الدرس في الأرجوزة الميئية في ذكر حال أشرف البرية 129، ألقاها الشيخ أبو هاشم جمال بن سرور
نزلت آية 'اليوم أكملت لكم دينكم' في حجة الوداع يوم الجمعة على النبي صلى الله عليه وسلم وهو واقف على عرفات، وتدل على اكتمال الدين الإسلامي من حيث العقيدة والشريعة. هذه الآية تعتبر دليلاً على تمام الدين.
بعد نزول آية 'اليوم أكملت لكم دينكم'، بين الناظم معنى اكتمال الدين الإسلامي وتيسيره مقارنة بالأديان السابقة، حيث برزت نعمة التيسير في العبادات مثل الصلاة والصيام والحج. هذا التيسير يميز الشريعة الإسلامية عن غيرها.
الإسلام نعمة تشمل الجوانب الدينية والدنيوية، حيث هذب حياة المسلمين وجعلهم أمّة عزيزة. من حرم هذا الدين فقد ضيع الدينا والدين، بينما الإسلام دين رضيه الله للمسلمين. هذه النعمة تشمل مختلف جوانب الحياة.
يتضمن المقطع الأخير دعاءً بأن ينفع الله بما قيل ويجعل السامعين من المتبعين لأحسن الأقوال، ويختم بالصلاة على النبي محمد وآله وصحبه، معبراً عن الختام الدعوي للدرس.
إن الحمد لله، نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليما كثيرا. أما بعد، قال الناظم رحمه الله تعالى: وأنزلت في اليوم بشرى لكم اليوم أكملت لكم دينكم. في هذا البيت، إخواني في الله، يشير الناظم رحمه الله تعالى إلى ما له تعلق بالبيت السابق، حين أشار إلى من أعمال السنة العاشرة ما قام به نبينا صلى الله عليه وسلم من حجة الوداع، حيث قال: وحج حجة الوداع قارنة، ووقف الجمعة فيها آمنا. ثم قال: وأنزلت، أي في هذا المقام وفي هذا الزمان والمكان، أنزلت هذه الآية الكريمة: ﴿اليوم أكملت لكم دينكم﴾. وهذه الآية وهي في قول ربنا عز وجل: ﴿اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الإسلام دينا﴾، نزلت على رسول الله صلى الله عليه وسلم في حجة الوداع في السنة العاشرة، ونبينا كان واقفا على عرفات، ووافق ذلك يوم الجمعة. فقال الناظم ها هنا: وأنزلت في اليوم بشرى لكم، أي هذه من البشارات العظيمة التي يحتفي بها كل مسلم ومسلمة. ولهذا جاء في الصحيحين أن يهوديا قال: يا عمر، آية في كتاب الله لو نزلت علينا معاشر اليهود لاتخذنا هذا اليوم عيدا. فقال عمر: وأي آية؟ فقال اليهودي: هذه الآية: ﴿اليوم أكملت لكم دينكم﴾. فقال عمر رضي الله تعالى عنه: إني والله لأعلم أين نزلت ومتى نزلت، نزلت يوم الجمعة ورسول الله واقف بعرفة. فهذه الآية، إخواني في الله، من الآيات العظيمة، ومفادها في قول ربنا سبحانه وتعالى: ﴿اليوم أكملت لكم دينكم﴾، أي أكمل الله عز وجل لنا الدين، أكمله ربنا عز وجل من كل جوانبه، من حيث العقيدة ومن حيث الشريعة. فكل ما يتعلق بالعقيدة قد تم، وكل ما يتعلق بالشريعة قد كمل، ولله الحمد والمنة. وبهذا نعلم، إخواني في الله، أن الإسلام ما فيه نقص حتى يجعل لمن بعده أن يستدرك على هذا الدين بما يستدركه بالبدع والضلالات، كما يفعل كثير من الناس من الفرق والجماعات، من الفلاسفة ومن المتكلمين ومن أهل الأهواء، ممن يضيف عقيدة أو يضيف شريعة. قال العلماء كذلك في قول ربنا: ﴿اليوم أكملت لكم دينكم﴾، قيل إن من أسباب نزول هذه الآية في هذا المقام مع أنها من أواخر ما نزل، أن النبي أقام منسك الحج كما قلنا، فجميع فرائض الدين قد أقامها نبينا صلى الله عليه وسلم، فبقيت فريضة الحج، فلما أقامها عليه الصلاة والسلام انتهى الدين بكل شرائعه. وبهذا نعلم، إخواني في الله، كذلك أن سائر الملل والنحل والأديان السابقة لم تكتمل، وإنما كان فيها نقص. وهذا الذي جعل من كان من أتباعهم يريد أن ينهض بإجتهادات وبدع يضيفها إلى دينهم، كما قال ربنا: ﴿و رهباني ابتدعوها ما كتبناها عليهم﴾، فأضافوا البدع إلى أديانهم فزادوها تحريفا فوق تحريفهم. لكن هذه الملة قد حماها الله عز وجل بأن أكمل الله لنا الدين، وقال سبحانه: ﴿اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي﴾. وأي نعمة أعظم من نعمة الإسلام؟ وبهذا نعلم أن النعم التي يشكر عليها الرب سبحانه وتعالى تارة تكون نعم دينية وتارة تكون نعم دنيوية. فكل النعم تحمد وتشكر، والإسلام في شريعة الإسلام استطعنا أن نظفر بهذا الدين على نعمتين اثنتين: على نعمة الدين وعلى نعمة الدنيا. من خلال شريعة الإسلام رزقنا على النعمة الدينية، وأعظم نعمة في الإسلام ما نحن فيه من شرائع وأحكام يسر في هذه الملة. انظر، يا عبد الله، فيما نحن فيه من طاعات وعبادات، وقارنها بمن كان قبلنا، حينها ستعرف عظيما يسر الذي جعله الله على هذه الأمة المحمدية. رفع الله عز وجل عنها الآصار والأغلال والتكاليف التي وجدت في الأمم السابقة. ها هي الصلاة خمس صلوات في اليوم والليلة، تؤديها يا عبد الله بكل أريحية. كيف لو أن الله جعلها خمسين كما في بداية التنزيل؟ لكن لا زال التخفيف والتيسير حتى جعلت في ملتنا خمس صلوات في اليوم والليلة. وهذا رمضان في السنة كلها شهر، وهذا الشهر فقط في فترة نهارية، ومع ذلك يسقط عن المرضى وعن المسافر وعن الحائض وعن النفساء. حدث عن تساهل الشرع في مثل هذه المسائل، وأجعل على المستطيع القادر. وهكذا قل في الحج، والذي هو في العمر كله مرة واحدة. هل بعد هذا التيسير من تيسير؟ نعمة بما جعله الله من هذه النعمة العظيمة في الإسلام، ناهيك عن الأجور العظيمة، الحسنة بعشر أمثالها، مع الإتقان مع الإحسان تضرب بسبعمائة ضعف. هذا ما تجده في أي ملة؟ ناهيك كذلك عن المواسم تلو المواسم التي تزداد فيها الخيرات وتوزع فيها البركات. نعمة عظيمة حزن عليها من حرم عن هذا الدين. ومن النعم الدينية أيضا النعم الدنيوية من خلال الدين، انظر للدين كيف أنه هذب حياتنا، ليس الحياة الشرعية فقط، بل الحياة الدنيوية، المأكل والمشرب والملبس المنام، في مدخلنا وفي مخرجنا، حتى في دخولنا إلى الخلاء علمنا الإسلام. أصبحنا أم عزيزة حتى كان الكفار يتعجبون، قالوا: «يا سلمان، إن دينكم علمكم كل شيء حتى الخراءة». ما نحتاج إلى قانون ولا إلى شيء من الدساتير تهذب حياتنا، الإسلام كفيل بأن يهذب حياتنا في الحياة الدنيوية، علمنا في مأكلنا وفي مشربنا، في تعاملنا مع غيرنا، تعاملنا مع نفسنا، تعاملنا مع أزواجنا، مع والدينا، مع أولادنا، مع أهلينا، مع جيراننا، مع عامة المسلمين، حتى مع الأعداء في كيفية التعامل معهم. تجد أن الإسلام في باب الدنيا علم ورب، ولهذا الإسلام كما قال ربنا: ﴿وأتممت عليكم نعمتي﴾، نعم عظيمة بالإسلام، النعم الدينية والدنيوية تحت مضلة الإسلام. ولهذا الإنسان ينبغي أن يعطي هذه النعمة حقها، يحمد الله جل وعلا على الإسلام ليلة نهار، صباح مساء. والله لو أن الألس لهجت بشكر الله على هذه النعمة ما أدين حقها. وتأمل، يا عبد الله، من حرم عن هذا الدين ضيع الدين والدنيا. من كان يهوديا، من كان نصرانيا، من كان ملحدا، من كان زنديقا، من كان لا دينيا، خرج عن الديانة والملة. انظر كيف يعيش؟ له في دينه كسب شيئا، وله في دنياه استفاد من حياته شيئا؟ ثم قال ربنا عز وجل: ﴿ورضيت لكم الإسلام دينا﴾. الله عز وجل رضي لنا هذا الدين. وتأمل في هذا اللفظ: «ورضيت لكم»، لكم أنتم، خصنا الله عز وجل بهذا الدين من سائر الأمم، فهو لنا لا لسوانا. ما تكون الرضا إلا لمن انضم فيه، ومن يبتغي غير الإسلام دينا فلن يقبل منه. فكل من أتى الله بأي دين سوى دين الإسلام فهو مردود على وجهه. وبهذا نعلم خطأ تلكم الخطابات التي نسمعها بين الفين والأخرى، وتلكم الدعوات التي تؤدي إلى تطبيع العلاقات مع الأديان، وأن هذه الأديان هي أديان سماوية. قال المؤلف: قال الناظم رحمه الله: وأنزلت في اليوم، أي في اليوم المذكور، بشرى لكم اليوم أكملت لكم دينكم. أسأل المولى جل وعلا أن ينفعنا بما قلنا، ونسأل سبحانه وتعالى أن يجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، إنه ولي ذلك والقادر عليه. وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم، والله تعالى أعلم.