الدرس في كتاب المساجد ومواضع الصلاة 6، ألقاها الشيخ أبو يوسف عبد المجيد الشحري
نهى النبي عليه الصلاة والسلام عن بناء المساجد على القبور وعن الصلاة إليها أو عليها، وأخبر أن من يفعل ذلك هم شرار الخلق عند الله يوم القيامة.
يؤكد الحديث أهمية الدعوة إلى التوحيد والتحذير من الشرك، ويحذر النبي صلى الله عليه وسلم من اتخاذ قبور الأنبياء والصالحين مساجد.
يُبين أن منزلة الخلة أعلى من المحبة، ويُشير إلى أفضلية أبي بكر رضي الله عنه بين الصحابة، حيث كان المرشح لخلافة النبي عليه الصلاة والسلام.
الحمد لله رب العالمين، الصلاة والسلام على أشرف الخلق والمرسلين، نبينا محمد، على آله وصحبه أجمعين. أما بعد، قال إمام دار الهجرة مالك بن أنس، وإمام مصر بن الحجاج أبو الحسين مسلم بن الحجاج القشيري رحمه الله في صحيحه: حدثني زهير بن حرب وأبو خيثمة، قالا: حدثنا يحيى بن سعيد، قال: حدثنا هشام، عن عروة، قال: أخبرني أبي، عن عائشة: أن أم حبيبة وأم سلمة ذكرتا كنيسة رأينها بالحبشة فيها تصاوير لرسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إن أولئك إذا كان فيهم الرجل الصالح فمات، بنوا على قبره مسجدا، وصوروا فيه تلك الصور، أولئك شرار الخلق عند الله يوم القيامة». قال: وحدثنا أبو بكر بن أبي شيبة وعمر الناقد، قالا: حدثنا وكيع، قال: حدثنا هشام، عن عروة، عن أبيه، عن عائشة: أنهم تذاكروا عند رسول الله صلى الله عليه وسلم في مرضه، فذكرت أم سلمة وأم حبيبة كنيسة رأينها بالحبشة، ثم ذكر نحوه. في هذا الحديث ذكر أم عائشة رضي الله عنها، أن أم حبيبة وأم سلمة ذكرتا للنبي عليه الصلاة والسلام الكنيسة التي رأيناها بالحبشة. والكنيسة هو معبد النصارى العام، كالمسجد للمسلمين، يسمى كنيسة. والصومعة هو المعبد الخاص الذي يتعبد فيه الراهب من النصارى. رأينا في هذه الكنيسة صورا، فأخبرنا النبي عليه الصلاة والسلام بذلك، فأخبر النبي عليه الصلاة والسلام أن هؤلاء القوم كان إذا مات فيهم الرجل الصالح، بنوا على قبره مسجدا، وصوروا تلك الصور. ثم قال: «أولئك شرار الخلق عند الله»، يعني الذين يبنون المساجد على القبور. فدل هذا الحديث، وما سيأتي بعده من الروايات، على تحريم البناء على القبور، وتحريم بناء المساجد عليها. لا يجوز بناء مسجد على قبر، لأن المقبرة ليست موضعا للصلاة والعبادة. ولذلك نهى النبي عليه الصلاة والسلام عن الصلاة في المقابر أو عند القبور، قال عليه الصلاة والسلام: «لا تصلوا إلى قبر، ولا تصلوا على قبر». وفي حديث ابن عباس في الطبراني، وحديث جابر في مسلم: «لا تصلوا إلى القبور، ولا تجلسوا عليها». لماذا؟ لأن الصلاة في المقبرة ذريعة إلى الشرك في عبادة الله، أن يقصد هذا المصلي صاحب القبر، ويتقرب إليه بهذه العبادة والطاعة، فيقعوا في الشرك الأكبر. فلذلك نهى النبي عليه الصلاة والسلام عن الصلاة في المقبرة، أو عند القبر. وكذلك أيضا بناء المسجد يبنى المسجد وسط المقبرة، كما يفعل بعض المتصوفة، ومن غلا في القبور وأصحابها، يبنون المسجد وسط المقبرة، هذا لا يجوز. لهذا نهينا عليه الصلاة والسلام عن ذلك، لأن هذا أيضا ذريعة إلى الوقوع في الشرك في عبادة الله. ولا يجتمع في الإسلام مسجد وقبر، إما أن يكون المحل مقبرة، وإما أن يكون مسجدا للعبادة والطاعة. أما مسجد في وسطه قبور، أو يبنى داخل المقبرة، فهذا لا يجوز في الإسلام. كما ذكر شيخ الإسلام رحمه الله، وغيرهم من أهل العلم، ولهذا ذكر شيخ الإسلام: أنه إذا بني المسجد على المقبرة، وجب هدم المسجد، لأن هذا الموضع هو حق للموتى لدفنهم في المقبرة، فيهدم المسجد. وإذا كان العكس، بني المسجد أولا، ثم أدخل فيه القبر، فإنه ينبش هذا القبر، ويوضع في مقابر المسلمين. أما أن يجتمع مسجد وقبر، فهذا لا يكون في الإسلام. فبناء القبور على المساجد، هذا لا يجوز، هو ذريعة إلى الشرك في عبادة الله جل وعلا. وهكذا أيضا التصوير، صوروا فيه تلك الصور، عن صور الصالحين، صوروا صورهم حتى يتذكرونهم، فتنشطوا للعبادة. فنهى النبي عليه الصلاة والسلام عن ذلك، وأن هذا الفعل أيضا محرم، وهو ذريعة إلى الوقوع في الشرك في عبادة الله. قال رحمه الله: حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة وإسحاق بن إبراهيم، واللفظ لأبي بكر، قال: إسحاق أخبرنا، وقال أبو بكر: حدثنا زكريا بن عدي، عن عبيد الله بن عمر، عن زيد بن أبي أنيسة، عن عمرو بن مرة، عن عبد الله بن الحارث النجراني، قال: حدثني جندب، قال: سمعت النبي صلى الله عليه وسلم قبل أن يموت بخمس، وهو يقول: «إني أبرأ إلى الله أن يكون لي منكم خليل، فإن الله تعالى قد اتخذني خليلا كما اتخذ إبراهيم خليلا، ولو كنت متخذا من أمتي خليلا لاتخذت أبا بكر خليلا، ألا وإن من كان قبلكم كانوا يتخذون قبور أنبيائهم وصالحيهم مساجد، ألا فلا تتخذوا القبور مساجد، إني أنهاكم عن ذلك». هذا الحديث كذلك يؤكد أهمية الدعوة إلى التوحيد، والتحذير من الشرك، وأنه من أعظم الأمور التي ينبغي أن يهتم بها، وهي أساس وأصل دعوة الأنبياء جميعا. ولقد بعثنا في كل أمة الرسول أن اعبدوا الله واجتنبوا الطاغوت. والنبي صلى الله عليه وسلم مكث في مكة ثلاث عشرة سنة يدعو إلى التوحيد، ويقرر هذا الأصل العظيم قبل بقية الشرائع والفرائض والواجبات، لأهميته. وها هو قبل أن يموت عليه الصلاة والسلام بخمس، يحذر من هذا الأمر، من اتخاذ قبور الأنبياء والصالحين مساجد، وينهى عن ذلك عليه الصلاة والسلام أشد النهي. وقوله: «إني أبرأ إلى الله أن يكون لي منكم خليل»، والخليل هي مرتبة عالية من المراتب المحبة، وهي أرفع من المحبة. الخلة أرفع من المحبة، قيل: الذي يقصد إليه ولا يحتاج إلى أحد غيره. وقيل: الخلة بفتح الخاء من الحاجة. وقيل: الخلة بضم الخاء هو تخلل المودة في القلب. فهي مرتبة أرفع من المحبة، ولهذا لا يقال: النبي صلى الله عليه وسلم حبيب الله، وإبراهيم خليل الله، بل يقال: خليل الله. الله عز وجل اتخذ النبي عليه الصلاة والسلام خليلا كما اتخذ إبراهيم خليلا. فالخلة أرفع من منزلة المحبة، وفيه فضيلة لأبي بكر رضي الله عنه، وأنه أفضل الصحابة رضوان الله عليهم. فلو أراد النبي عليه الصلاة والسلام أن يتخذ خليلا لاتخذ أبا بكر. وهذا يدل على فضله رضي الله عنه، وهذا باتفاق أهل العلم وأهل السنة والجماعة: أن أفضل الصحابة هو أبو بكر رضي الله عنه. صلى الله وسلم على نبينا محمد، وآله وصحبه أجمعين.