الدرس في شرح كتاب التوحيد 6، ألقاها الشيخ أبو هاشم جمال بن سرور
الله خلق الجن والإنس لعبادته وحده، والآية الكريمة ﴿وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون﴾ تبين ذلك وتوضح معنى العبادة والتوحيد.
العبادة تعني الطاعة مع التذلل لله وتشمل كل ما يحبه الله ويرضاه من الأقوال والأعمال الباطنة والظاهرة، وهي اسم جامع لكل ما يحبه الله.
العبادة تشمل جميع جوانب الحياة إذا كانت بقصد طاعة الله، والإنسان يؤجر على جميع أفعاله اليومية إذا كانت نابعة من نية صالحة.
إن الحمد لله نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهدِ الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا. أما بعد، قال المؤلف رحمه الله تعالى: وقوله تعالى مر معنا أن مثل هذا السياق إما بالرفع على الاستئناف وإما بالجر على العطف. قال: وقوله تعالى ﴿وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون﴾، هذه الآية الأولى التي افتتح المؤلف رحمه الله تعالى فيها رسالته تحت هذا الباب، والذي أشرنا أنه من المناسب أن يقال عنه باب حكم التوحيد أو باب وجوب التوحيد، كما قال الشراح. فذكر المؤلف رحمه الله تعالى هذه الآية: ﴿وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون﴾، وهذه الآية بمعناها العام تدل على أن الله جل وعلا ما خلق الأنام من إنس ولا جان إلا لعبادة الرحمن، إلا ليعبدون أي ليفردوه بالعبادة. ومر معنا أن هذا هو التوحيد، لأن من أقسام التوحيد توحيد العبادة، وهو أن يفرد الله جل في علاه وحده بالعبودية، لا يزاحمه فيه أحد، لا ملك مقرب ولا نبي مرسل. وفي قوله تعالى ﴿وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون﴾ عندي أسلوب ما يسميه أهل البلاغة بأسلوب الحصر، وذلك بوجود «ما» النافية، وما خلقت مع وجود «إلا» الاستثنائية، فإذا وجدت يا عبد الله «ما» النافية أو أسلوب من أساليب النفي، ثم في السياق وجد الاستثناء، اعلم أن المراد من هذا الأسلوب الحصر، أي أن الله جل وعلا ما خلق إلا لكي يعبد. فهذه الغاية التي يريدها الله جل وعلا من هذه الكائنات التي كلفها بالعبودية. وقوله سبحانه وتعالى ﴿وما خلقت﴾ الخلق كما قال العلماء هو الإيجاد المسبوق بتقدير، هذا معنى الخلق، الإيجاد المسبوق بتقدير. وما خلقت الجن والإنس، الإنس سمي الإنس إنسًا لأنهم يأنس بعضهم ببعض، الإنسان يستأنس بإخوانه ولمن كان من بني جنسه، ولهذا إذا انفرد استوحش، إذا انفرد استوحش. وكما قيل: الإنسان مدني بطبعه يحب الخلطة، لا يحب الإنفراد، فسمي الإنس إنسًا لأنهم يأنس بعضهم ببعض. والجن سمي هذا العالم بعالم الجن، نعلم أولًا أن مادة الجيم والنون مادة الجيم والنون أنها تدل على الخفاء والاستتار، ومنه كما يقال الجنين سمي الجنين جنينًا لأنهم متستر في بطن أمه. وهكذا منه المجن وهو الدرع الذي يتستر به المقاتل، ومنه كذلك المجنة وهي المقبرة سميت بذلك لأنه يكون فيها استتار جثمان الأموات، وهكذا منه الجنة سميت الجنة جنة لأنها استترت بالأشجار التي خلقها الله وأوجدها الله، ومنه الجن فالجن سموا بذلك لأنهم استتروا عن أعين الناس، فمادة الجيم والنون تدل على الاستتار. فقال سبحانه ﴿وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون﴾، إلا ليعبدون هذا في بيان الحكمة، ولهذا اللام هنا ليعبدون يسميها العلماء بلام الحكمة، بلام الحكمة. ومن مقتضيات لام الحكمة أن ما بعدها ما بعد اللام يكون مطلوبًا شرعًا يكون مطلوبًا شرعًا، فقد يقع وقد لا يقع، لكن الله يريده، لكن قد يقع وقد لا يقع. وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون هذا الذي أريده منهم، لكن هل كل الإنس والجن يعبدون الله؟ لا، منهم من عبد ومنهم من كفر وجحد، فهذه تسميها العلماء بلام الحكمة، فالله فعل الأول لكي يفعل الثاني، فعل الله جل وعلا الخلق والإيجاد لكي يقوم بالأمر الثاني ألا وهي العبودية. فالله سبحانه وتعالى أراد من خلقه العبودية، قال: ﴿وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون﴾، وما معنى إلا ليعبدون؟ عبارات السلف كلها تدل على أن الله يفرد بالعبادة، هذا المراد من الآية، ولهذا قال علي رضي الله تعالى عنه كما صح عنه في تفسير هذه الآية قال: أي لآمرهم أن يعبدوني وأدعوهم إلى عبادتي، إفراد الله بالعبادة. وجاء كذلك عن ابن عباس كما جاء في التفاسير المسند إليه أنه رضي الله تعالى عنه قال: إلا ليعبدون أي قال ليقروا لي بالعبادة، ليقروا لي بالعبادة، فتجد أن تعاريف العلماء من السلف الصالح ومن كان من أهل العلم تدور معانيهم في تفسير إلا ليعبدون أي أن الله يفرد بالعبادة سبحانه وتعالى، فلا يتوجه لأحد في هذا الباب قط كائنا من كان. بقي مسألة إخواني في الله، وما معنى العبادة؟ العلماء رحمهم الله تعالى في تعريف العبادة لهم عبارات كثيرة، فمنهم مثلًا أولًا العبادة في لغة العرب هي بمعنى الطاعة مع التذلل، الطاعة مع التذلل، هذا لغة العرب كما أشار إلى ذلك الزجاج وكما جاء ذلك في لسان العرب لابن منظور أن كلمة العبادة من التعبد بمعنى التذلل مع الطاعة. ولهذا سمي العبد عبدًا لهذا الأمر، لأنه طاعة مع ذل، يقول فلان عبد، لماذا عبد؟ تعلم من معاني العبودية أنه مطيع مع ذله، لا طاعة مع استكبار ولا مع الرفعة، وإنما طاعة مع ذل وهوان، فيقال فلان عبد، أو يقال طريق المعبد، والطريق المعبد هو الذي تم دوسه حتى أصبح ماذا؟ ذليلًا للمشاه، يقال طريق معبد أي مذلل. ولهذا يقول من قال من أهل الشعر من أصحاب كطرفة من أصحاب المعلقات العشر قال: تباري عتاق الناجيات وأتبعت وظيفًا وظيفًا على مور معبدي، هذا يمدح الإبل في مشيها وفي سيرها، وكيف أنها تقلد غيرها، تباري أي من التقليد تباري العتاق الناجيات وأتبعت وظيفًا وظيفًا على مور معبدي، المور المعبد والطريق المعبد، فسمي الطريق معبدًا أي مذلل. فشاهد في لغة العرب التعبيد والعبادة بمعنى الذل مع الطاعة، ولهذا كانت تفسير العلماء للعبادة لا تخرج عن هذا الوصف، لا تخرج عن هذا الوصف. ومن أشهر من فسر العبادة ما فسرها شيخ الإسلام رحمه الله تعالى كما في رسالته «العبودية» حيث قال رحمه الله تعالى مبينًا معنى العبادة: هو اسم جامع لكل ما يحبه الله ويرضاه من الأقوال والأعمال الباطنة والظاهرة. هذا هو معنى العبادة، ما معنى العبادة؟ اسم جامع، معنى عام، ما الذي يدخل فيه؟ اسم جامع لكل ما يحبه الله ويرضاه، أي شيء يحبه الله ويرضاه الله عز وجل اجعل هذا عبادة، طيب ما الذي يدخل فيه الذي يحبه الله؟ يدخل في ذلك الأقوال كالحمد والشكر والثناء والتهليل والاستغفار والتكبير والتحميد وقراءة القرآن والدعاء والتضرع، كل ذلك عبادة لأن الله يحبه ويرضاه. كذلك الأعمال الباطنة من الخشية والإنابة والتوكل والرهبة والرغبة والخشوع والتعظيم، هذا كل معاني قلبية يحبها الله فهي عبادة. كذلك الأعمال الظاهرة الأعمال الظاهرة كذلك من صلاة وزكاة وإياب وأخذ وعطاء، كل ذلك من الأعمال أعمال الجوارح الظاهرة تعتبر عبادة، فالله ماذا يحبها ويرضاها؟ وبهذا تعلم يا عبد الله أنه في اسم العبادة كل شيء يحبه الله ويرضاه يدخل في العبودية لله جل في علاه. ولهذا قال ربنا جل وعلا ﴿وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون﴾. مسألة أخيرة في هذه الآية قد يقول قائل: إذا كان الله جل في علاه خلق الخلق من أهل التكليف من إنس وجان لعبودية الله، لكننا نرى أن العبادة لا تستغرق إلا النزر اليسير، مثلا لو قلنا العبادة صلاة وصيام وذكر وقرآن، لربما لو جمعنا هذه الأعمال وضغطناها ضغطًا ورأينا كم تحتل من وقت الإنسان كله، لربما الساعة والساعتين، الصلوات الخمس مثلا هي أم العبادات رأس الطاعات، كم عسى تصلي الظهر والعصر والمغرب لو جمعناها جمعًا لما خرجت عن ماذا؟ نصف ساعة، خمس دقائق هنا وعشر هنا وعشر هنا انتهت هذه العبادة العظيمة. طيب كيف الله عز وجل خلق الإنسان لهذه الغاية وهي ما تشكل إلا النزر اليسير؟ فهل هذه العبادة فقط؟ لا يا عبد الله، افهم أمرًا آخر ينبغي أن نفهمه جميعًا، العبادة يا عبد الله تشمل جميع الحياة، فمن العبادات ما هي مقصودة بذاتها، ومن العبادات ما هي مقصودة لغيرها. فمثلًا يا عبد الله لا تظن أن العبادة في هذه الأشياء التي فرض الله جل وعلا عليها العباد، بل إنما كان وسيلة، وانتبئ للعبارة: كل ما كان وسيلة لعبادة ما فهي عبادة وتؤجر عليها، ويعطيك ربنا جل وعلا الأجر عليها. فمثلًا طعامك شرابك نومك، هذه كم تشكل من وقتك؟ الكثير من الأوقات، الواحد ينام في اليوم كم ساعة؟ ست ساعات سبع ساعات ثمان ساعات، هذا في النوم، في الأكل والشرب كم يستغرق؟ لربما ساعة وساعتين. هذه يا عبد الله إن وجدت النية الصالحة، إن وجدت النية الصالحة أنك في نومك تحتسب الأجر عند الله على أنك تريد أن تتقوى على طاعة الله، تؤجر، في أكلك تنوي أنك تزداد قوة في جسمك حتى تستعين على عبادة الله، تؤجر، وفي شربك وفي مدخلك وفي مخرجك، بل حتى في عملك، عملك يا عبد الله تؤجر عليه، في دكانك في بحرك في جوك في أرضك، مزارع موظف تؤجر. ولهذا لما كان من حديث أبي هريرة عندما جلس في مجلس مع رسول الله، قال: فخرج شاب من الثنية، قال: فرمقناه بأبصارنا، فقلنا: لو أن هذا جعل شبابه في سبيل الله، ورأوا أن هذا الجسد وهذا الشاب قوته لو أن استغل قوته في الجهاد، لا نعم به وأنعم به، فسمع نبينا مقالتهم وهم يتحسرون على هذا الشاب لو أنه جعل شبابه في سبيل الله. فقال رسول الله: «أوليس في سبيل الله إلا من قتل؟» أي ما عندكم إلا الموت في الساحة في ساحات الجهاد؟ قال: ثم قال عليه الصلاة والسلام: «من سعى على نفسه لكي يعفها فهو في سبيل الله، ومن سعى على والديه فهو في سبيل الله»، فهو عمل شغل، لكن تريد أنك تعف نفسك وأن تعف غيرك من قرابتك ومن والديك، يعد هذا في سبيل الله، تؤجر عليه. حينها يا عبد الله إذا فهمت هذه المدارك تستطيع من يومك إلى أن تمسي، وهذا اليوم كله عبادة، كله عبادة، هذا المراد من قوله جل في علاه ﴿وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون﴾، أن تجعل حركاتك حركاتك وسكناتك يا عبد الله، وكل قول وفعل، وفي كل عطاء ومنع، وفي كل جلب وأخذ، كله في سبيل الله، تؤجر عليه. وهذه العبودية التي يريدها الله جل في علاه، هذا ما نذكر إخواني في الله في هذه الآية التي ابتدأها المؤلف رحمه الله تعالى هذه الرسالة في قوله: ﴿وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون﴾، أي أن الله ما خلق الكائنات في هذه الدار وفي هذه الدنيا إلا لكي يتوجه له بالوحدانية في عبوديته جل في علاه. أسأل المولى جل وعلا أن ينفعنا بما قلنا، إنه ولي ذلك والقادر عليه، وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم، والله تعالى أعلم.