الأرجوزة الميئية في ذكر حال أشرف البرية 131

الأرجوزة الميئية في ذكر حال أشرف البرية 131

الدرس في الأرجوزة الميئية في ذكر حال أشرف البرية 131، ألقاها الشيخ أبو هاشم جمال بن سرور

وفاة الرسول وتاريخها

يتحدث عن وفاة الرسول عليه الصلاة والسلام يوم الاثنين في ربيع الأول، واختلاف العلماء في تحديد التاريخ الدقيق. الجمهور يرى أنه توفي في الثاني عشر من ربيع الأول وعمره ثلاثة وستون عامًا.

مكان وتفاصيل دفن الرسول

توفي الرسول في السنة الحادية عشرة للهجرة ودفن في بيت عائشة حيث توفي، بناءً على حديث عائشة وأنس. اختلف الصحابة في مكان دفنه قبل أن يقرروا دفنه في بيته استنادًا إلى سنة الأنبياء.

حكم دفن الموتى في البيوت وخصوصية الرسول

لا يجوز دفن الموتى في البيوت لورود النهي في السنة النبوية. استثنى النبي في دفنه في بيته لخصوصية تتعلق بمنع الافتتان بقبره وبإجماع الصحابة.

ختام الدرس والإشارة للدرس القادم

تم الانتهاء من شرح الدرس مع الإشارة إلى درس قادم. ختم الدرس بالصلاة على النبي محمد وعلى آله وصحبه وسلم.

التفريغ النصي الكامل

إن الحمد لله، نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا. أما بعد، قال الناظم رحمه الله تعالى: ويوم الاثنين قضى يقينا إذ أكمل الثلاثة والستين. هذا البيت، إخواني في الله، من أواخر أبيات الناظم في هذه الأرجوزة المئية، حيث يتحدث عن وفاة الرسول عليه الصلاة والسلام، فقال رحمه الله تعالى: ويوم الاثنين قضى يقينا إذ أكمل الثلاثة والستين. فقوله رحمه الله تعالى: ويوم الاثنين قضى، الضمير يعود على نبينا عليه الصلاة والسلام، إذ قضى الأجل الذي أجله الله له، بأن استنفذ مدته، أي مدة حياته التي قضاها الله له في هذه الدنيا، وذلك يوم الاثنين. ويوم الاثنين من الأيام التي وافقت عدة مناسبات من أهم مراحل حياته عليه الصلاة والسلام، فيوم الاثنين هو اليوم الذي ولد فيه، ويوم الاثنين هو اليوم الذي بعث فيه، ويوم الاثنين هو اليوم الذي توفي فيه عليه الصلاة والسلام. وهذا اليوم، بالإجماع، لا خلاف بين العلماء أن هذا اليوم هو الذي مات فيه نبينا عليه الصلاة والسلام، تحديدًا في وقت الضحى، وعلى رأي جمهور العلماء في شهر ربيع الأول، يوم الاثنين من شهر ربيع الأول. وهذا قد جاء به مصرحًا عند كثير من أهل العلم، وهذا الذي مال إليه أكثر العلماء. فقال رحمه الله: ويوم الاثنين قضى يقينًا، أي لا شك في ذلك. قال إمام القسطلاني رحمه الله تعالى: وقد كانت وفاته يوم الاثنين بلا خلاف، لا أحد ينازع في هذا الباب. وقال إمام المقريزي رحمه الله: والجمهور على أنه توفي صلى الله عليه وسلم في الثاني عشر من ربيع الأول، يوم الاثنين. فقال: ويوم الاثنين قضى يقينًا إذ أكمل الثلاثة والستين. فقوله: إذ أكمل الثلاثة والستين، هو هذا هو السن، وهذا هو عمره عليه الصلاة والسلام الذي استمر به في هذه الدنيا، فأكمل عليه الصلاة والسلام ثلاثة وستين سنة. قال إمام الفاسي رحمه الله تعالى: وكانت وفاته صلى الله عليه وسلم حين اشتد الضحى، أي في النهار من يوم الاثنين الثاني عشر ليلة مضت من ربيع الأول، سنة إحدى عشرة من الهجرة، عن ثلاثة وستين سنة من عمره عليه الصلاة والسلام. وهذا التاريخ، إذن، على هذا المنحى، يوم الاثنين الثاني عشر من ربيع الأول من السنة الحادية عشرة من الهجرة، هو تاريخ وفاته عليه الصلاة والسلام. وحاول أهل الفلك من أهل الحساب أن يحسبوا هذه الفترة الزمنية بالأشهر أو السنة الشمسية، فخلصوا إلى أن تاريخ وفاته عليه الصلاة والسلام وافق في ثمانية من شهر يونيو لعام ستمائة واثنين وثلاثين ميلاديًا. أما في الهجري، فهو الثاني عشر من ربيع الأول للسنة الحادية عشرة من الهجرة. وهذا السن، كونه مات عليه الصلاة والسلام في هذا السن، في ثلاث وستين سنة، قد جاءت به أحاديث كثيرة. قالت عائشة رضي الله تعالى عنها: توفي رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو ابن ثلاث وستين سنة، رواه مسلم. فالتاريخ لا إشكال فيه، وهذا المعتمد في أدلة السنة. ومما يشار إليه من الفوائد في هذا السن، كذلك ما ذكره أنس رضي الله تعالى عنه، بقوله: قبض رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو ابن ثلاث وستين سنة، وأبو بكر وهو ابن ثلاث وستين سنة، وعمر وهو ابن ثلاث وستين سنة، فسبحان الله الذي قدر المقادير، فجعل هذه النخبة من الأنبياء والرسل، نبينا، ومن أوليائه، أبو بكر وعمر، ماتوا كلهم في هذا السن المميز. ثم قال الناظم رحمه الله تعالى، تبعًا لما مضى: والدفن في بيت ابنة الصديق في موضع الوفاة عن تحقيق. والدفن في بيت ابنة الصديق في موضع الوفاة عن تحقيق، هذا مما يتبع ما مضى، أن النبي صلى الله عليه وسلم لما أشار الناظم إلى مسألة الزمان الذي توفي فيه نبينا صلى الله عليه وسلم، ناسب كذلك أن يذكر المكان، أين قبض عليه الصلاة والسلام. فقال: والدفن في بيت ابنة الصديق في موضع الوفاة عن تحقيق. والدفن، أي أن النبي صلى الله عليه وسلم دفن في بيت عائشة رضي الله تعالى عنها، وفي حجرتها، هذا المكان الذي دفن فيه نبينا صلى الله عليه وسلم. وقد كان الصحابة رضي الله تعالى عنهم اختلفوا في موضع وفاته، عندما توفي نبينا صلى الله عليه وسلم، اختلف الصحابة أين يدفن، هل يدفن كبقية الناس في البقيع أم في غيره. روى الإمام مالك رحمه الله تعالى في الموطأ، قال: لما توفي رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال ناس: يدفن عند المنبر. وقال آخرون: يدفن بالبقيع. فجاء أبو بكر فقال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «ما دفن نبي قط إلا في مكانه الذي توفي فيه». فهذه سنة من سنن الأنبياء والرسل، لا يشاركهم غيرهم في هذه الخصلة، أن المكان الذي يموتون فيه يدفنون فيه. فقوله رحمه الله تعالى: والدفن في بيت ابنة الصديق في موضع الوفاة عن تحقيق، أي عن علم وتحقيق. وذلك لأن النبي صلى الله عليه وسلم في آخر حياته، ويومه في الدنيا، إنما مكث في بيت عائشة رضي الله تعالى عنها، وفي حجرتها. جاء ذلك في الصحيحين من حديث عائشة رضي الله تعالى عنها، أنها قالت: «إن كان رسول الله صلى الله عليه وسلم ليتعذر في مرضه، يقول: أين أنا اليوم؟ أين أنا غدًا؟» استبطاء ليوم عائشة. فلما كان في يوم قبضه الله، بين سحري ونحري، ودفن في بيتي. رواه البخاري في صحيحه. فالشاهد، الأشياء المؤلفة بهذا الكلام، علمنا أن ما يتعلق بالزمان الذي توفي فيه، يوم الاثنين الثاني عشر من ربيع الأول في السنة الحادية عشرة من الهجرة، وأما المكان، فقد دفن في حجرة عائشة، في المكان الذي مات فيه عليه الصلاة والسلام. هنا مسألة من باب التتمة والفائدة، وهي: قد يقول قائل: إذا كان الأمر كذلك، والأمر في هذه السعة، فهل لي أن أدفن وأوصي أن يكون دفني في بيتي؟ أو أني أجعل قبري في بستاني أو في حوشي؟ هل له أن يفعل ذلك؟ الجواب: لا، هذا لا يجوز، وذلك لعدة أمور. الأمر الأول: أن السنة قد جرت على أن دفن الموتى في القبور والمقابر، هذه السنة التي جرت في عهد نبينا عليه الصلاة والسلام. فما دفن أحد قط في بيته، وإنما من مات يرسل إلى البقيع فيدفن. فهذه السنة. وثانيًا: عموم النهي، أن الأدلة قد دلت على النهي عن الدفن في البيوت. ومن هذه العمومات ما جاء في قول عليه الصلاة والسلام: «لا تجعلوا بيوتكم قبورًا». سواء كان قبرًا حسيا أو قبرًا معنويًا، لا هذا ولا ذاك، فلا تكون البيوت مقابر، فلا يجوز وضع الجثث في داخلها. وأيضًا، كذلك، أن فتح هذا المجال بدفن الجثث داخل البيوت، فإنه يعرضها للإهانة، كما يقال للضجة والضوضاء، فإن الأموات يتأذون مما يتأذى منه الأحياء. فكان اللائق بالجثث إخراجها وأن تدفن في القبور. قد يأتي السائل ويقول: طيب، إذا كان الأمر كذلك لا يجوز، ويمنع علينا أن ندفن موتانا إلا في المقابر، فعلى ماذا يحمل فعل النبي عليه الصلاة والسلام؟ ها أنتم تقررون بأن النبي دفن في بيت عائشة، في حجرة عائشة، ألا نأتسي به؟ ألا نقتدي به؟ ألا نفعل كفعله؟ قال العلماء: إذا احتج أحد وقال: أنا أرى أني سأفعل ما فعله رسول الله بنفسه، وأني سأريد أن أدفن في بيتي، ائتساء برسول الله. قل: يا عبد الله، ليس في هذا باب ائتساء، لأمور ثلاث. الأمر الأول: أن هذا الفعل من رسول الله من خصوصيات الأنبياء والرسل، هذا خاص، كما مرت الأحاديث على أن الأنبياء إنما يدفنون في الأماكن التي تقبض فيها، هذا خاص. والأمر الثاني: كذلك مما جعل أن النبي يدفن في بيته، لا إلى الخارج، كذلك لمصلحة عظمى، وهي عدم الافتتان بقبره. فإن قبره لو أنه أخرج للناس، لرأيت يا عبد الله الشرك الصراح. والأمر الثالث: قال العلماء: دفن نبينا في بيته بإجماع الصحابة، فهذا له دليله الخاص. ولهذا الأمر الأول الخصوصية، والأمر الثاني خشية الافتتان، والأمر الثالث إجماع الصحابة، لا أحد بعد ذلك يستدل على فعل رسول الله بأنه دفن في داخل بيته عليه الصلاة والسلام. فبيت إخواني في الله، في قول النظم رحمه الله: ويوم الاثنين قضى يقينا إذ أكمل الثلاثة والستين، والدفن في بيت ابنة الصديق في موضع الوفاة عن تحقيق. وبقي بيت يترك إن شاء الله في درس غد. إلى هنا والله تعالى أعلم، وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.