الدرس في آداب السلام 5، ألقاها الشيخ أبو هاشم جمال بن سرور
يتناول حكم إلقاء السلام على المصلي أثناء صلاته وعلى الناس أثناء خطبة الجمعة، حيث يرى بعض العلماء استحباب إلقاء السلام على المصلي بينما يرى آخرون أنه جائز وليس مستحبًا. إلقاء السلام أثناء خطبة الجمعة يعتبر مكروهًا.
لا يجوز لمن دخل على الناس وهم يستمعون لخطبة الجمعة أن يسلم، وإن سلم فلا يرد عليه السلام. هناك خلاف حول جواز إلقاء السلام على قارئ القرآن أو المنشغل بالدعاء، حيث أجازت اللجنة الدائمة للإفتاء ذلك.
اختلف العلماء في حكم السلام على مجالس العلم، فمنهم من يرى عدم جوازه لما قد يسببه من تشويش، ومنهم من يرى جوازه إذا لم يحدث تشويشًا. المقطع ينتهي بدعاء بأن ينفع الله تعالى بما قيل والصلاة على النبي محمد وآله وصحبه.
إن الحمد لله، نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا. أما بعد، لازلنا في هذا المبحث من مباحث إلقاء السلام، وذكرنا ما يتعلق من مسائل، وكان بالأمس حديثنا حول إلقاء السلام على النساء وما يتفرع منه من تفاصيل، وهكذا إلقاء السلام على العصاة وما يحق بهم من أهل البدع، ثم كان الحديث عن السلام أو إلقاء السلام على الكفار. وأيضًا من مسائل هذا الباب، إخواني في الله، إلقاء السلام ما يتعلق بإلقاء السلام في الأمور التعبدية أو في أماكن تعبد الناس. أحيانًا يقع التعارض بين إلقاء السلام وبين تعبد الإنسان بعبادة، فما هو الحل؟ وما هو المقدم؟ وما الذي يستبعد؟ فمن هذه المسائل، إخواني في الله، إلقاء السلام على المصلي، المصلي أعني به سواء كان يصلي صلاة مكتوبة فريضة أو يصلي راتبة مندوبة. فجاء أحد الناس وسلم على هذا المصلي السلام عليكم وهو في صلاة، فما الحكم هنا؟ هل يجوز أولاً إلقاء السلام على المصليين؟ ذهب جماعة من أهل العلم إلى الاستحباب، قال يستحب، ما هناك مانع لعموم الأدلة، فالمصلي مسلم، فلا بأس أنك تدخل على المصلي تقول السلام عليكم تسلم عليه. وخاصة أن هناك أحاديث جاءت أن الصحابة كانوا يسلمون على رسول الله عليه الصلاة والسلام وهو في صلاته، كحديث ابن مسعود وغير واحد. ولهذا يقول الشيخ الألباني رحمه الله تعالى عن هذه المسألة: قال ففيه استحباب إلقاء السلام على المصلي. ثم قال في آخر بحثه، بعدما ذكر وعدد الأدلة في هذا الباب، قال وعلى ذلك فعلى أنصار السنة التمسك بها، أي التمسك بهذه السنة، كأنك تسلم على المصلي إذا صلى. لكن أكثر العلماء لا يذهبون إلى هذا، فهم يرون أن السلام على المصلي لا يصل إلى حد الاستحباب، وإنما أقصى ما يقال هو جائز، أنه جائز. فإذا دخلت لك أن تسلم، ولك أن تترك السلام. وعرجوا على مسألة التشويش وأنه إن حصل تشويش على المصلي بسلامك فلا تسلم عليه. وسأتي هذا معنى، لأن الرد على قول من على رأي الجمهور الذي يقولون أن السلام على المصلي جائز، أو من قال باستحباب السلام على المصلي. بقي الرد، كيف سيكون الرد؟ المصلي بالإجماع لا يكون الرد مخاطبة بقوله وعليكم السلام، هذا لا يجوز، وإنما رد المصلي على المسلم عليه بالإشارة، إنما يكون بالإشارة. وهذا له مبحث آخر، نجعله ونؤخره في مسألة أو مبحث رد السلام، حول التعرف على الإشارات التي جاءت بها السنة في الرد على المسلم. كذلك من إلقاء السلام ما يكون من إلقاء السلام على الناس والإمام يخطب يوم الجمعة. إلقاء السلام على الناس، رجل دخل المسجد والناس يستمعون لخطبة الإمام، هل يجوز هنا ويشرع في حق الداخل عليهم أن يسلم عليهم؟ الجواب لا، لا يشرع. وصرح العلماء أن هذا الموطن من المواطن التي يكره فيها إلقاء السلام، يكره فيها إلقاء السلام. ولهذا صرح العلماء على أن الداخل إذا دخل لا يسلم، لا يسلم، وإن سلم عليهم فلا يرد عليهم السلام، لا يرد عليه السلام. وهذا طبعًا أن تتفرع مسألة وهي حول حكم الإنصات لخطبة الجمعة. فعلى من يقول بأن الإنصات لخطبة الجمعة واجب، يرون أنك لا ترد على المسلم عليك، لا ترد عليه. ومن ذهب إلى أن الإنصات لخطبة الجمعة مستحب، يرى أنه لا بأس أن أحد الحضور يسلم، لا بأس، لا بأس في هذا الحال. وهذا ستفرع كما قلنا على حكم الإنصات لخطبة الجمعة، والصحيح أن الإنصات لخطبة الجمعة واجب، واجب. وعلى هذا فلا يجوز أن يرد عليه، إلا أن أكثر العلماء يقولون لا بأس أن نرد عليه بالإشارة، لا بأس أن ترد عليه بالإشارة. فإن دخل داخل والناس يستمعون لخطبة الجمعة، فسلم أحد القادمين السلام عليكم، فلك أن ترفع يدك، فقد تشير إلى أنك قد استمعت لسلامي. وهذا الرد منا بالإشارة. ومن أهل العلم من يرى حتى أن الإشارة ما ينبغي، ما ينبغي حتى الرد بالإشارة، لا نرد عليه بالإشارة، قال وذلك لأمور. الأمر الأول أننا لو قلنا للناس أنه إذا دخل علينا داخل ونحن ننصت لخطبة الجمعة بأن يسلم علينا، فلنا أن نرد عليه بالإشارة، قال هذا سيفتح علينا باب مشروعية إلقاء السلام، وكل من دخل سلم، وكل من دخل سلم، وكل من دخل سلم، ونشير ونشير، إذا ما نشغله. لو قلنا بجواز الرد بالإشارة سنفتح باب إلقاء السلام. لكن نقول لا، حتى الإشارة ما نرفع أيدينا، ولا نشير لأحد إذا سلم أحد. وهذا وجه صحيح. والأمر الثاني قال جماعة من العلماء: قالوا وما يدريك أن الحضور سيكتفون بالإشارة في الرد؟ بعضهم ما يعرف المسألة، فإذا دخل داخل السلام عليكم، وعليكم السلام يتلفظ، وهذا في طعن في خطبته إذا ما حكم عليه جماعة بالبطلان. لهذا قال جماعة من أهل العلم: حتى الرد بالإشارة لا يرد عليه، لا يرد عليه. فهذا الصحيح في هذه المسألة، أنه أولًا لا يشرع لمن دخل على الناس وهم يستمعون لخطبة الجمعة أن يسلم، وإن سلم عليهم فالصحيح أنه لا يرد عليهم السلام. وهل بالإشارة؟ على خلاف، والصحيح كذلك بالإشارة لا يرد عليه. لكن تأتي مسألة ينحرج منها بعض الناس، أحيانًا تبتلى ببعض المصلين يدخل عليك فيصلي بجانبك والإمام يخطب، فإذا انتهى هذا المصل من صلاته، يعني من تحية المسجد مثلًا قام، وهذا طبيعة في بعض الناس يجعلها سنة، هي ليست سنة، يسلم عن من بيمينه ويسلم عن من بيساره، فتحيل أنت بجواره، فإذا به مد يده. أنت الآن تنظر للخطيب يخطب وتنظر إلى هذا الذي أحرجت بهذا الموقف، فكيف؟ فهنا سئلت اللجنة الدائمة عن هذه المسألة، قال لا بأس أن يرد عليه بالمصافحة لا باللفظ، يرد عليه بالمصافحة لا باللفظ، قال فإذا انتهت الخطبة رد عليه باللفظ وعليكم السلام. يعني مثاله دخل في بداية الخطبة الأولى فجلس ومد يدك ومد يدك، فأنت مد يدك ثم ترك ولا تتلفظ، فإذا جلس للخطبة الأولى الجلسة بين الخطبتين قل وعليكم السلام ورحمة الله. أخر الرد باللفظ. هذا الذي أجابت به فتوى اللجنة الدائمة في حق من يحرج بمثل هذه المواقف بأن يمد يدهم مصافحة أثناء خطبة الخطيب. كذلك من المسائل المتعلقة بهذا الباب حكم إلقاء السلام على قارئ القرآن أو المنشغل بالدعاء. أحيانًا تدخل فتجد أحد الأخوة أو أحد الناس يقرأ القرآن أو أحد متضرع إلى الله بالدعاء، فهل يجوز لك أن تلقي عليه السلام في هذه الحال؟ من أهل العلم من يرى عدم الجواز، لا يجوز، وأن هذا الموطن يكره إلقاء السلام، لأن هناك من يستمسك بقاعدة وهي على أن المنشغل لا تشغله بالسلام، من كان منشغلاً بأمر ما لا تشغله بالسلام، دعه في شغله، دعه في شغله. فمن ذلك ما مضى معنا عند قضاء الحاجة، لأن كان المسلم مشغول بقضاء الحاجة فلا يسلم عنه، قد مر ذلك معنا في درس أمس. فألحق جماعة من أهل العلم كل من ينشغل بشغل، ومنهم من أدخل قارئ القرآن والداعي والمتضرع إلى الله، لا تشغلهم بالسلام، فهذا قول طائفة. وطائفة من أهل العلم يرون الجواز، طائفة من أهل العلم يرون أنه لا بأس أنك تبتدأ قارئ القرآن بالسلام. وبهذا أجابت الفتوى اللجنة الدائمة للإفتاء، إذ أنهم قالوا يجوز بدء قارئ القرآن بالسلام، يجوز بدء قارئ القرآن بالسلام، وعليه أن يرد السلام لأنه لم يثبت دليل شرعي على المنع من ذلك. فاللجنة الدائمة ترى أنه لا بأس أنك تسلم على قارئ القرآن وعلى المنشغل بالدعاء، فالأمر في ذلك واسع. كذلك من المسائل المتعلقة بإلقاء السلام إلقاء السلام في مجالس العلم. في مجالس العلم طبعًا الأصل أن المجلس تسلم على أهله، المجالس التي فيها قيل وقال ويحدثون الناس. لكن في مجالس العلم وقع نزاع بين العلماء، وقع نزاع بين العلماء هل يشرع أن تسلم عليهم أو لا؟ قد يقول قائل وما الفرق بين مجالس العلم وبين غيرها؟ هي مجالس هي مجالس الكل سواء. لا العلماء يفرقون في هذه المسألة، وجه التفريق أن مجالس العلم ليست كما قيل وقال في الناس، لأن مجالس العلم هي مجالس تحتاج إلى تركيز، تحتاج إلى انتباه، فيها إملاء فيها كتابة فيها تقييد فيها حفظ فيها تسميع. فقالوا هذه الأشياء الموجودة في مجالس العلم غير موجودة في المجالس العادية، المجالس العادية قيل وقال وأحاديث وحكايات وسمر وصديق وصاحب وزميل، أمور عادية تتكلم بها. لكن مجالس العلم ليست كذلك، فهي تحفها أشياء كلها تقوم على التركيز والانتباه. ولهذا ذهب جماعة من أهل العلم إلى عدم جواز إلقاء السلام على مجالس العلم، عدم جواز إلقاء السلام على مجالس العلم، كما صرح بذلك السفاريني رحمه الله تعالى. ومن أهل العلم من يرى جواز ذلك وأنه لا بأس أنك تسلم على من حضر مجلس العلم، كما صرح بذلك الخطيب البغدادي رحمه الله تعالى، حيث قال: وإذا دخل الطالب على الراوي إذا دخل الطالب على الراوي فوجد عنده جماعة فيجب أن يعمهم بالسلام. وشيخ بن عثيمين رحمه الله تعالى سئل عن هذه المسألة حول من حضر أو دخل على مجلس العلم هل له أن يسلم أم لا؟ فالشيخ بن عثيمين رحمه الله تعالى يرى التفصيل، قال إن كان إلقاء السلام سيحدث تشويشًا فلا يسلم، يعني تخيل الناس يكتبون والشيخ يملي وهذا يكتب وهذا يسمع فيقول السلام عليكم، فالناس يلتفتون وذاك يرد ثم يرجع ويستأنف، إذا كان هناك التشويش فلا يسلم. قال وإنما يجلس إذا انتهى به المجلس ثم يسلم إذا انتهى يسلم على الجميع السلام عليكم بعدما ينتهي المجلس. قال أما إذا كان السلام لا يحدث تشويشًا، قال كأن الناس اعتادوا على ذلك، فلا بأس أن يسلم. ونحن نعلم أن الرجل إذا دخل على مجلس فسلم على من فيه، هل ينبغي على الجميع أن يرد السلام؟ قد مر معنا أن الواحد يكفي، أن الواحد يكفي، فينتدب واحد ويرد عليه السلام. فهذا ما يتعلق، إخواني في الله، في السلام على مجالس العلم. مسألة أخيرة نختم بها هذا المقام، وهو من دخل إلى مسجد من المساجد فوجد مجلس أناس أصحابه زملائه في مكان يتكلمون يتذاكرون، فأحب أن يذهب عندهم ويجلس معهم، وهو يعرف أن من الآداب أنه سيسلم عليهم، لكن هو الآن دخل إلى المسجد، ففي ذمته تحيتان، تحية للمسجد وذلك بركعتين تحية المسجد، وتحية للقوم إذا أراد أن يذهب إليهم وهي السلام عليكم. فعنده تحية للمسجد وعنده تحية لأصحابه وليقومه ولمجلسه، فأيهما يبدأ؟ قال العلامة ابن القيم رحمه الله تعالى: قال ومن هديه صلى الله عليه وسلم أن الداخل إلى المسجد يبتدئ بركعتي تحية المسجد ثم يجيء فيسلم على القوم، فتكون تحية المسجد قبل تحية أهله. ولماذا؟ قال رحمه الله وحق الله في مثل هذا أحق بالتقديم، لأن عندك أن حقًا إما أن تؤدي حق الله بتحية المسجد أو حق القوم بالسلام عليهم، فحق الله مقدم. فمثاله دخلت أنت المسجد وهناك جماعة من أصحابك، هل تذهب إليهم وتسلم ثم تركع أم تركع ثم تذهب إليهم؟ الجواب لا، اركع ثم اذهب إليهم وسلم واجلس معهم. ويؤيد هذا المعنى ما جاء في الصحيحين من حديث المسيء في صلاته، أنه دخل المسجد فصل ركعتين ثم أتى إلى رسول الله فسلم عليهم وسلم على رسول الله عليه الصلاة والسلام. فهذه إخواني في الله مسائل سريعة متعلقة حول إلقاء السلام في مثل هذه المباحث، وهي إذا تلبث الإنسان بعبادة من العبادات فهل يشرع إلقاء السلام أم لا؟ سمعتم ما يتعلق بالخلاف المروي عند العلماء في مثل هذه المسائل. فأسأل المولى جل وعلا أن ينفعنا بما قلنا، إنه ولي ذلك والقادر عليه. وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم، والله تعالى أعلم.