من أحكام شهر رمضان  10

من أحكام شهر رمضان 10

الدرس في من أحكام شهر رمضان 10، ألقاها الشيخ أبو هاشم جمال بن سرور

شرح حديث النبي عن آداب الصيام

يتناول شرح حديث النبي صلى الله عليه وسلم عن آداب الصيام وتفسير معاني "لا يرفث" و"لا يجهل". يجب على الصائم تجنب الأفعال والأقوال السيئة.

معاني الجهل والرفث والصخب في سياق الصوم

يناقش معاني الجهل والرفث والصخب في سياق الصوم، حيث يجب على المسلم تجنب الأعمال الجاهلية والابتعاد عن الاعتداء والجفاء ورفع الصوت.

أهمية التحلي بالسكينة داخل البيوت وتقصير الأزواج

يُظهر أهمية تحلي الصائم بالسكينة وتجنب الأخلاق السيئة، ويشير إلى وجود تقصير من قبل بعض الأزواج في أداء واجباتهم داخل البيوت.

التفريغ النصي الكامل

إِنَّ الْحَمْدَ لِلَّهِ نَحْمَدُهُ تَعَالَى وَنَسْتَعِينُهُ وَنَسْتَغْفِرُهُ وَنَعُوذُ بِاَللَّهِ مِنْ شُرُورِ أَنْفُسِنَا وَمِنْ سَيِّئَاتِ أَعْمَالِنَا، مَنْ يَهْدِهِ اللَّهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِي وَمَنْ يُضْلِلْ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ وَلِيًّا مُرْشِدًا، وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلَّمَ تَسْلِيمًا كَثِيرًا. أَمَّا بَعْدُ، فَلَا زِلْنَا إخْوَانِي فِي اللَّهِ فِي طُرُقِ وَشَرْحِ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ، وَالَّذِي فِيهِ يَذْكُرُ نَبِيَّنَا صَلَوَاتُ رَبِي وَالسَّلَامُ عَلَيْهِ شَيْئًا مِنْ فَضَائِلِ أَهْلِ الصِّيَامِ. وَمَرَّ مَعَنَا مَا يَتَعَلَّقُ بِقَوْلِهِ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ: «كُلُّ عَمَلِ ابْنِ آدَمَ لَهُ»، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: «إِلَّا الصَّوْمَ فَإِنَّهُ لِي وَأَنَا أَجْزِي بِهِ، يَدَعُ طَعَامَهُ وَشَرَابَهُ وَشَهْوَتَهُ مِنْ أَجْلِي». «لِلصَّائِمِ فَرْحَتَانِ: فَرْحَةٌ عِنْدَ فِطْرِهِ، وَفَرْحَةٌ عِنْدَ لِقَاءِ رَبِّهِ». وَمَرَّ مَعَنَا مَا يَتَعَلَّقُ بِشَرْحٍ مُوجَزٍ لِهَذِهِ الْكَلِمَاتِ وَلِهَذِهِ الْمَقَاطِعِ. ثُمَّ عَرَجْنَا عَلَى الرِّوَايَةِ الْأُخْرَى، وَهِيَ كَذَلِكَ فِي الصَّحِيحِ، وَكَذَلِكَ بَعْضُهَا فِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ فِي الصِّحَاحِ، قَالَ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ: قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: «إِلَّا الصَّوْمَ فَإِنَّهُ لِي وَأَنَا أَجْزِي بِهِ، الصِّيَامُ جُنَّةٌ، فَإِذَا كَانَ يَوْمُ صَوْمِ أَحَدِكُمْ فَلَا يَرْفُثْ وَلَا يَصْخَبْ». وَمَقَامُنَا فِي هَذَا الْوَقْتِ إخْوَانِي فِي اللَّهِ يَكُونُ بِتَصْلِيقِ الْأَضْوَاءِ عَلَى هَذِهِ الْفِقْرَةِ. مَرَّ مَعَنَا مَا يَتَعَلَّقُ بِـ«الصِّيَامُ جُنَّةٌ»، وَقَوْلِ شُرَّاحِ هَذِهِ الْفِقْرَةِ: «فَإِذَا كَانَ صَوْمُ يَوْمِ أَحَدِكُمْ فَلَا يَرْفُثْ وَلَا يَصْخَبْ». وَجَاءَتْ كَذَلِكَ فِي رِوَايَةٍ لِلْبُخَارِيِّ: «فَلَا يَرْفُثْ وَلَا يَجْهَلْ». إذَنْ عِنْدَنَا ثَلَاثُ كَلِمَاتٍ: «فَلَا يَرْفُثْ وَلَا يَجْهَلْ وَلَا يَصْخَبْ». الرَّفَثُ وَالْجَهْلُ وَالصَّخَبُ هَذِهِ قَدْ جَاءَتْ فِي الْبُخَارِيِّ، وَجَاءَ كَذَلِكَ فِي مُسْلِمٍ. فَمَا مَعْنَى هَذِهِ الْأُمُورِ الثَّلَاثَةِ الَّتِي نَهَى عَنْهَا الشَّرْعُ؟ نَبْدَأُ أَوَّلًا بِالرَّفَثِ. فَقَوْلُهُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ: «فَلَا يَرْفُثْ»، «يَرْفُثُ» تُنْطَقُ بِالضَّمِّ وَتُنْطَقُ بِالْكَسْرِ: «يَرْفُثُ» وَ«يَرْفِثُ» بِالضَّمِّ وَبِالْكَسْرِ. وَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ إنَّهَا تُثْبَتُ بِالْفَتْحِ «يَرْفَثُ». وَالْمَشْهُورُ الضَّمُّ وَالْكَسْرُ «يَرْفُثُ» وَ«يَرْفِثُ». وَهُوَ مِنْ «الرَّفَثِ». وَالْعُلَمَاءُ وَالشُرَّاحُ لِهَذِهِ الْكَلِمَةِ ذَهَبُوا إلَى قَوْلَيْنِ اثْنَيْنِ يَكْتَنِفُهُمَا اللُّغَةُ. إِمَّا أَنْ «الرَّفَثَ» هُنَا بِمَعْنَى الْكَلَامِ الْفَاحِشِ الْكَلَامِ الْبَذِيءِ، وَإِمَّا أَنْ يَكُونَ الْمَعْنَى هُنَا الْجِمَاعَ. فَذَهَبَ جَمَاعَةٌ مِنْ الْعُلَمَاءِ وَالشُرَّاحِ وَرَكَّزُوا عَلَى ذَلِكَ. بَعْضُهُمْ قَالَ: وَالْمَقْصُودُ هُنَا بِقَوْلِهِ «فَلَا يَرْفُثْ» أَيْ أَنَّهُ لَا يَقُولُ الْقَوْلَ الْفَاحِشَ، لَا يَقُولُ الْقَوْلَ الْفَاحِشَ. فَعَلَى هَذَا الْمَعْنَى إذَا انْعَقَدَ الصَّائِمُ لَا يَجِدُهُ بِحَالٍ أَنَّهُ يَتَنَطَّقُ أَوْ يَتَلَفَّظُ بِالْكَلَامِ الْبَذِيءِ، بِالْكَلَامِ الْفَاحِشِ، بِكَلَامِ السَّفِيهِ السَّخِيفِ، وَخَاصَّةً إذَا كَانَ فِيهِ ذِكْرُ النِّسَاءِ وَنَحْوِ ذَلِكَ مِمَّا يَتَعَلَّقُ بِالشَّهَوَاتِ. فَالْمُسْلِمُ يَتَرَفَّعُ عَنْ ذَلِكَ. فَهَذَا هُوَ مَا يُسَمَّى بِالرَّفَثِ. وَعَلَى الْقَوْلِ الثَّانِي مِنْ الْعُلَمَاءِ مَنْ قَالَ: الْمَعْنَى هُنَا وَالْمُرَادُ بِقَوْلِهِ «لَا يَرْفُثْ» الْمَقْصِدُ الْجِمَاعُ. الْمَقْصِدُ الْجِمَاعُ كَمَا فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَمَنْ فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ فَلَا رَفَثَ وَلَا فُسُوقَ﴾. قَالُوا: هَذَا أَيْضًا هُنَا الْمَقْصُودُ بِأَنْ الصَّائِمَ لَا يَأْتِي. وَقَدْ دَلَّتْ لِدَلَالَةِ الْعَامَّةِ وَالْخَاصَّةِ عَلَى أَنَّ الصَّائِمَ يُحَرَّمُ عَلَيْهِ الْجِمَاعُ، وَأَنَّ مَنْ أَتَى أَهْلَهُ فَقَدْ فَسَدَ صَوْمُهُ، وَعَلَيْهِ الْكَفَّارَةُ الْمُغَلَّظَةُ. وَذَهَبَ جَمَاعَةٌ مِنْ الْعُلَمَاءِ وَقَالُوا: الْأَمْرُ فِي ذَلِكَ وَاسِعٌ، وَأَنَّ «الرَّفَثَ» يَدْخُلُ فِيهِ ذَاكَ وَهَذَا. أَيْ أَنَّكَ يَا عَبْدَ اللَّهِ فِي حَالِ صَوْمِكَ فَلَا تَرْفُثْ. وَمِنْ «الرَّفَثِ» أَنْ تَتَلَفَّظَ بِالْكَلَامِ الْفَاحِشِ الْبَذِيءِ، هَذَا لَا يَجُوزُ. وَمِنْ «الرَّفَثِ» كَذَلِكَ أَنْ تَأْتِيَ أَهْلَكَ. وَيُدْخَلُ كَذَلِكَ فِي «الرَّفَثِ» مُقَدِّمَاتُ الْجِمَاعِ. لَكِنَّ الْعُلَمَاءَ قَالُوا: لَكِنَّ هَذَا قَدْ اسْتُثْنِيَ بِالدَّلِيلِ. فَقَدْ جَاءَتْ الْأَدِلَّةُ عَلَى جَوَازِ مَا يَتَعَلَّقُ بِالْقُبَلِ وَالْإِيتِيَانِ أَوْ مُقَدِّمَاتِ الْإِيتِيَانِ كَالْقُبْلَةِ. فَإِنَّ ذَلِكَ لَا بَأْسَ بِهِ بِشُرُوطٍ إذَا اسْتَطَاعَ أَنْ يَتَمَالَكَ نَفْسَهُ. فَإِذَا مَعْنَى «فَلَا يَرْفُثْ» عَلَى قَوْلِ جَمَاعَةٍ مِنْ الْعُلَمَاءِ أَنَّ ذَلِكَ يَدْخُلُ فِيهِ عَدَمُ التَّلَفُّظِ بِالْكَلَامِ الْبَذِيءِ بِالْكَلَامِ السَّفِيهِ. وَقَدْ يَقَعُ ذَلِكَ مِنْ بَعْضِ الصَّائِمِينَ، لَا يُمَيِّزُ بَيْنَ رَمَضَانَ وَبَيْنَ غَيْرِ رَمَضَانَ. لَوْ رُبَّمَا إذَا أَرَادَ أَنْ يُمَرِّرَ النَّهَارَ جَلَسَ فِي الْمَلْعَبِ وَجَلَسَ عِنْدَ أَصْحَابِهِ وَالزُّمَلَاءِ فِي الْخَارِجِ مَعَ الْعَصْرِ أَوْ قَبِيلَ الْمَغْرِبِ، وَدَخَلُوا فِي أَطْرَافِ الْحَدِيثِ، وَقَدْ يَصِلُ الْكَلَامُ إلَى هَذَا الْكَلَامِ الْبَذِيءِ. وَهَذَا لَا يَجُوزُ. وَالْعِبَارَةُ الثَّانِيَةُ وَاللَّفْظَةُ الثَّانِيَةُ قَالَ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ: «وَلَا يَجْهَلْ». قَالَ الْعُلَمَاءُ: يُحْمَلُ ذَلِكَ عَلَى عِدَّةِ مَعَانٍ. فَمَعْنَى «لَا يَجْهَلْ» أَيْ لَا يَعْمَلْ عَمَلَ أَهْلِ الْجَهْلِ. لَا يَعْمَلْ عَمَلَ أَهْلِ الْجَهْلِ. وَيَدْخُلُ فِي ذَلِكَ الْعَمَلُ وَكَذَلِكَ الْقَوْلُ. أَيْ لَا يَتَصَرَّفْ كَمَا يَتَصَرَّفُ بِهِ أَهْلُ الْجَهْلِ. وَأَهْلُ الْجَهْلِ الَّذِي لَمْ يَتَرَبَّ عَلَى الْعِلْمِ الشَّرْعِيِّ، لَمْ يَتَلَقَّ الْآدَابَ وَالْأَخْلَاقَ وَمَا تَفَقَّهَ وَمَا تَعَلَّمَ لِدِينِ اللَّهِ. وَلَا شَكَّ وَلَا رَيْبَ أَنَّ الْجَاهِلَ إنَّمَا أَعْمَالُهُ مُبْنِيَةٌ عَلَى الْفَسَادِ. الْجَاهِلُ أَعْمَالُهُ مُبْنِيَةٌ عَلَى الْفَسَادِ. لِذَا لَا تَعْمَلْ عَمَلَ الْجُهَلَاءِ. كَالسَّفَاهَةِ لَا تَكُنْ سَفِيهًا كَحَالِ الْجَاهِلِ. الْجَاهِلِ الَّذِي مَا تَرَبَّى وَمَا تَعَلَّمَ يَكُونُ سَفِيهًا فِي أَفْعَالِهِ وَأَقْوَالِهِ. وَلِهَذَا الْمَعْنَى يَكُونُ الْمَعْنَى أَنَّ هَذَا أَعَمُّ مِنْ «الرَّفَثِ». وَقَوْلٌ آخَرُ مِنْ الْعُلَمَاءِ قَالَ: «لَا يَجْهَلْ» بِمَعْنَى أَنَّهُ يُخَالِفُ الْحِكْمَةَ وَلَا يَفْعَلُ الصَّوَابَ فِي أَقْوَالِهِ وَأَفْعَالِهِ. يُخَالِفُ الْحِكْمَةَ وَلَا يَقُومُ بِالصَّوَابِ فِي أَقْوَالِهِ وَأَفْعَالِهِ. تُرَى أَنَّ الصَّوَابَ فِي الْقَوْلِ وَالِاعْتِقَادِ وَالسُّلُوكِ فِي هَذِهِ الْمِنْحَةِ، فَإِذَا بِهِ يَنْحَرِفُ يَمْنَةً وَيَسْرَةً، لَا يَأْتِي بِالسَّدَادِ، لَا يَأْتِي بِالصَّوَابِ فِي أَقْوَالِهِ وَأَفْعَالِهِ. هَذَا مِنْ الْجَاهِلِينَ. فَحَذَارِي عَبْدَ اللَّهِ أَنْ تُخَالِفَ الصَّوَابَ فِي كُلِّ شَيْءٍ. وَإِنَّمَا عَلَيْك أَنْ تُسَدِّدَ وَأَنْ تُقَارِبَ. وَمِمَّنْ قَالَ: إنَّ الْجَهْلَ هُوَ كُلُّ مَا أَدَّى إلَى أَنْ تَكْتَسِبَ إثْمًا. كُلُّ مَا أَدَّى إلَى اكْتِسَابِ الْإِثْمِ فَهَذَا مِنْ الْجَهْلِ بِأَيِّ بَابٍ مِنْ أَبْوَابِ الدِّينِ. إذَا عَلِمْت أَنَّ الْفِعْلَ إنْ كَانَ هَذَا الْفِعْلُ، وَإِنْ كَانَ هَذَا الْقَوْلُ، وَإِنْ كَانَ هَذَا السُّلُوكُ يَأْتِي مِنْ وَرَائِهِ بِالْإِثْمِ، هَذَا مِنْ الْجَهْلِ. هَذَا مِنْ الْجَهْلِ الَّذِي يَجِبُ عَلَيْك أَنْ تُبْعِدَ عَنْهُ. وَبِهَذَا السَّبِيلِ سَيَبْتَعِدُ الْمُسْلِمُ لَا شَكَّ وَلَا رَيْبَ مِنْ جَمِيعِ الْآدَابِ الْمُخِلَّةِ، وَمِنْ الْأَعْمَالِ الرَّدِيئَةِ، مِنْ الْمَعَاصِي وَمِنْ الذُّنُوبِ. فَلَا يَكُنْ أَحَدٌ مِنْ الْجَاهِلِينَ. وَقَوْلٌ آخَرُ مِنْ الْعُلَمَاءِ، وَمِنْهُمْ مَنْ تَوَسَّعَ وَقَالَ: إنَّ الْجَهْلَ يَأْتِي تَارَةً يَأْتِي تَارَةً ضِدَّ الْعِلْمِ، وَيَأْتِي تَارَةً ضِدَّ الْحِلْمِ. وَهَذَا مَوْجُودٌ فِي اللُّغَةِ. فَذَهَبَ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ إلَى أَنَّ الْجَهْلَ تَارَةً يَأْتِي ضِدَّ الْعِلْمِ، وَقَدْ مَرَّ ذَلِكَ فِي الْقَوْلِ الْأَوَّلِ. «وَلَا يَجْهَلْ» أَيْ أَنَّكَ لَا تَعْمَلُ عَمَلَ الْجُهَلَاءِ مِمَّنْ لَمْ يَتَعَلَّمْ، مِمَّنْ لَمْ يَتَفَقَّهْ، مِمَّنْ وَقَعَ فِي أَعْمَالِهِ وَأَخْلَاقِهِ الْغَلَطُ وَالْخَطَأُ وَالشَّطَطُ. لَا تَعْمَلْ أَعْمَالَ الْجُهَلَاءِ لِأَنَّ أَعْمَالَهُمْ قَائِمَةٌ عَلَى ضِدِّ الْعِلْمِ. لَا تَعْمَلْ «لَا تَجْهَلْ». أَوْ أَنَّ الْجَهْلَ يَأْتِي بِمَعْنَى ضِدِّ الْحِلْمِ. فَعِنْدَنَا «الْحِلْمُ» وَضِدُّهُ «الْجَهْلُ». ضِدُّ الْحِلْمِ «الْجَهْلُ». «الْجَهْلُ» هُنَا إذَا كَانَ ضِدَّ الْحِلْمِ مَا لَهُ مِنْ مَعْنًى؟ قَالَ الْعُلَمَاءُ: إِمَّا أَنْ يَأْتِيَ بِمَعْنَى الِاعْتِدَاءِ، وَإِمَّا أَنْ يَأْتِيَ بِمَعْنَى الْجَفَاءِ. أَنْ تُبَيِّنَ فِي قَوْلِ نَبِيِّنَا عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ: «وَلَا يَجْهَلْ» أَمْرُ الْمُصَامِ أَنَّهُ لَا يَجْهَلَ فِي حَالِ صَوْمِهِ. مَا مَعْنَى الْجَهْلِ؟ قُلْنَا: مِنْهُمْ مَنْ حَاوَلَ أَنْ يَجْمَعَ الْأَقْوَالَ فِي مَعْنًى وَاحِدٍ. وَقَالَ: إنَّ الْجَهْلَ فِي اللُّغَةِ يَأْتِي تَارَةً ضِدَّ الْعِلْمِ، وَيَأْتِي تَارَةً ضِدَّ الْحِلْمِ. فَالْجَهْلُ بِمَعْنَى ضِدِّ الْعِلْمِ: أَنَّكَ تَقُومُ بِأَعْمَالٍ قَائِمَةٍ عَلَى الْجَهْلِ، عَلَى أَقَلِّ دِرَايَةٍ، عَلَى أَقَلِّ فِقْهٍ، عَلَى غَيْرِ فِطْنَةٍ لِدِينِ اللَّهِ. هَذَا وَاضِحٌ. تَعْمَلُ سُلُوكًا مُبْنِيًّا عَلَى الْجَهْلِ، هَذَا مُحَرَّمٌ. لَا تَفْعَلْ ذَلِكَ. لَا تَفْعَلْ أَعْمَالَ الْجَاهِلِينَ وَأَقْوَالَ الْجَاهِلِينَ. وَعَلَى الْقَوْلِ الثَّانِي: أَنَّ الْجَهْلَ تَارَةً يَأْتِي ضِدَّ الْحِلْمِ. «الْحِلْمُ» بِالْحَاءِ. وَإِنْ جَاءَ «الْجَهْلُ» ضِدَّ الْحِلْمِ فَهُوَ يَأْتِي عَلَى حَدِّينِ: إِمَّا أَنْ يَأْتِيَ «الْجَهْلُ» بِمَعْنَى الِاعْتِدَاءِ، وَإِمَّا أَنْ يَأْتِيَ بِمَعْنَى الْجَفَاءِ. قَالَ عَلَى مِثَالِهِ: مِثَالٌ أَنَّ «الْجَهْلَ» يَأْتِي بِمَعْنَى الِاعْتِدَاءِ. قَالَ لَكَ قَوْلَ الْقَائِلِ، وَذَلِكَ الشَّاعِرِ قَالَ: أَلَا لَا يَجْهَلَنْ أَحَدٌ عَلَيْنَا ... فَنَجْهَلَ فَوْقَ جَهْلِ الْجَاهِلِينَا «لَا يَجْهَلَنْ أَحَدٌ عَلَيْنَا». مَعْنَى «يَجْهَلَ أَحَدٌ عَلَيْنَا»: قَالَ هُنَا «الْجَهْلُ» أَتَى بِمَعْنَى الِاعْتِدَاءِ. أَيْ لَا يَعْتَدِ أَحَدٌ عَلَيْنَا. فَإِنْ وَقَعَ الِاعْتِدَاءُ مِنْهُ، فَإِنَّنَا سَنَجْهَلُ فَوْقَ جَهْلِ الْجَاهِلِينَ. فَالشَّاهِدُ قَالُوا: إنَّ «الْجَهْلَ» هُنَا أَتَى بِمَعْنَى الِاعْتِدَاءِ. وَعَلَى هَذَا الْقَوْلِ: إذَنْ الصَّائِمُ يَنْبَغِي أَنْ يُحْفَظَ صَوْمُهُ مِنْ الِاعْتِدَاءِ عَلَى حُقُوقِ الْآخَرِينَ. لَا تَتَعَدَّ عَلَى حُقُوقِ الْآخَرِينَ. إنَّمَا أَنْت فِي صَوْمِكَ يَا عَبْدَ اللَّهِ عَلَيْك أَنْ تَلْتَزِمَ بِخَاصَّةِ نَفْسِكَ. لَا تَتَطَلَّعْ إلَى أَنْ تَتَطَاوَلَ عَلَى مَا عِنْدَ الْآخَرِينَ مِنْ حُقُوقٍ. فَتَأْخُذَ مِنْ عِرْضِهِ، أَوْ تَتَكَلَّمَ فِي ذَاتِهِ، أَوْ تَتَطَاوَلَ عَلَى مَالِهِ، أَوْ تَتَطَاوَلَ عَلَى دَمِهِ وَعَلَى بَدَنِهِ. هَذَا لَا يَجُوزُ لِأَنَّ هَذَا مِنْ «الْجَهْلِ» الَّذِي أُمِرْت أَنْ تَكُفَّ عَنْهُ. لِأَنَّ مَعْنَى «الْجَهْلِ» الِاعْتِدَاءُ. أَوْ يَأْتِيَ «الْجَهْلُ» كَمَا قُلْنَا بِمَعْنَى الْجَفَاءِ. يَأْتِي بِمَعْنَى الْجَفَاءِ. قَوْلُ الْقَائِلِ قَالَ: أَحْلُمُ عَلَيْهِمْ وَيَجْهَلُونَ عَلَيَّ. أَحْلُمُ عَلَيْهِمْ وَيَجْهَلُونَ عَلَيَّ. قَالَ هُنَا «الْجَهْلُ» بِمَعْنَى الْجَفَاءِ. أَيْ أَنِّي مَعَ هَؤُلَاءِ الْخُصُومِ قَدْ يَكُونُونَ مِنْ أَقَارِبَ، قَدْ يَكُونُونَ مِنْ أَرْحَامٍ. أَنِّي أَحْلُمُ أَتَوَدَّدُ إلَيْهِمْ، أَتَقَرَّبُ إلَيْهِمْ. لَكِنَّ مَعَ هَذَا الْقُرْبِ وَالتَّوَدُّدِ مَا الَّذِي أَجِدُ؟ أَجِدُ الْجَفَاءَ. قَالَ: «أَحْلُمُ عَلَيْهِمْ وَيَجْهَلُونَ عَلَيَّ». أَيْ مَاذَا؟ يُقَابِلُونَنِي بِالْجَفَاءِ. وَعَلَى هَذَا الْقَوْلِ نَعْلَمُ أَنَّ الصَّائِمَ يُحَاوِلُ أَنْ لَا يُخَاصِمَ، أَنْ لَا يُخَاصِمَ فِي يَوْمِ صِيَامِهِ. وَأَنْ يُحَاوِلَ أَنْ يُسَدِّدَ وَأَنْ يُقَارِبَ مَعَ عِبَادِ اللَّهِ. وَسَنَأْتِي بِذَلِكَ مَعَنَا. إِنْ وَقَعَتْ عَلَيْكَ مَظْلَمَةٌ فِي يَوْمِ صِيَامِكَ يَا عَبْدَ اللَّهِ، تَرْفَعُ عَنْ الِانْتِقَامِ، تَرْفَعُ عَنْ الثَّأْرِ، تَرْفَعُ عَنْ الْمُشَاحَنَةِ. وَإِنَّمَا تَرُدُّ السَّيِّئَةَ بِالْحَسَنَةِ. يَكُونُ هَذَا حَالُكَ فِي يَوْمِ صِيَامِكَ. لِأَنَّ مَعْنَى «الْجَهْلِ»: أَنَّكَ عَبْدُ اللَّهِ تَجْفُو وَمَاذَا؟ وَتَتَعَادَى مَعَ الْآخَرِينَ. فَإِذًا هَذَا مَا يَتَعَلَّقُ بِـ«لَا يَجْهَلْ». وَكَمَا قُلْنَا مَعَانٍ كَثِيرَةٌ، وَكُلُّهَا تَرْجِعُ إلَى هَذَا الْأَصْلِ: أَنَّكَ عَبْدُ اللَّهِ لَا تَعْمَلُ عَمَلَ أَهْلِ الْجَهْلِ، وَكَذَلِكَ لَا تَتَصَرَّفُ تَصَرُّفَهُمْ. وَاللَّفْظَةُ الْأَخِيرَةُ مِمَّا جَاءَ فِي رِوَايَةِ الْبُخَارِيِّ قَالَ: «وَلَا يَصْخَبْ». «يَصْخَبْ» جَاءَتْ بِالصَّادِ، وَجَاءَتْ كَذَلِكَ هَذِهِ الرِّوَايَاتُ الْحَدِيثُ جَاءَتْ كَذَلِكَ بِلَفْظِ السِّينِ: «يَسْخَبْ». عِنْدَنَا «صَادٌ»: «يَصْخَبْ»، وَعِنْدَنَا «سِينٌ»: «يَسْخَبْ». وَقَالَ الْعُلَمَاءُ: وَالْكُلُّ بِمَعْنًى وَاحِدٍ. أَوَّلًا اللَّفْظَةُ صَحِيحَةٌ لَا غُبَارَ عَلَيْهَا. قَدْ جَاءَ هَذَا اللَّفْظُ وَجَاءَ ذَاكَ مِنْ حَيْثُ اللَّفْظِ صَحِيحٌ. وَمِنْ حَيْثُ الْمَعْنَى فَمُتَّحِدُ الْمَعْنَى مُتَّحِدٌ. وَثَمَّةَ لَفْظَةٌ ثَالِثَةٌ وَهِيَ «يَسْخَرُ». تَأَمَّلْ بَيْنَ الثَّانِيَةِ وَالثَّالِثَةِ: «يَسْخَبْ» وَ«يَسْخَرُ». مَا الَّذِي تَغَيَّرَ عَلَى الْحَرْفِ الْآخِرِ حَيْثُ قُلِبَتْ «الْبَاءُ» «رَاءً». هَذِهِ اللَّفْظَةُ «يَسْخَرُ» جَاءَ بَعْضُ الرُّوَاةِ وَالرِّوَايَةُ وَكُتُبُ الْمَسَانِيدِ وَكُتُبُ السُّنَّةِ بِإِخْرَاجِهَا. كَمَا نَقَلَ ذَلِكَ عَنْ الطَّبَرِيِّ أَنَّهُ رَوَاهَا. وَقَامَ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ بِتَصْحِيحِ هَذِهِ اللَّفْظَةِ، وَأَنَّهَا صَحِيحَةٌ، وَأَنَّ الْمَعْنَى صَحِيحٌ، وَأَنَّ الْمُسْلِمَ لَا يَسْخَرُ. وَأَنَّ السُّخْرِيَةَ تَكُونُ بِالْقَوْلِ وَالْفِعْلِ. لَكِنَّ الْمُحَقِّقِينَ مِنْ الْعُلَمَاءِ كَالنَّوَوِيِّ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى عَلَّقَ عَلَى هَذِهِ الرِّوَايَةِ وَقَالَ: إنَّهَا تَصْحِيفٌ. إنَّهَا تَصْحِيفٌ. مَا ثَبَتَ شَيْءٌ مِنْ أَلْفَاظِ الْحَدِيثِ لَفْظَةُ «لَا يَسْخَرُ». وَإِنَّمَا عِنْدَنَا «لَا يَسْخَبْ»، وَعِنْدَنَا «لَا يَصْخَبْ». هَذَا وَذَاكَ فَقَطْ. وَأَمَّا «لَا يَسْخَرُ» فَلَيْسَتْ بِثَابِتَةٍ، وَأَنَّهَا مُصْحَفَةٌ. طَيِّبٌ مَا مَعْنَى «يَسْخَبْ» وَ«يَصْخَبْ»؟ قَالَ مَعَ الْعُلَمَاءِ: «الصَّخَبُ» هُوَ رَفْعُ الصَّوْتِ، وَهُوَ الصِّيَاحُ، وَهُوَ الصَّرَاحُ. وَيَدْخُلُ فِي ذَلِكَ كَذَلِكَ الضَّجَّةُ وَالضَّجِيجُ وَإِحْدَاثُ الشَّغَبِ. كُلُّ ذَلِكَ يَدْخُلُ فِي حَقِّ الصَّائِمِ «لَا يَصْخَبْ». لَا يَكُنْ هَذَا حَالُهُ فِي نَهَارِ رَمَضَانَ. لَا تَكُنْ يَا عَبْدَ اللَّهِ صِيَاحًا أَوْ عَلَى ضَجَّةٍ أَوْ عَلَى شَغَبٍ فِي أَيِّ مَكَانٍ مِنْ مَكَانِ تَوَاجُدِكَ. فَإِنَّ «الصَّخَبَ» وَرَفْعَ الصَّوْتِ مِنْ الْأَخْلَاقِ مَاذَا؟ الرَّدِيئَةِ الَّتِي يَنْبَغِي أَنْ يَتَنَزَّهَ عَنْهَا الْمُسْلِمُ. وَقَدْ جَاءَ حَدِيثٌ وَقَوْلٌ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ: «إنَّ اللَّهَ يُبْغِضُ كُلَّ جَعْظَرِيٍّ جَوَابٍ سَخَّابٍ أَوْ سَخَّابٍ فِي الْأَسْوَاقِ». «إنَّ اللَّهَ يُبْغِضُ كُلَّ جَعْظَرِيٍّ جَوَابٍ سَخَّابٍ أَوْ سَخَّابٍ فِي الْأَسْوَاقِ». عَالِمٌ بِالدُّنْيَا جَاهِلٌ بِالْآخِرَةِ، جِيفَةٌ بِاللَّيْلِ، حِمَارٌ بِالنَّهَارِ. فَجَاءَتْ مِنْ الْأَخْلَاقِ الَّتِي لَا يُحِبُّهَا اللَّهُ هِيَ «الصَّخَبُ». وَهُنَا فَائِدَةُ هَذَا الْحَدِيثِ. نَعَمْ كَانَ الْأَلْبَانِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى يَقُولُ بِتَصْحِيحِهِ كَمَا فِي صَحِيحِ الْجَامِعِ. إِلَّا أَنَّهُ تَرَاجَعَ عَنْ تَصْحِيحِهِ، وَحَكَمَ عَلَيْهِ بِالضَّعْفِ، وَقَالَ: إنَّهُ ضَعِيفٌ. وَيُرَاجَعُ هَذَا الْمَبْحَثُ فِي «ضَعِيفِ التَّرْغِيبِ»، وَكَذَلِكَ فِي «الضَّعِيفَةِ». تَرَاجَعَ عَنْ تَصْحِيحِهِ. وَلَوْ عَلَى ضَعْفِ هَذَا الْحَدِيثِ، لَكِنَّ الْمَعْنَى صَحِيحٌ. وَلِهَذَا ثَبَتَ فِي الصَّحِيحِ، وَفِي الْأَحَادِيثِ الصِّحَاحِ: أَنَّ نَبِيَّنَا عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ كَانَ مِنْ وَصْفِهِ كَمَا فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ أَنَّهُ مَا كَانَ «بِسَخَّابٍ فِي الْأَسْوَاقِ» عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالرَّسُولُ وَالسَّلَامُ. هَكَذَا وَصَفَهُ صَلَاةُ رَبِّي وَسَلَامُهُ فِي الْكُتُبِ الْمُنَزَّلَةِ قَدِيمًا. أَنَّهُ مَا كَانَ صَخَّابًا، مَا كَانَ يَرْفَعُ صَوْتَهُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ. وَقَدْ جَاءَ الشَّرْعُ بِأَنَّ الْمُسْلِمَ يَتَخَلَّقُ بِالتَّؤَدَةِ وَالطَّمَأْنِينَةِ فِي أَفْعَالِهِ، وَكَذَلِكَ فِي صَوْتِهِ. قَالَ رَبُّنَا جَلَّ وَعَلَا: ﴿إِنَّ أَنْكَرَ الْأَصْوَاتِ لَصَوْتُ الْحَمِيرِ﴾. فَأَمَرَ رَبُّنَا جَلَّ وَعَلَا بِكِتْمَانِ الصَّوْتِ وَعَدَمِ رَفْعِ الصَّوْتِ لِأَنَّهَا أَنْكَرُ الْأَصْوَاتِ لِصَوْتِ الْحَمِيرِ. فَشَاهِدُ الْمُؤْمِنِ لَا يَرْفَعُ صَوْتَهُ. فَالْمُؤْمِنُ فِي حَالِ الصَّوْمِ يَكُونُ عَلَى سَكِينَةٍ وَعَلَى هُدُوءٍ. وَخَاصَّةً مَثَلًا، وَهَذَا يَقَعُ لِأَنَّ «الصَّخَبَ» إخْوَانِي فِي اللَّهِ يَقَعُ فِي رَمَضَانَ بِكَثْرَةٍ. لِمَاذَا؟ لِأَنَّ بَعْضَ النَّاسِ تَكُونُ أَعْصَابُهُ مُنْفَعِلَةً. انْظُرْ بَعْضٌ فِي بُيُوتِ النَّاسِ، وَخَاصَّةً مَا يَقَعُ لِأَنَّهُ يُوجَدُ تَقْصِيرٌ مِنْ الزَّوْج