كتاب الإيمان 53

كتاب الإيمان 53

الدرس في كتاب الإيمان 53، ألقاها الشيخ أبو يوسف عبد المجيد الشحري

شرح حديث عبد الله بن مسعود حول أكبر الذنوب

يشرح الحديث النبوي حول أكبر الذنوب عند الله، حيث يبين أن الشرك بالله هو أكبر الذنوب. يُفصّل الشرح معنى الشرك وتفسير الآيات القرآنية ذات الصلة.

بيان أعظم الذنوب بعد الشرك بالله وتفسيرها

يعدد المقطع الذنوب الكبيرة بعد الشرك، مثل قتل الأولاد خشية الفقر والزنا بحليلة الجار، ويبين خطورة هذه الأفعال وعقوبتها.

تحريم الزنا بامرأة الجار وعقوبته الشديدة

يشرح خطورة الزنا بامرأة الجار وانتهاك حرمة الجار، ويبين العقوبة الشديدة المترتبة على هذا الفعل يوم القيامة.

عقوبة الشرك وأهمية التوبة والرجوع إلى الله

يشرح عقوبة الشرك يوم القيامة ويبين أهمية التوبة والرجوع إلى الله لتلافي هذه العقوبة، حيث يُغفر الذنب لمن تاب واستغفر وأصلح عمله.

التفريغ النصي الكامل

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسوله، نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين. أما بعد، قال الإمام مسلم بن الحجاج النيسابوري القرشي رحمه الله في صحيحه، بكتاب الإيمان: حدثنا عثمان بن أبي شيبة وإسحاق بن إبراهيم، قالا: أخبرنا جرير، عن منصور، وهو ابن المعتمر، عن أبي وائل، وشقيق بن سلمة، عن عبد الله بن مسعود، قال: سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم: أي الذنب أعظم عند الله؟ قال: «أن تجعل لله ندا وهو خلقك». قلت: إن ذلك عظيم. قال: ثم أي؟ قال: «ثم أن تقتل ولدك مخافة أن يطعم معك». قلت: ثم أي؟ قال: «ثم أن تزاني حليلة جارك». حدثنا عثمان بن أبي شيبة وإسحاق بن إبراهيم جميعا، عن جرير، قال عثمان: حدثنا جرير، عن الأعمش، عن أبي وائل، من الذي تابع الأعمش بالغاية الغولة؟ قال: منصور، في رواية الأولى، عن الأعمش، عن إبراهيم، وهنا الأعمش، عن إبراهيم. فيقول منصور متابع الأعمش في الرواية عن إبراهيم. هذه المتابعة تسمى متابعة قاصرة أو متابعة تامة. قاصرة أو تامة، تسمى متابعة. ما يحدث؟ أنت لم تستمع من ذلك؟ لا يحدث، ما يحدث؟ أي شيء يحدث عن إبراهيم؟ إبراهيم هؤلاء؟ منصور إلا حدثنا جرير عن إبراهيم؟ المصور على البيان في سند الأول تتعلم؟ معنى ذلك، وفي السند الثاني هل للأعمش على البيان؟ هذه المسائل من الخاصة، ولي ما؟ نعم، منصور تابعه، نعم، منصور تابعه، هل هي متابعته؟ نعم، لماذا؟ لأنه في شيخ نفس الشيخ، نعم، منصور تابع الأعمش في الرواية عن أبي وائل، أول الأعمش تابعه عن منصور، يسمى متابعة تامة، لأن في شيخ كلاهما روى عن أبي وائل، يسمى متابعة تامة. فإن كانت في شيخ الشيخ في المنقول، فالمتابعة قاصرة. قال: «أي الذنب أعظم عند الله؟ قال: أن تدعو لله ندا وهو خلقك». قال: ثم أي؟ قال: «أن تقتل ولدك مخافة أن يطعم معك». قال: ثم أي؟ قال: «أن تزاني حليلة جارك». فأنزل الله عز وجل التصديق، ﴿وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ وَلَا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَلَا يَزْنُونَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَامًا﴾. هذا الحديث، حديث عبد الله بن مسعود، رضي الله تعالى عنه، أن النبي عليه الصلاة والسلام سئل: أي الذنب أعظم عند الله؟ يعني على جهة الإطلاق، أي الذنب أعظم عند الله على جهة الإطلاق؟ فقال النبي عليه الصلاة والسلام: «أن تجعل لله ندا وهو خلقك»، ندا، وهو خلق، ندا، المثل والنظير، يقال: كلان مثل كلان، ونظيره. فمن اتخذ إلها مع الله، فصرف له العبادة من غير الله، من شجر أو حجر أو شمس أو قمر أو نبي أو ولي أو غير ذلك، فقد جعله ندا لله، جعله ندا لله. والله عز وجل يقول: ﴿فَلَا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَادًا وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾. والله عز وجل يسأل: هل لله ند ونظير؟ هل تعلم له سميا؟ يعني من يساميه، ومن يماثله؟ ولم يقل: له كفوا أحد، يعني من يكاثره ويماثله؟ ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾. فاتخاذ الأنداد مع الله جل وعلا، هذا من أعظم الذنوب، من الشرك بالله، على جهة الإطلاق، ليس هناك أعظم من الشرك بالله، ليس هناك أعظم من الشرك بالله، الذي يشرك بالله جل وعلا، وإن عبد الله، وإن عمل صالحا، فهو أعظم ذنبا ممن زنى أو سرق أو أكل الربا أو قتل النفس التي حرم الله. فذنب أعظم، أي الذنب أعظم؟ قال: «أن تجعل لله ندا وهو خلقك». هذه جملة حالية، والحالة أنه هو الذي خلقك وأوجدك، فهو الذي يستحق أن يعبد، أن تصرف له العبادة، وليس هناك خالق غير الله، الله الذي خلقك وأوجدك، ورزقك، وأنعم عليك بالنعم، فهو الذي يستحق أن تعبد، أن تصرف له العبادة. هذا من أعظم الظلم، هذا من أعظم الظلم، لهذا كان الشرك بالله جل وعلا من أعظم الظلم. يا أولي الألباب، ألا تشرك بالله؟ إن الشرك لظلم عظيم، ظلم عظيم. أن الله سبحانه وتعالى يوجدك في هذه الدنيا، وينعم عليك بالنعم، ويأمرك بطاعته، وعبادته، ثم تصرف العبادة لغيره، وتضع العبادة لغيره، هذا من أعظم الظلم. قال: «أن تجعل لله ندا وهو خلقك». قلت: إن ذلك عظيم. قال: «ثم أن تقتل ولدك مخافة أن يطعم معك». تقتل ولدك، خشية الفقر، وكالة الأرزاق، وخشية الجوع، كان هذا مما يقع في الجاهلية، كان هذا مما يقع في الجاهلية. فعد هذا من كبائر الذنوب، ومن أعظم الذنوب، بعد الشرك بالله، أن تقتل ولدك خشية أن يطعم معك. والله عز وجل يقول: ﴿وَلَا تَقْتُلُوا أَوْلَادَكُمْ خَشْيَةَ إِمْلَاقٍ نَحْنُ نَرْزُقُكُمْ وَإِيَّاهُمْ﴾. إن رزقهم على الله، الله عز وجل يكفل الأرزاق، أرزاق أولادك، كما أنه يرزق الآباء، فهو كذلك يرزق الأبناء. الرزق مكتوب، قال عليه الصلاة والسلام: «إن أحدكم ليجمع خلقه في بطن أمه أربعين يوما، ثم يكون علقة مثل ذلك، ثم يكون مضغة مثل ذلك، ثم يرسل إليه الملك، فينفخ فيه الروح، ويؤمر بأربع كلمات: بكتب رزقه، وأجله، وعمله، وشقي أو سعيد». يعني رزقه مكتوب في بطن أمه، على ما لا يخشى عليه الفقر، الله سبحانه وتعالى يكفل برزقه. سؤمن بالله جل وعلا، أنه يخشى القبر، من أجل الأبناء، أو كذلك أيضا، يعني يفكر في رزقهم، أو في إطعامهم. والله جل وعلا يقول: ﴿وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ إِلَّا عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا﴾. وكثير من الآيات، والله عز وجل يكفل برزق العباد، كل الدواب، ليس فقط الإنسان الذي كرمه الله سبحانه وتعالى، بل سائر المخلوقات، من إنس وجن، وحيوانات، وطيور، ودواب، وحشرات، كلها قد كفل الله برزقها. قال: «ثم أن تزاني حليلة جارك». هذا أيضا من أعظم الذنوب، بعد الشرك بالله جل وعلا، وقتل الأولاد خشية الفقر، أن يزني المرء بحليلة الجار، حليلة الجار، أي زوجته. سميت حليلة، لأنها تحل لزوجها، والذي هو جارك، أو كونها تحل له، أي تحل الجار، لأنه زوجها. فالزنا بها، وهنا أتى بهذه الصيغة: «أن تزاني حليلة جارك»، إشارة إلى وقوع الزنا برضاها، وقوع الزنا برضاها، وهذا أشد إثما، وذلك لما في ذلك من إفساد في عرض هذا الزوج، هذا الجار، وإفساد هذه المرأة على زوجها، ووقوع الزنا مع حليلة الجار، أعظم إثما من وقوعه مع غيرها، لمن هي بعيدة. وذلك أن الجار، يعني يأمن على جاره، يأمن عليه بماله، وبأهله، لما له من حق الجوار. فإذا خانه في عرضه، وارتكب الزنا بحرمته، لأن هذا يعتبر ذنبا عظيما، ثانيا كبيرا. وهذا النبي عليه الصلاة والسلام قال، كما في حديث عمرو بن العاص: «ما تكونون؟ قال: الحرام، حضر الله ورسوله». وقال عليه الصلاة والسلام: «لأن يزني الرجل بعشر نسوة، أي صغر عليه، من أن يزني بمرأة جاره». قال: فما تكونون؟ قال: الحرام، حضر الله ورسوله. قال: «لأن يزني الرجل بعشر نسوة، أي صغر عليه، من أن يزني بحديث الجار». لماذا؟ لأن الزنا، مع أن الزنا فعل واحد، الزنا فعل واحد، إذا وقع مع هذه المرأة، ومع ذلك هو زنا، وظنه واحد، لكن يعظم الإثم، لعظم حق الجار، ولما كان فيه انتهاك لحرمة الجار، وبعرض الجار، ولحق الجوار، كان إثمه أعظم، يعني الزنا بامرأة جاره، أي صغر عليه، ولو زنى بعشر نسوة، مع كونه زنا، وخبث من جملة الذنوب، ومع ذلك فهو أخف عليه، من أن يزني بامرأة جاره. فالإثم مع الجار أعظم، الإثم مع الجار أعظم. وهذا عذر من أعظم الذنوب، عذر من أعظم الذنوب. قال: فأنزل الله عز وجل تصديق ذلك، يعني في بيان أن هذه الأمور الثلاثة من أعظم الذنوب. قال: ﴿وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ﴾، هذا أول هذه الثلاث، أعظم الذنوب، التي أطلق الله، وهو الشرك بالله. ﴿وَلَا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ﴾، وهذا الذنب الثاني، وهو قتل النفس. ﴿وَلَا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ﴾، يعني إذا كان بحق، فليس عليهم شيء، القتل بحق، ليس عليهم شيء، كما زنى المحصن، فإنه يرجم حتى الموت، هذا قتل بحق، أو من قتل قصاصا، لأنه قتل نفسا معصومة، فهذا قتل بحق، أو قتل من أراد أن يقتله، وأن يعني يعتدي على نفسه، وما استطاع دفعه إلا بالقتل، فهذا قتله بحق، أو كذلك جاء في سبيل الله، قتل أعداء الله، الكفار، والمعتدين، والظالمين، فهذا قتل بحق. فالذي يقتل نفسا، ويكون كبيرا، كبائر الذنوب، قتل النفس، إلا بحق، ليس له حق بقتلها. قال: ﴿وَلَا يَزْنُونَ﴾، هذا الثالث من أعظم الذنوب، الزنا. ذكر الله عز وجل هذه الثلاث الذنوب في هذه الآية، ثم رتب عليها العقوبة الشديدة. قال: ﴿وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَامًا يُضَاعَفْ لَهُ الْعَذَابُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَيَخْلُدْ فِيهِ مُهَانًا﴾. قيل: أثاما، يعني ذنوبا. وقيل: أثاما، أي عقابا. وقيل: أثاما، أي جزاء. يعني جزاء فعله لهذه الكبائر المعاصي. وقيل: أثاما، وأثاما، من جهنم. كما جاء في حديث النبي عليه الصلاة والسلام. فالمهم أنه إذا فعل شيئا من هذه الكبائر، فهو معرض للوعيد، لهذه العقوبات، ويحذر قد وقع في ذنب عظيم، وفي ذنب كبير. يضاعف له العذاب، يضاعف له العذاب، يوم القيامة، ويخلد فيه مهانا، يعني ذليلا حقيرا. إلا ما تاب، كما في آخر الآيات، فنلجئ إلى الله، ونستغفره، ونتهجد بعبادته، ونلجئ إلى الله، ونستغفره، ونتهجد بعبادته. والحديث يدل على أن الشرك لله أعظم الذنوب، وأنه أعظم الذنوب. والمراد بالشرك الأكبر، إنه يخرج عن اسم الإيمان، ويخرج عن اسم الإسلام. وأما غيره من كبائر الذنوب، فإنه يكون مسلما، نأمل إسلامه، مع بس الإيمان، ويخلص إيمانه، ويطهر عمله، ويتوب إلى الله، ويستغفر الله، ويعود إلى الله، ويتوب توبة نصوحا.