أفطره. مسألة، وهو: ما حكم صيام رمضان؟ الجواب: أن صيام رمضان واجب وفريضة من الفرائض، بل ركن من أركان الإسلام. قال الله جل وعلا: ﴿يا أيها الذين آمنوا كتب عليكم الصيام كما كتب على الذين من قبلكم لعلكم تتقون﴾. وفي الصحيحين، من حديث عبد الله بن عمر رضي الله تعالى عنهما، قال النبي صلى الله عليه وسلم: «بني الإسلام على خمس: شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، وصوم رمضان، وحج البيت لمن استطاع إليه سبيلا». وهكذا أيضا في حديث طلحة بن عبيد الله في الصحيحين كذلك الأمر بصيام رمضان، فقال الأعرابي: هل علي غيرها؟ قال النبي عليه الصلاة والسلام: «لا، إلا أن تتطوع». فهذه الأدلة تدل على وجوب صيام رمضان وأنه ركن من أركان الإسلام. فمن جحد وجوب صيام رمضان، قال: صيام رمضان ليس بواجب، لا يجب الصيام، فهذا كافر، هذا كافر خارج عن ملة الإسلام، لماذا؟ لأنه أنكر أمرا معلوما من الدين بالضرورة. فوجوب صيام رمضان أمرا معلوما، ما يجهله الكبير ولا الصغير. فكون الإنسان يجحد وجوب الصيام يعتبر بذلك كافرا. وأما إن ترك الصيام تكاسلا، يقول: أنا أعلم أن الصيام واجب، ولكن لعل الله أن يهديني، فيفطر متعمدا ولا يصوم، فهل هذا يكفر؟ الجواب: لا يكفر، لكنه مرتكب لكبيرة من كبائر الذنوب، وهو على خطر عظيم. في حديث أبي أمامة في السنن، أخبر النبي عليه الصلاة والسلام أنه أتى على أقوام معلقين بعراقيبهم، أي بأرجلهم، تسيل أشداقهم دما. فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «ما هؤلاء؟» فقيل: يا رسول الله، هؤلاء الذين يفطرون قبل تحلة صومهم. هؤلاء يعذبون ويعاقبون بأنهم يفطرون قبل وقت الإفطار، معناه أنهم يصومون لكن يتعجلون في الفطر، يفطرون قبل غروب الشمس، فيعاقبون بهذه العقوبة. فكيف بمن لا يصوم بالكلية؟ إذا كان هذا العقاب وهذا العذاب في حق من يصوم، لكنه لا يصوم صوما صحيحا، فيتعجل الفطر ويفطر قبل وقت الإفطار، فكيف بمن يترك الصيام من أصله؟ لا شك أن ذنبه أعظم وأن جرمه أكبر، وعقوبته كذلك أشد. فلذلك يحذر المسلم من التساهل والتكاسل عن أداء هذا الواجب وهذه الفريضة. وما هي إلا أيام معدودة. الله عز وجل يقول: ﴿أياما معدودات﴾. أيام معدودة، الله عز وجل من رحمته ما فرض علينا أن نصوم ستة أشهر، نصف السنة، ولا خمسة أشهر، ولا ثلاثة، ولا اثنين، بل شهر واحد، شهر من اثني عشر شهرا، هذا شيء قليل. لهذا قال الله عز وجل: ﴿أياما معدودات﴾. ما هي إلا ثلاثون يوما أو تسعة وعشرون يوما. فكيف بعد ذلك يتكاسل المسلم ويتقاعس عن أداء هذه الفريضة وهذا الواجب؟ مسألة: على من يجب صيام رمضان؟ من الذي يجب عليه أن يصوم؟ الجواب: يجب صيام رمضان على كل مسلم، عاقل، بالغ، قادر، مقيم، خال من الموانع. يجب الصيام على كل مسلم، فيخرج بذلك الكافر، فالكافر لا يجب عليه الصيام، بل لا يقبل منه لأنه كافر، والكفر مانع من موانع قبول الأعمال. قال الله جل وعلا: ﴿وما منعهم أن تقبل منهم نفقاتهم إلا أنهم كفروا بالله ورسوله﴾. فالكافر لا يصح منه الصيام، لو قال كافر يهودي أو نصراني أو غير ذلك من ملل الكفر: أنا سأصوم مع المسلمين، نقول: لا، ما يصح منك الصيام ولا يقبل منك، أولا أسلم، أسلم ثم صم، أما أنت صوم وأنت كافر فلا. فالصيام إنما يجب على المسلمين، فالله عز وجل يقول: ﴿يا أيها الذين آمنوا﴾، فالخطاب للمؤمنين. فيخرج بذلك غير المؤمنين كالكافرين. وهل هو مخاطب بالصيام الكافر؟ هل يخاطب بالصيام والصلاة وغيرها من فرائض الإسلام؟ الجواب: نعم، هو يخاطب بها ومأمور بها، بدليل أنه يعاقب يوم القيامة على تركها. قال الله عز وجل: ﴿ما سلككم في سقر* قالوا لم نك من المصلين ولم نك نطعم المسكين وكنا نخوض مع الخائضين وكنا نكذب بيوم الدين حتى أتانا اليقين﴾. فأخبروا أن من أسباب عذابهم ودخولهم النار أنهم لم يكونوا من المصلين ولم يكونوا يطعموا المسكين، أي يتصدقون ويزكون، فعوقبوا بسبب ذلك. فإن قال قائل: هم إنما دخلوا النار بسبب كفرهم وتكذيبهم بيوم الدين، وهذا وحده كاف في دخولهم النار. فالجواب: أنهم إن لم يكونوا قد عذبوا ودخلوا النار بسبب تركهم للصلاة والزكاة، لكان ذكرهما في هذا الموضع لغوا ينزه عنه كلام الله جل وعلا. هم ذكروا من الأسباب ترك الصلاة وترك الزكاة والتكذيب بيوم الدين، هذه كلها أسباب أوجبت عليهم دخول النار. دل هذا على أنهم مخاطبون بهذه الفرائض والواجبات، ويعذبون على تركها يوم القيامة، لكنهم لا تقبل منهم لو فعلوها حال كفرهم، حتى يسلموا. إذا لابد في وجوب الصيام أن يكون الصائم مسلما. كذلك أيضا أن يكون هذا المسلم أن يكون بالغا. أن يكون بالغا، فبهذا يخرج الصبي، الصبي لا يجب عليه الصيام، هو من كان دون سن البلوغ. والدليل: قال النبي عليه الصلاة والسلام: «رفع القلم عن ثلاثة: المجنون حتى يفيق، والصبي حتى يحتلم، والنائم حتى يستيقظ». رواه أهل السنن من حديث ابن عمر وعائشة رضي الله تعالى عنهم. إذن الصبي مرفوع عنه القلم، فلا تجب عليه سائر الواجبات والتكاليف، ومنها الصيام. لكن يستحب لوليه أن يأمره بالصيام إذا استطاع وأطاق. متى ما استطاع أن يصوم فإنه يأمره بالصيام حتى يتعود على هذه العبادة والطاعة. ولم يجعل الشرع للصيام سنا معينا يؤمر فيه الصبي، بخلاف الصلاة، في الصلاة أمر الشرع أن يؤمر الصبي بالصلاة في السن السابع، وأن يضرب عليها في السن العاشر. لكن في الصيام لم يجعل سنا معينا. إذن نقول: متى استطاع وقدر على الصيام فإنه يؤمر به ويعود عليه. لكن هل يأمره أن يصوم الشهر كله؟ لا، لا يلزم ذلك. يصوم يوما ويفطر يوما أو يومين وهكذا حتى يتعود على الصيام. لكن إذا قارب سن البلوغ، بلغ سن العاشر فما بعد سن العاشر، فهنا إن أطاق الصيام وهو في الغالب أنه يطيقه، فيأمره به لأنه قد قارب سن البلوغ، حتى يتعود على هذه العبادة وهذه الطاعة. وهكذا كان الصحابة رضوان الله عليهم يصومون صبيانهم لما فرض صيام عاشوراء. في حديث الربيع بنت معوذ في الصحيح: قالت: «كنا نصوم صبياننا، ونعطيهم اللعبة من العهن -أي القطن- إذا بكى أحدهم على الطعام، نعطيه اللعبة من العهن فيله بها حتى يأتي وقت الإفطار». لكن عاشوراء كما نعلم هو يوم واحد، بخلاف رمضان فهو أيام، فلهذا كما قلنا يجعله يصوم أياما ويفطر أياما حتى لا يشق عليه. وفي صحيح البخاري معلقا: أن عمر رضي الله عنه جاء له رجل يسكره في نهار رمضان، فجعل يضربه ويقول له: «تفطر، وصبياننا صيام! تفطر، وصبياننا صيام!». هذا كما سمعنا أنهم كانوا يعودون أبناءهم على الصيام. فإذا بلغ الصبي وجب عليه الصيام إذا بلغ الصبي. ومتى يبلغ؟ الجواب: يبلغ بأحد ثلاث علامات: الأولى بلوغ خمس عشرة سنة، إذا بلغ عمره خمس عشرة سنة صار بذلك بالغا. العلامة الثانية ظهور الشعر الخشن في العانة. والعلامة الثالثة الاحتلام. هذه العلامات الثلاث يجتمع فيها الذكر والأنثى، وتزيد الأنثى بعلامة رابعة، وهي خروج دم الحيض. خروج دم الحيض، هذه العلامات هل يشترط أن تجتمع حتى يصير بالغا؟ الجواب: لا، لو ظهرت علامة واحدة من هذه العلامات صار بالغا، ووجب عليه الصلاة والصيام وسائر الواجبات والفرائض. فلو أن الصبي احتلم في السن الثاني عشر، ولد صبي صغير بلغ السن الثاني عشر فاحتلم، صار بهذا بالغا، ووجب عليه أن يصوم، ووجب عليه الصلاة، فلا يفرط في تركها. كذلك أيضا الأنثى، لو أن جارية بلغت السن الثاني عشر فحاضت، أصبحت بهذا بالغة، ووجب عليها الصيام والصلاة، أي بعد زوال الحيض، ولا يجوز لها أن تترك الصلاة أو الصيام، أو أن تصوم وهي حائض، ربما بسبب صغر سنها، ولا تريد أن يعلم أحد أنها قد حاضت، فتصوم وهي حائض، أو كذلك أيضا تتحرج من تركها للصلاة، لو أن مثلا قامت تصلي مع أمها وأخواتها وهي حائض، فتقوم تصلي وهي حائض، هذا لا يجوز. إذا حاضت وجب عليها ترك الصلاة والصيام كما سيأتي. وأصبحت بهذا مكلفة، يجب عليها أن تصوم إذا زال الحيض وطهرت منه. إذن نعلم من هذا أنه لا يشترط في هذه العلامات أن تجتمع، بل إذا وجدت علامة واحدة من هذه العلامات صار الصبي والجارية بذلك من أهل البلوغ وممن يجب عليهم الصيام. كذلك أيضا مما يجب بصيام رمضان العقل، أن يكون هذا المسلم بالغا عاقلا. أن يكون عاقلا، فخرج بهذا المجنون، المجنون لا يجب عليه الصيام، لقول النبي عليه الصلاة والسلام: «والمجنون حتى يفيق». أي من جنونه. فإذا أفاق، كأن يكون جنونه مؤقتا، يجن أحيانا أو أياما ويعقل أياما، فإذا عقل وزال جنونه في بعض الأيام وجب عليه الصيام. وأما في حال جنونه فإنه لا يجب عليه الصيام. ويلحق بالمجنون المعتوه والمخرف، المعتوه الذي عنده خلل في عقله، والمخرف من زال عقله بكبر السن، فهؤلاء لا يجب عليهم الصيام، ولا يجب كذلك عليهم إطعام ولا فدية ولا شيء، لأنهم ليسوا من أهل الوجوب. وبقية الشروط التي يجب فيها الصيام نذكرها إن شاء الله في مجلس آخر. إلى هنا، وصلى الله وسلم على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.