شرح مسائل الجاهلية  93

شرح مسائل الجاهلية 93

الدرس في شرح مسائل الجاهلية 93، ألقاها الشيخ أبو هاشم جمال بن سرور

تحريم الفخر بالأحساب وخصال أهل الجاهلية

المقطع الأول يشرح حديث النبي صلى الله عليه وسلم الذي يحرم الفخر بالأحساب ويعتبره من خصال أهل الجاهلية المذمومة في الإسلام. هذا الفعل مذموم لأنه يتعارض مع قيم الإسلام.

معنى الفخر بالأحساب وتحذير الإسلام

الفخر بالأحساب يعني التباهي بمفاخر الآباء والأجداد، وهو عادة جاهلية ألغاها الإسلام مؤكداً أن التميز الحقيقي يكون بالتقوى. الإسلام يحذر من هذه العادة ويعتبرها مذمومة.

خطورة الافتخار وبديل التقوى

النبي صلى الله عليه وسلم حذر من الافتخار بالآباء والأحساب لأن التميز الحقيقي بين الناس يكون بالإيمان والتقوى لا بالعرق أو القبيلة أو الحسب. الناس كلهم بنو آدم وآدم من تراب.

التحذير من أفعال الجاهلية والتمسك بالتقوى

النص يحذر من أفعال الجاهلية مثل التباهي بالمظاهر الخارجية ويحث على التمسك بالتقوى والابتعاد عن عادات الجاهلية، ويتوجه إلى الله بالدعاء ليجعلنا من الذين يستمعون القول ويتبعون أحسنه.

التفريغ النصي الكامل

إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا. أما بعد، قال المؤلف رحمه الله تعالى: السابع والثمانون، الفخر بالأحساب، هذه مسألة يا إخواني في الله، وهي من خصال أهل الجاهلية، وقد دلت الأدلة التاريخية وهكذا الشرعية على أن هذه الخصلة كانت من صفات أهل الجاهلية، أنهم كانوا يتفاخرون بالأحساب. ويؤيد هذا ما جاء في الصحيح من حديث أبي مالك الأشعري رضي الله تعالى عنه قال: قال عليه الصلاة والسلام: «أربع في أمتي من أمور الجاهلية لا يتركونهن»، وذكر عليه الصلاة والسلام، وأول ما ذكر هذه الخصلة الفخر بالأحساب. وفي قوله عليه الصلاة والسلام: «أربع في أمتي من أمور الجاهلية لا يتركونهن»، فيها مسائل مهمة تفيدنا في هذا المقام، المسألة الأولى وهي المرادة هنا، أن في ذلك إخبار من نبينا عليه الصلاة والسلام أن ذلك من أعمال الجاهلية، قال: «من أمور الجاهلية»، إذن هذا المراد. لهذا أدخل المؤلف رحمه الله تعالى هذه الفعلة في مسائل الجاهلية؛ لأن نبينا حكم على أن هذه مسألة هي تعتبر من خصائصهم، وكذلك من صفاتهم وأفعالهم. الفائدة الثانية المستفادة: أن هذا السلوك منهي عنه، أن هذا السلوك وهذا الفعل وهو الفخر بالأحساب منهي عنه، ووجه الدلالة والاستفادة من أن هذا الفعل منهي عنه من قوله عليه الصلاة والسلام: «من أمور الجاهلية»، إذ أنه عليه الصلاة والسلام نسبها لأهل الجاهلية. وقد ذكر شيخ الإسلام رحمه الله تعالى في اقتضاء الصراط المستقيم، قال: أما ما كان من أمر الجاهلية، قال رحمه الله تعالى لهذه المسألة، وهي تنفعك في جميع الأحاديث والمرويات المتعلقة بالجاهلية، قال شيخ الإسلام: أما ما كان من أمر الجاهلية وفعلهم، فهو مذموم في دين الإسلام، فكل ما ثبت أنه من أمر الجاهلية ونُسب إليهم، سواء كان قولًا أو فعلًا، هذا يدلك على أنه مذموم. فهو النبي ما أراد الإخبار نعم، أراد الإخبار لكن مع حكاية النفي، فهذا الفعل ثبت عن أهل الجاهلية، وكذلك منهي عنه، فلا يجوز الفخر بالأحساب، وما كان من أمر الجاهلية تارة يكون من الكفر، وتارة دون ذلك، وتارة دون ذلك، على حسب ما تقضيه الأدلة. والفائدة الثالثة المستفادة من هذا الحديث «أربع في أمة من أمور الجاهلية» قوله: «لا يتركونهن»، فيه بيان على أن هذا الفعل سيستمر، وأن من الناس من ينتمي إلى دين الإسلام من سيقع في هذه الخصلة، من سيقع في هذه الخصلة إما أن هذا الوقوع منه يكون عن جهل، وإما أن هذا الوقوع يكون عن عمد. إما لجهله بإحكام الشريعة فيقع ذلك منه، وإما أن يكون عن عمد يعرف أن هذا لا يجوز، كحال المعاصي والذنوب الآثام، يعرف أنه لا يجوز لكن غلبت عليه الشقوة، فلا يجده لا فرار من أن يفتخر بحسبه ونسبه. وهنا قال المؤلف رحمه الله تعالى: الفخر بالأحساب، إذن علمنا أن الفخر بالأحساب من مسائل الجاهلية ومن أعمالهم، فما معنى الفخر بالأحساب؟ الفخر إخواني في الله، قال علماء: الفخر بمعنى المباهاة بالشيء، هذا الفخر المباهاة بالشيء، ومنه الافتخار، فيقال: افتخر فلان، وافتخر بمعنى تباهى، افتخر بماله أي تباهى بماله، وفعل المباهاة على هذه الصورة لا يتأتى إلا عن طريق الكبر والعظمة. فهؤلاء هم الذين يتباهون بمثل هذه المسائل، يتباهى بماله، يتباهى بجاهه، يفتخر على غيره، وكله أبهة، وكله عظمة، فهذا معنى الفخر بمعنى المباهاة. وقوله: الفخر بالأحساب، الأحساب هو جمع حسب، وما هو الحسب؟ قال علماء: معنى الحسب هو ما يعده المرء من مناقبه ومن شرف آبائه وأجداده، ما يعده المرء من مناقبه ومن شرف آبائه وأجداده هذا هو الحسب. فلان يعتمد على حسبه على مناقبه ومناقب آبائه وأجداده وسلالة أهل بيته هذا حسبه، فبجمع الكلمتين الفخر بالأحساب بمعنى التباهي بمفاخر الآباء والأجداد، هذا معنى الفخر بالأحساب التباهي بمفاخر الآباء والأجداد. وهذه الخصلة يا إخواني في الله كما سمعتم منهي عنها، ولا يجود، وكم كان العرب قديمًا يعقدون للحسب المقام الأوفى من التعظيم والتبجيل، وكانت هذه خصلة معروفة عند العرب، العرب كان الواحد منهم يميز بين فئة وبين قبيلة عن أخرى بحسبه. أنت من آل من؟ لا يسأل عن دينه، ولا عن تدينه، ولا عن أخلاقه، ولا عن سلوكه، ولا عن آدابه، أول ما يسأل حتى يميز فئة عن فئة وفلان عن فلان، يسأل عن حسبه من آل من؟ فإن ذكر له أبًا قبيلة عريقة ولها سلالة عظيمة من المفاخر أثنى عليهم خيرًا وقدمه في كل شيء. إن أراد الزواج زوج، وإن أراد الشفاعة شفع، وإن أراد مالًا أعطي، وإن أراد السيادة سود، وإن كان أجاب على خلاف ذلك فكان من قبيلة دنية في المجتمع العربي فما له إلا الهوان، إن زوج لا يزوج، وإن تكل تكل ما لا يسمع ولا يؤبه له، وإن طالب لا يعطى، لربما كان من الخيار ومن أبناء الخيار لكن ليس على حسب وليس على نسب وليس على شرف. وهذا كان من قياس العرب، كان العرب يعظمون الأحساب حتى ذكر في سيرهم أنهم كان ربما يتبارون، تُعقد مجالس يقع فيها التباري على ماذا؟ التباري على المفاخر، من يعقد من يجس هنا؟ فلان من آل فلان، ومن يباريه؟ من يتحدى؟ يأتي الرجل آخر وعلى ما تكون على التباري يكون على الحساب. أنا بن فلان من آل فلان الذين كانوا من أعمالنا كذا وكذا، من أجداد فلان وعمل فلان وعمل كذا، ويذكر من مآثر ومفاخره، ويأتي الآخر بالمثل يرد على هذا بمفاخر آبائه وأجداده، فكان ذاك الزمان عندهم الغلو العظيم بالأحساب والأنساب. فكان يتكئون عليها ويتكيلون عليها حتى قال من قام العلماء أنهم لو ربما كانوا يكثرون من ذكر هذه المسألة حتى طغى عن ذكر الله، كما ذكر بعض الشراح أنهم كانوا ربما في ميناء في مواسم الحج في ميناء وهذه الأماكن المعدة لذكر الله جل وعلا كانوا يكثرون من ذكر آبائهم وأجدادهم ومفاخرهم وسلالتهم أكثر من ذكرهم لله. هذا هو الفخر بالأحساب، جاء الإسلام وجاء نبينا صلى الله عليه وسلم وألغى هذه سنة الجاهلية، ألغى الفخر بالأحساب، وأن التميز الحقيقي لدى المسلمين إنما يكون بالتمسك بدين الله جل وعلا، «إن أكرمكم عند الله أتقاكم»، وقد حذر نبينا صلى الله عليه وسلم في الأحاديث الكثيرة الدالة على تحقيره عليه الصلاة والسلام لهذا المضمار، مضمار الفخر والتفاخر بالحسب. فقد ثبت عند أبي داود والترمذي من حديث أبي هريرة قال عليه الصلاة والسلام: «لينتهين أقوام يفتخرون بآبائهم الذين ماتوا، إنما هم فحم من جهنم، إنما هم فحم من جهنم، أو ليكونن أهون على الله من الجعل»، والجعل حشرة من حشرات دابتها أنها تلتقط ماذا؟ الغائط والبراز والنتن والروث، هذا الجعل يبعث عن هذه النفايات القذرة. فقال عليه الصلاة والسلام: «أو ليكونن أهون على الله من الجعل الذي يدهده الخراء بأنفه»، إن الله قد أذهب عنكم عبية الجاهلية وفخرها بالآباء، الإسلام ذهب بهذا كله، لا افتخار ولا انتماء ولا انتساب إلى الآباء المفضي إلى التعصب والتمييز، قال: «بالآباء إنما هو مؤمن تقي أو فاجر شقي، الناس كلهم بنو آدم وآدم من تراب، لا مزية بين عبد وبين حر وبين قبيلي وبين قبيلي». وكما قلنا وذكرنا من فوائد هذا الحديث أن هذه الظاهرة لا زالت جارية، وهذا موجود، إذ ذهبت لا تذهب بعيدًا، اذهب إلى بعض البلدان القريبة هنا وهنالك لتجد هذا التمييز العرقي والتمييز القبلي حتى أصبح وسمعنا هذا وهذا لا يخفى على بعض الناس أن ممن حضر هذه الأزمان القريبة. أن أصبح مجالات الخدمات الوطنية والخدمات التي تعطى للمواطن إنما يكون على حسب التمييز العرقي، مثلًا على التعليم، وهذا من أعظم الخدمات التي ينبغي تكون لجميع لكل الناس، التعليم الشرعي الكتاب والسنة والأذكار والأوراد وتعليم القرآن، من أراد أن ينتسب وينتمي إليه ويلتحق بها يسأل أولًا: من أنت؟ من أنت؟ فيقال: أنا من آل فلان من السادة الشرفاء ومن القبائل المعروفة المرموغة، حيّ هلا أنت من الحلقة، أنت أهل القرآن، وإن قال فلان ممن هو دون ذلك من الخدم أو من العبيد أو من الرقيق، يقول: مجالك الزراعة هناك في الجبال في سفوح الجبال والوديان، هذا محالك، وهذا مجالك، لست أهل العلم. فأصبح مضمار العلم وقس على ذلك كثير والكثير من هذه الأمور إنما يقاس فيها التمييز بماذا؟ بالأحساب، فهذا إخواني سنة جاهلية، سنة جاهلية، فإياك يا عبد الله أن تبتلى بهذا شعرت بذلك أو لم تشعر، فلا تفتخر بحسبك، لا تكن عظاميًا كما يقول علماء: العظامي هو الذي ماذا؟ ينتمي إلى العظام وإلى الرفات، أنا بن فلان بن فلان عظام على عظام. لا يا عبد الله انتسب لدينك، إنما أكرمكم عند الله جل وعلا أتقاكم، التقوى عباد الله، والفيصل من كان مؤمنًا تقيًا فحيّ هلا، ومن كان فاجرًا شقيًا فلا قربه الله جل وعلا، يذهب ويرتضي بالدنية أي يرتضيها لنفسه. أما الحسب هذا ممن ملك؟ من الذي ارتضى أن تكون على هذا الحال؟ هل هذا بقوتك ولا بقدرتك أن تكون من آل فلان؟ هذا ليس بمقدورك، وإنما ذلك بتقدير الله أن جعلك من آل فلان، فعلى ما تفتخر أنت يا من تفتخر بهذا الأنساب؟ هل هي من صنع يدك؟ أنك أنت الذي شئت أن تكون بهذه السلالة العريقة؟ لا يا عبد الله إنه بفضل من الله جل وعلا. فارجع بحمد الله سبحانه وتعالى وأن تجعل هذه السلالة تنفعك في طاعة الله، هذا الذي ينبغي، ينبغي هذا، فإذا أردت أن تفعل معصية من المعاصي قل: أعوذ بالله، أنا من آل فلان ما ينبغي، قل هذا ينفعك إذا حتى لا تدني سمعة أهلك وقريتك ومن تنتمي إليها بالمعاصي، فع ذلك، أم من تجعل على خلاف ذلك على أن تنل شيء من حظ الدنيا بأن تكون لك الأصابع ممدودة والرقاب منحنية لك؟ لا يا عبد الله كل ذلك من فعل الجاهلية. فأسأل مولاي جل وعلا أن ينفعنا بما قلنا، ونسأله سبحانه وتعالى أن يجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، إن ولي ذلك والقادر عليه، وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم، والله تعالى أعلم.