شرح الأصول الستة 15

شرح الأصول الستة 15

الدرس في شرح الأصول الستة 15، ألقاها الشيخ أبو هاشم جمال بن سرور

وجوب الطاعة لولاة الأمر وإن جاروا

يؤكد على أهمية السمع والطاعة لولاة الأمر حتى مع ظلمهم، مستدلاً بالأحاديث النبوية. يُشدد على الاستمرار في الطاعة مع إنكار المعصية في القلب.

دور الصبر والالتجاء إلى الله في مواجهة الفتن

يُناقش أهمية الصبر والالتجاء إلى الله في مواجهة الفتن، ويستدل بالأحاديث النبوية التي تحث على أداء الحقوق وطلب الرزق من الله.

شروط ولاة الأمور وطاعتهم في مختلف الحالات

يُفصّل في شروط ولاة الأمور ويُبيّن أحكام طاعتهم في حالة الاختيار والغلبة، مستنداً إلى إجماع العلماء.

التوجيه النبوي لمواجهة الفتن

يُلقي الضوء على توجيه النبي في مواجهة الفتن، ويُشدد على ضرورة التمسك بدين الله والابتعاد عن آراء وأهواء النفس.

التفريغ النصي الكامل

إن الحمد لله نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فهو المهتدي ومن يضلل فلن تجد له وليا مرشدا، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليما كثيرا. أما بعد، قال المؤلف رحمه الله تعالى: الأصل الثالث أن من تمام الاجتماع السمع والطاعة لمن تأمر علينا ولو كان عبدا حبشيا، فبين الله هذا بيانا شائعا كافيا بوجوه من أنواع البيان شرعا وقدرا، ثم صار هذا الأصل لا يعرف عند أكثر من يدعي العلم، فكيف العمل به؟ قلنا: هذا الفقر وهذا الفصل عقده الإمام محمد عبد الوهاب ورحمه الله تعالى ليبين عظم هذا الأصل وهذا المقام، وأنه من تمام الاجتماع لهذه الأمة أن تجتمع على رأس وتجتمع على أمير وتجتمع على أمير ومن يقوم بأمرها. ونبهنا في دروس الماضية ما يتعلق بعظم هذا الأصل، وأن الشرع الكتاب والسنة والإجماع والقياس المعتبر، وهكذا العقل والفطرة تؤيد هذا الأصل العظيم الذي أمر الله جل وعلا به، بل إن قيامهم من الواجبات. وقد ذكرنا قول العلماء في هذه المسألة، بل هذا إجماع الأمة على فرضية نصب من يكون إماما لهذه الأمة، وذكرنا أن بعد ما ينصب الإمام ينبغي عليه السمع والطاعة أن تجتمع الناس على سمعه وعلى طاعته وعلى أن ينطو تحت لوائه حتى تسلم لهم الأمور وتنظم لهم الأمور. ومن المسائل إخواني فينا المتعلقة بهذه المسألة، ونبهنا ما الذي عليه الكثير من الناس أنهم لم يرفعوا بهذا الأمر رأسا ولم يلقوا له بالا، حيث نجد أن الكثير من الناس من يخالف ولاة أمره ويخالف كذلك من يترأس عليهم، وبعض من يفعل هذه الفعلة يحتج ببعض الأمور ننبع عليها في هذا المقام، والأمور كثيرة وهي شبه يبثها بعض الناس يستدلون بها ويستسيغون بها الخروج وهكذا عدم الانصياع لولاة أمورهم. من هذه المسألة الذي يدنن بها بعض الناس من أن هؤلاء الذين قد ترأسوا علينا وهؤلاء تأمروا علينا وهم ليسوا أهلاً للإمارة بسبب أعمالهم الرعناء وفعالهم الشعناء، فهم على معاصي وعلى ذنوب وعلى فساد عظيم وعلى خلق ذميم. وهذا صحيح قد يوجد، وهذا قد ألمت به الأمة أن تجد من ولاة الأمور من هذا على هذا الحال. وللأصل أن يكون ولاة الأمور من خيرة الناس، ﴿واجعلني من ورثة جنة النعيم﴾، ﴿واجعلني للمتقين إماما﴾، فينبغي أن يكون من أهل التقى ومن أهل الورع ممن عنده خوف من الله جل وعلا هو الذي يتزعم ويترأس الناس. لكن قد تبتل الأمة بشيء من أمور يجعل من أمثال هؤلاء تكون لهم زمام الأمور، فهل هذه الحجة ذريعة؟ هل يحتج أحد من الناس بوجود الفساد ووجود الخروج عن الجادة من قبل ولاة الأمور أن لا ننصع لأوامرهم وأن بإمكاننا ننازعهم في الأمر؟ هل هذا مستساغ؟ طبعا الجواب لا. من تأمل في نصوص السنة الواضحة الصريحة البينة الشافية الكافية تدل على أن نبينا عليه الصلاة والسلام أخبر بهذه الحال وعن وجود أمراء بهذه المثابة من الخبث والدهاء والمكر والبعد عن دين الله، ومع هذا كله فإن نبينا عليه الصلاة والسلام أمر الناس جميعا بالتزام الأمر والإذعان للسمع والطاعة لهذا الوالي. ومن كان على هذه الحال، فمن تلكم الأحاديث ما جاء في الصحيح من حيث عوف بن مالك قال عليه الصلاة والسلام: «ألا من ولي عليه وال أي والي، ألا من ولي عليه وال فرآه يأتي شيئا من معصية الله، فليكره الذي يأتي من معصية الله ولا ينزع يدا من طاعة». فما هو الواجب إذا وجدت هذه المعاصي والذنوب؟ أنك لا ترضى بها، وبهذا كما قلنا عليه منهج أهل السنة والجماعة، أنه لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق. فإن وجد أن من أولئك الولاة من يفعل المعاصي يفعل الذنوب، فإننا نكره نكره هذه الذنوب نكره هذه المعاصي، لا نغض الطرف عنها، بل على قلوبنا أن تحقر من هذا الذنب الذي فعله ذاك الولي. فالمعاصي تكره، وبالمقابل هل هناك ملازمة بين فعل معصية وبين نزع اليد من طاعة؟ لا، لا تنزع يدا من طاعة، تبقى اليد على ما هي عليه، قلبك ينكر ينكر هذه المنكر وهذه المخالفة وهذه المعصية التي صدرت من ذاك. ونبرأ إلى الله جل وعلا من هذه الذنوب التي افتروها وحدثوها في الأمة، إلا بالمقابل لا ننزع يدا من طاعة، لا نجعل ما يسمى بالتطابق أو التزامن، نكره شيئا وننزع، نقول ليس لك حق في السمع والطاعة، لا، بل تبقى اليد على ما هي عليه مع كرهنا لهذه المعصية ولهذا الذنب، كما أخبر بذلك المصطفى صلواته ربي وسلامه عليه. وأيضا ما جاء من حيث ابن عباس كما في الصحيح قال عليه الصلاة والسلام: «من رأى من أميره شيئا يكرهه فليصبر، فإنه من فارق الجماعة شبرا فمات ميتة جاهلية». من رأى من أميره شيئا يكرهه أي من الذنوب والمخالفات والمعاصي، هنا أمر نبينا بفعل أمر آخر وهو أن تصبر. والصبر والأسف أصبحت كلمة الصبر في هذه الأزمان إذا ألقيت يفسرها الكثير من الناس بأنها خور، أنها خور وأنها جبن وأنها انسحاب. هذا أمر نبيك عليه الصلاة والسلام والذي أعلم بالناس منك وأرأى بالأمة منك، أمر نبينا صلواته ربي والسلام عليه إذا ابتلينا بمثل أولئك الأمراء ممن هم على المخالفات وعلى ذنوب ومعاصي أننا نكره، نكره وكذلك نصبر، نصبر على هذا الذي نحن فيه ونسأل الله كما نصبر ولا نتعجل كما يفعل كثير من الناس يتعجلون تغيير الأمور. فالصبر إخواني فينا من الأخلاق الحميدة من الأخلاق العظيمة، وقد ورد في الكتاب والسنة، يرى تلكم الآيات، بل قال من قام أن الصبر ذكر في القرآن في تسعين موضعة. وما هذا التكرار وما هذا التنوع في ذكر الصبر إلا لشأنه ولعلو أمره وقدره عند الله جل وعلا. تصبر يا عبد الله، اصبر، وكم رأينا كم رأينا مقارنة بين مجتمعات المسلمين بين مجتمع صبر على ما هو عليه من الشدة والضنك والفقر، صبر، إذ بربنا جل وعلا يأتي بالفرج يأتي بالفرج من عنده لما يرى من صبر الناس على ما هم عليه من ظلم وما عليهم من ضيم وما عليهم من جوع، على صبرهم رزقهم الله جل وعلا. بل نحن نرى في بلادنا كم من أناس يعيشون في حالة ما يعلم بها إلا الله جل وعلا من الظلم من عدم وصولة الأرزاق ومن عدم معطائهم حقهم، مع صبرهم، إذ أن الله جل وعلا يبارك لهم في أرزاقهم، ما سمعنا قط ما سمعنا قط بأن أحدا مات جوعا في بيته، يرزق الله هذا ويرزق ذاك ويرزق ذاك ويرزق ذاك على صبرهم. من صبر يأتيه ربنا بالظفر، لكن بالمقابل من تعجل وأراد تغيير الأمور بأسرع وقت، ما الذي جنوه؟ جنوه الموت، الموت الأحمر، هذا كم يقال، ليس تهكما، بل هذا كم يقال مآسي نحكيها ونعتبر أن ما أخبر به نبينا عليه الصلاة والسلام، ﴿وما ينطق عن الهوى إن هو إلا وحي يوحى﴾، فالناس يعتبرون بما أمر به نبينا وبما أرشد به نبينا عليه الصلاة والسلام. ما ينبغي للناس أهل إسلام أنهم يستمعون للأحاديث النبوية والآيات القرآنية، يستمعون في حال السلم إذا مرت عليهم مواعظ ومرت عليهم الدروس العلمية والمواعظ والحكم والمحاضرات والخطب فيها قال الله قال رسوله، تهز الرؤوس، يقول ما شاء الله تبارك. لكن في أيام الواقع في أيام الفتنة والمحن إذا نرى نصيب هذه المواعظ صفر، صفر على الشمال، لا أحد يرجع أبدا قط إلى الكتاب والسنة في النوازل في المسائل المعضلة في أرض الواقع، لا يطبق أحد، إنما تأتي لنا بالحماسات تأتي لنا بالعواطف تأتي لنا بالأخبار الفلانية، نأتي بالتحليلات نأتي بأخبار السياسيين أخبار الفلكيين أخبار، فإذا الكتاب والسنة عبد الله تحكم الناس في كل أمورهم. فنبينا صلواته ربي والسلام رأى أن من لازم في مثل هذه المسائل الصبر، اصبر، اصبر، الذي عليك يا عبد الله تفعله، هذا الذي أمر به نبينا عليه الصلاة والسلام، فليس صبر خور، وليس كما يفسر الكثير من الناس، بل يعمل أمر أمره به نبيك صلاة ربي والسلام عليه، وهذه حكمة أرادها الله جل وعلا. فقال عليه الصلاة والسلام: «فليصبر، فإنه من فارق الجماعة شبرا فمات ميتة جاهلية». قال العلماء: ليس هذا معنى أنه يموت كافرا، لا، إنما يموت كما يموت أهل الجاهلية، فإن أهل الجاهلية من السوالف الذين عاشوا عليهم أنهم ماذا؟ لا يأتمرون تحت أمير، لا يأتمرون تحت أمير، فماذا يموتون؟ هكذا، فمن يموت على هذه الحالة وقد نزع يدا من طاعة، فإنه يموت كما يموت أهل الجاهلية ممن لا يرون أنه لا إمامة ولا سمع ولا طاعة، وهذا من التشبه بأخلاق الكفار. وأيضا في قوله عليه الصلاة والسلام كما جاء في الصحيح من حيث عبد الله بن مسعود قال: «إنا ستكون أثرة وأمور تنكرونها، قالوا: يا رسول الله فما تأمرنا؟ قال: تؤدون الحق الذي عليكم وتسألون الله الذي لكم». فأخبر نبينا عليه الصلاة والسلام عما يقع في آخر الزمان، كما جاء ذلك مصرحا في بعض الروايات: أنكم ستجدون أثرة. ما الأثرة؟ جاء في كتب اللغة في غريب الحديث: الأثرة هو الاستئثار بالحق عن غيره، هناك حق مشترك، هناك حق عام، حق عام للكل، فيأتي من يأتي ويستأثر بهذا الحق العام، هذه أثرة. قال عليه الصلاة والسلام: «إنها ستكون أثرة، وأمور تنكرونها، قالوا: فما تأمرنا يا رسول الله؟» هذا السؤال الذي طرح في ذاك الزمان ينبغي أن يطرح في هذا الزمان لمن؟ للكتاب والسنة. «فما تأمرنا يا رسول الله؟ قال عليه الصلاة والسلام: تؤدون الحق الذي عليكم، الحق الذي عليكم أنتم مطالبون به تؤدونه، وتسألون الله الذي لكم». الذي عليكم أدوه، أدو الذي عليكم، وأما الذي لكم تريدون فما استطعتم له شيئا ما وصلتم إليه سبيلا، فإنكم تسألون الله الذي لكم، اللهم ارزقنا، اللهم أعطنا، اللهم اكفنا، اللهم تلتجأ إلى الله جل وعلا، لا تقطع يا عبد الله في أيام الفتن، الناس يبتعدون عن الله عز وجل. الأصل أن في أيام الفتن والنوازل والمشاكل والمدلهمات الأصل أن العباد يلتجؤون ويتضرعون يا الله سبحانه وتعالى، عل وعسى أن الله يفرج عنهم ما هم فيه. لكن الناس ماذا يتجهون؟ إلى قواتهم وإلى كلمتهم وإلى دهائهم وإلى عواطفهم وإلى حماساتهم، عل وحسنى أن يخرجوا بحق بأيديهم، لا، يا عبد الله استعن بالله جل وعلا في أداء حقك، فإن الله سيعينك، فإن الله جل وعلا يعينك على انتزاع حقك ممن كان. لكن إذا حسنت ظنك بالله، حسن ظنك بالله عز وجل، قال عليه الصلاة والسلام: «تؤدون الحق الذي عليكم». أدي الذي عليك يا عبد الله، لا تنازع، لا تخاصم، لا تثير، لا تشوش على مجتمعات المسلمين، أدي الحق الذي عليك، والذي لك ما في داعي تشاجر، أنك تمزق الصف، اصبر، اصبر. كما في حديث أول، قال نبينا عليه الصلاة والسلام: «قال: تؤدون حق الذي عليك، وأن عليك أن تصبر، وأنك عليك أن تسأل الله عز وجل». هذا حلول شرعية، حلول شرعية بالله عليكم، أين الناس من هذه الحلول الشرعية؟ من الذي سيطبق هذه الأحاديث؟ من الذي سيطبقها؟ إذا كان أهل الإسلام هم بأنفسهم رووا بلسان عبد الحائط، أخذنا بأقوال المستشرقين، أخذنا بأقوال الغربيين، بأقوال حماسيين ببعض الأفكار اللاشرعية أخذنا بها. طيب من يطبق هذه الأحكام؟ من الذي يأتي بالصبر؟ إن لم يكن نحن، من الذي يأتي بالدعاء والاستغاثة والالتجاء إلى الله؟ إن لم يكن نحن، من الذي يؤدي الذي عليه حق الذي يعلم؟ لم يكن نحن، فينبغي للإنسان المسلم أنه يحق الحق في هذا الباب، وأن يعرف أن الأمر في الدنيا والآخرة ترجع لله عز وجل، فلله الأمر من قبل ومن بعد، فيتعامل في أمور الدين وفي أمور الدنيا كل ذلك على وفق الشريعة كما أمر بذلك نبينا عليه الصلاة والسلام. وأيضا من حديث حذيفة قال عليه الصلاة والسلام: «قال: إنه سيكون بعد قوة أئمة لا يهتدون بهدي ولا يستنون بالسنة، وسيقوم فيهم رجال قلوبهم قلوب الشياطين في جثمان إنسان». قلت: يا رسول الله، كيف أصنع؟ قال عليه الصلاة والسلام: «تسمع وتطيع وينضرب ظهرك وأخذ مالك». فهذا إخواني في الله، أدلة واضحة بينة على الأمور التي ينبغي أن تفعل إزاء هذه البلايا وهذه القلاقل وهذه الأزمات. أن الشرع أن الناس أولا وقبل كل شيء يحكمون الدين، يحكمون الدين، لا يحكمون العقل ولا العواطف ولا الأعراف ولا العادات التي يحتاجوا عليها، ولا يدخلوا بهواجسهم ولا بأفكارهم وآرائهم، وإنما يحكمون الدين، ما الذي أمرنا به ربنا جل وعلا؟ وما الذي جاء به السنة؟ فحينها نمشي خلفه. واعلم يا عبد الله أن السلام كل السلام في دين الله، والسعادة كل السعادة في الاعتصام بحبل الله، بما أمر به ربنا وبما أرشد به نبينا عليه الصلاة والسلام. ولن عبرة يا عبد الله في أحوال الناس يمنة ويسرة، ترى الأمور من خرج عن منظار السنة من خرج عن منهاج السنة، فما رأينا إلا البلاء، البلاء قد تفاقم وقد زاد. ولكن من رأى أنه اعتصم بالسنة، فإن الله يأتي بالفرج من عنده قريبا غير بعيد، عاجلا ليس بآجل. هذه مسألة أولى، إخواننا في الإذن، علمنا بأن من استدل ومن احتج بأن هؤلاء ليسوا أهلا للسمع والطاعة بحجة أنهم على معاصي، هذه الأدلة بوضوحها تدل على أن نبينا أمر في حال وجود هذا الصنف من أولئك الذين ابتلينا بهم من أهل المعاصي والذنوب، فإنه لا ربط بين كرهنا ما هم عليه وبين أن ننزع يد الطاعة. تبقى الأيدي على ما هي عليه، يبقى السمع والطاعة لهم هذا حق، أمرنا الله جل وعلا بأدائه لهم، لكن ما هم عليه من معاصي نكره ذلك، ما هم عليه من معاصي نسأل الله جل وعلا أن يبعدنا من شرورهم، ما هم فيه نصبر، نصبر على الله عز وجل أن يأتي بالفرج من عنده. تأتي مسألة ثانية، وهي كذلك مسألة يدنن بها بعض الناس في هذا الموطن، عندما يحتجون بغير الملزمين بالسمع والطاعة لذاك الوالي ولآخر بأن هؤلاء كذلك نفس العلة ليسوا أهلاً للسمع والطاعة. ما هي الحجة الثانية؟ الحجة الثانية وهي قد يقول بعض من عنده شيء من العلوم الشرعية أو من علوم الدين يقول: إن هؤلاء أو أن الشرع عندما ذكر ولاة الأمور يأولون أمر المسلمين، أن هؤلاء لابد لهم من شروط. شروط تتوفر فيهم، ليس كل من هب ودب يكونوا واليا، صحيح، ليس كل من هب ودب يكونوا واليا على الناس، هناك شروط وقيود، والعلماء قد تنوعوا في ذكر الشروط والقيود والضوابط الذي ينبغي أن يصلح لمن يكون واليا. حتى بالعلماء من توسع في هذا الباب بذكر الصفات، ماذا؟ صفات خلقية في أخلاقه في خلقه، لا بد أن يكون كاملا سليما في عقله في جسده. وهناك أدلة شرعية دلت على هذه الشروط، يكون ماذا؟ لا يكون عبدا، يكون حرا، ولا يكون أنثى يكون ذكرا، وكذلك أن يكون قرشيا، أن يكون قرشيا، هذه أصول قد دلت عليها أدلة صحيحة من الكتاب والسنة مع الأمة، كما قال عليه الصلاة والسلام: «الأئمة من قريش»، كما جاء في الصحيح. فهذا الشروط مهمة، فيقول بعض الناس: هؤلاء الذين قد نصبوا علينا ليس لهم هذه الصفات الموجودة، هذا ليس بقرشي، هذا ليس من بني قريش، إذن كيف نسمع ونطيع؟ فالسمع والطاعة إنما تعظم للإمام المتوفر للشروط، أما إذا كان رجلا ناقص الشروط فهذا لا سمع ولا طاعة. فقال علماء الرجوع لهذه المسألة: يقال نعم، الأصل أن هذه الشروط تقام ولها حظ من النظر، والنبي قد أمر واشترط أن يكون الولاة من قريش، ولهذا تنظر الخلفاء الراشدين أين كانوا من قريش؟ أبو بكر الصديق، عبد الله بن عثمان بن عامر التيمي القرشي، عمر بن الخطاب، عثمان بن عفان، علي بن أبي طالب، قريش، قريش، قريش، حتى ما تصل إلى بني أمية من قريش وبني العباس من قريش، الأئمة من قريش. حتى جاءت الخلفاء هنا فتزاحم الحابل مع الغالب، أصبح كل من هب ودب يأتي على أمر المسلمين، فكيف العمل؟ يقول العلماء: أن هذه الشروط المذكورة في السنة والتي أجمل عليها العلماء إنما ينبغي أن تتوفر وذلك في حال الاختيار، في حال الاختيار. لكن إذا قام رجل واستولى على بقعة وعلى رقعة من بقاع المسلمين بقوة سلطانه، فحينها والأمور قد استتمت له، فحينها نرضى به كائنا من كان، ولو لم يكن حرا ولو لم يكن قرشيا، فلابد التمييز بين حال الاختيار وبين حال الغلبة. فيقول العلماء: كيف حال الاختيار؟ مثل أن يكون هناك أهل الحل والعقد، مات أمير من أمراء المسلمين، مات، يجتمع أهل الحل والعقد في اختيار الأمير الذي يخلفه. مات أمير، أهل الحل والعقد يقولون: لا بد أن يكون إماما قرشيا، يشترطون شرط، لا بد أن يأتي ويشتب هذا الشرط لهذا، شرط أساسي، شرط أساسي أن يكون مسلما، أن يكون حرا، أن يكون ذكرا، أن يكون قرشيا، أن يكون صاحب شجاعة، صاحب رجولة، صاحب كذا. يأتي بشروط متفق عليها عند العلماء، لكن يذكرون ضبط القرشية هذا متى؟ في حال الاختيار، عندهم قدرة على الاختيار، هذا وذاك، فهذا شرط مهم. لكن في حال الغلبة كما يقع في بلاد المسلمين، يأتي جيش دولة ثم تستولي على دولة أخرى، فيستولي علينا هذا الرجل، وليست الشرط قد توفرت فيه، ليس بقرشي، فماذا نفعل؟ هل ننازعه؟ هنا أجمع الفقهاء، أجمع الفقهاء على أنه يجب في حقه السمع والطاعة، نطيعه ولو أن الشرط قد تناقصت، لأنه لم تتوفر في حقه. وعلى هذا أجمع العلماء، كما قال بذلك الحافظ بن حجر رحمه الله تعالى: «وقد أجمع الفقهاء على وجوب طاعة السلطان المتغلب، وقد أجمع الفقهاء على وجوب طاعة السلطان المتغلب والجهاد معه». وقال النووي رحمه الله تعالى: «وأما من قهر الناس بشوكته وقوة بأسه وأعوانه واستولى عليهم وانتصب إماما، فإن أحكامه تنفذ وتجب طاعته وتحرم مخالفته في غير معصية الله». وهكذا ذكر الإجماع الشيخ محمد عبد الوهاب رحمه الله تعالى، حيث قال رحمه الله تعالى: «قال: والأئمة مجتمعون في كل مذهب، ليس هذا في مذهب الشافعية فقط، كما سمعت عن النووي بن حاج، بل في كل مذهب، قال: والأئمة مجمعون مجمعون في كل مذهب على أن من تغلب على بلد له حكم الإمام في جميع الأشياء، يأخذ حكم الإمام في جميع الأشياء». هذا متى؟ الحاكم المتغلب، ولو أن الشروط لم تتوفر فيه. وهذا الذي موجود هنا في الأمور، فهذا الذي قد تنصب على الناس منهم بالاختيار ومنهم بالغلبة، بإطاحة، بانقلاب الأمور قد استتمت إليه واستتبت له، فهذا الذي ماذا؟ يعطى له صفات ماذا؟ الإمام، هذا إمام، فيعطى له حقه من السمع والطاعة. فهذه إخواننا في الله مسائل سريعة متعلقة بهذا الباب، وهناك شبه كثيرة جدا في هذا الباب، يتكى عليها، يتكى، وكل العبادة عبارة عن تخريصات وعبارة عن ظنون، بل هي مزاحمة، مزاحمة لأدلة الشرع. فالعبد المسلم إخواننا في الله يرضى ويسلم بدين الله جل وعلا، وكل ما جاء عن نبينا في سنته. فإن نبينا أخبر بهذه الفتن وأخبر بهذه المدلهمات التي تقع في الأمة، وأتى بالحلول، فما على العبد المسلم وهذا ابتلاء من الله وبلاء من شرع الله أن ماذا؟ أن يرى الصادق في إيمانه والمستسلم لدين الله وبين المتفلت الذي يحكم آراءه وأهواءه في هذه المسائل. فعليك بالصبر، وعليك بالاعتصام بما أمر به ربنا في كتابه ونبينا في سنته. فأسأل مولاي جل وعلا أن ينفعنا بما قلنا، إنه ولي ذلك والقادر عليه، وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم، والله تعالى أعلم.