تنبيه الأنام ببعض أحكام شعبان 3

تنبيه الأنام ببعض أحكام شعبان 3

الدرس في تنبيه الأنام ببعض أحكام شعبان 3، ألقاها الشيخ أبو هاشم جمال بن سرور

فضل شهر شعبان والحكمة من صيامه

شهر شعبان له فضل عظيم حيث كان النبي يكثر من الصيام فيه لرفع الأعمال وتقديمه لصيام رمضان. يُعد صيامه من السنن المهجورة التي ينبغي إحياؤها.

أهمية العبادة في أوقات الغفلة

تعظم أجور العبادات في زمن الغفلة مثل صلاة العشاء وقيام الليل وذكر الله، لأنها تكون في وقت قل فيه المتقيدون بالطاعات. الرسول صلى الله عليه وسلم أشار إلى ذلك في أحاديثه.

أسباب تعظيم الأجر في أوقات الغفلة وتأثيرها على الإيمان

يعظم الأجر في أوقات الغفلة لعدة أسباب منها قوة إخلاص العبد لله، وقوة إيمانه، وإحياء العمل الصالح في زمن انقطاع الناس عنه. التعبد في هذه الأوقات يدل على إخلاص العبد وعدم ريائه أو سمعته.

دور العبادة في زمن الغفلة في إحياء الأمة

يُشير المقطع الأخير إلى أهمية استمرار العمل الصالح حتى في أوقات الغفلة، ويُبرز دور القائمين الليل في إحياء الأمة وإدامة العمل الصالح. يُختتم بالدعاء بأن ينفع الله المستمعين ويجعلهم من أهل الخير.

التفريغ النصي الكامل

إن الحمد لله، نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا. أما بعد، في دروس خلت، إخواني في الله، كانت الإشارة إلى هذا الزمن المفضل، ألا وهو شهر شعبان، والذي ميزه الله جل وعلا بالفضائل والمقامات الحسان. وأشرنا إلى عناية نبينا عليه الصلاة والسلام بهذا الشهر بكثرة الصيام، وألمحنا، إخواني في الله، إلى مسائل عدة متعلقة بالصيام، ومنها التنبيهات التي مضى ذكرها من أن الإنسان يحرص ولو على صيام أيام من شعبان، وذلك حتى تعينه في صيام رمضان، فإن من اعتاد من الآن على الصيام كان بإمكانه أن يمر عليه رمضان وهو لا يشكو من حرارة الصيام كما يحصل من كثير من الناس. وأيضًا من التنبيهات في هذا الباب أن من كانت عليه أيام من رمضان حلت، فليحرص على أدائها الآن، لأن شعبان هو المنتهى في مسألة القضاء. وإن كنت يا عبد الله آثمًا إن لم يكن معك عذر. وأشرنا كذلك في الدروس السابقة إلى مسألة، وهي لماذا كان نبينا يكثر من صيام شعبان؟ أرجع العلماء، كابن القيم وغيره، إلى ذلكم إلى عدة علل، من ذلكم أن النبي صلى الله عليه وسلم تكون عليه أيام من الأيام البيض أو ثلاثة أيام من كل شهر، فلا يستطيع أن يقضيها حتى يدخل عليه شعبان فيقضيها جميعًا. وقيل إنه كان يكثر من صيام شعبان استغلالًا لمزية رفع الأعمال، وهذا قول وجيه. وهكذا مما ذكر من علة كثرة الصيام من رسول الله في شعبان أن شعبان فضله عظيم لأنه مقدمة لرمضان. وأشرنا إلى هذه المسألة قياسًا على مسألة النوافل مع الرواتب. وهناك علة رابعة أذكرها في هذا المقام، وهي من العلل التي أرجعها العلماء في سبب كثرة نبينا من صيام شعبان، ألا وهي أن هذا الشهر تكثر فيه الغفلة. وجه ذلك ما جاء عند النسائي من حديث أسامة بن زيد حين قال: يا رسول الله، لم أرك تصوم من الشهور ما تصوم من شعبان؟ فقال: «ذاك شهر يغفل عنه الناس». فأشار نبينا صلى الله عليه وسلم إلى الغفلة الحاصلة للناس في هذا الشهر، فكان من أمره عليه الصلاة والسلام أنه يكثر من الصيام. ومنه استفاد العلماء فائدة، ألا وهي أنه على المسلم إذا كان في وقت أو في زمن أو في مكان تكثر فيه الغفلة، فعليه أن يعمر هذا الزمان والمكان بطاعة المولى، فإن الأجر فيه يعظم. وإن من تأمل في أدلة الشريعة تجد أنها تؤيد هذا المعنى بأمثلة كثيرة. مثاله ما جاء من أمره عليه الصلاة والسلام أنه أخر صلاة العشاء، أخرها جدًا، حتى قال الراوي: يا رسول الله، نام الصبيان ونام النساء، نام الخلق. ثم صلى بهم، فلما انتهى من صلاته أبان عن العلة، قال عليه الصلاة والسلام: «إنه لم يبق أحد ينتظر الصلاة إلا أنتم»، أي: هذا الآن على وجه الأرض، ما هناك أحد ينتظر الصلاة إلا أنتم، فهو زمن غفلة. فلعلمه بغفلة هذا الوقت أحب نبينا صلى الله عليه وسلم أن يعمره بصلاة العشاء. مثله ما كان في زمن الغربة، غربة الدين، غربة الإسلام، كما قال عليه الصلاة والسلام: «بدأ الإسلام غريبًا وسيعود غريبًا، فطوبى للغرباء». قيل: شجرة، قيل: الجنة، قيل: نعم عيش، نعم عين. أسأل الله بالمدح، طوبى للغرباء. لماذا امتدح نبينا الغرباء؟ لأن هؤلاء ثبتوا في وقت قل من يثبت فيه، فهم غرباء، قلة في وقت كثرت فيه الغفلة، فكان أجرهم مضاعفًا. لهذا جاء عند في السنن من حديث أبي ثعلبة الخشني أن أجر الواحد منهم كأجر خمسين عاملًا. فالأجر يعظم في زمن الغفلة، مثله ما جاء في أيام الفتن، إذا هاجت الفتن من فتن القتل والقتال وسفك الدماء، من فتن الدنيا والانغماس في الملذات، حين يبتعد الناس عن الدين. يبتعد الناس، فبينما يبتعد الناس، إذ بطائفة من خلق الله ثبت في هذا الزمن، الغافل الخلق عن دين الله، فبتأذن الناس، هؤلاء يعظم أجرهم. قال عليه الصلاة والسلام: «العبادة في الهرج كهجرة إلي»، رواه مسلم. لماذا عظم الأجر في حق من تعبد الله في أيام الفتن؟ لأنه زمن غفلة. وهكذا مثله قيام الليل، هي من السنن النوافل، لكن أجرها من أعظم النوافل التي يتقرب بها العبد بعد المكتوبة، قيام الليل. لماذا قيام الليل بهذه المثابة من القوة والمتانة ومن كثرة الأجور والثواب؟ لما تعلم يا عبد الله أن ما يقوم القائم في الليل إلا وهو في زمن غفلة الناس، في غفلة، في سبات ونوم، وهذا قائم لله، فكان أجره معظمًا. وهكذا قس يا عبد الله، في الأزمان، ولا في الأماكن، إذا كنت في مكان غفلة، فحينها التعبد لله يعظم أجره. كما جاء في أحاديث من يحسنها جماعة، يحسن جماعة من أهل العلم، فيمن ذكر الله في السوق، السوق مكان غفلة، حيشات وصيحات وبيع وشراء، وغفل عن الله وعن ذكره، فها أنت تذكر ربك، هذا إشارة إلى ماذا؟ إشارة إلى مدى حبك لذكر الله وطاعتك لله، حينها الأجر في ذلكم عظيم. فالحاصل، إخواني في الله، من خلال هذه النظائر والقصص، ستعلم ما يذكره العلماء أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يحرص على الصيام في شعبان لأنه كما قال: «شهر يغفل عنه الناس». ومن هنا استحب العلماء أنه على الإنسان إذا كان في وقت أو زمان أو مكان حصلت فيه الغفلة، فعليه أن يلجأ إلى طاعة، يغتنمها، لأن العبادة هاهنا أجرها مضاعف. كأن تكون يا عبد الله في مركوب، في باص، في باخرة، في سيارة، والناس في غفلة، الناس في غفلة، حينها اعلم أن هذا المكان الذي تقطن فيه الغفلة، الأجر فيه يكثر، اذكر الله. أو رأيت أن الناس قد ابتلوا بمآزق، وما تفطن أحد منهم إلى الصدقة أو النفقة أو السخاء أو البذل أو العطاء، سارع إلى البذل، لأن الأجر هنا يعظم. وهكذا قس، هنا تأتي مسألة، وأخص بهذا المقام بعد التعليل والبيان من أن الأجر يعظم على حسب الغفلة، السؤال: لماذا، لماذا، لماذا في أوقات الغفلة الأجر يعظم؟ يعظم الأجر في أزمان الغفلات لعدة أسباب. أولاها أن في ذلك إشارة إلى قوة إخلاص العبد، إخلاص الذي يتعبد الله في زمن الغفلة، ما يرد رياء ولا سمعة، وأين الرياء وأين السمعة؟ وما هناك حشود وما هناك جمهور، ما هناك أناس، ما هناك أحد أصلا، ما هناك أحد في زمن الغفلة، ما يبقى إلا القلة، فهذا الذي ثبت، ما الذي أراد بثباته وطاعاته؟ أراد وجه الله فقط. فلما كان الإنسان يتعبد الله في أوقات الغفلة كان ذلك إشارة إلى مدى إخلاصه لله جل وعلا، فلا يطلب ثناء ولا سمعة ولا رياء ولا مدحة. ولهذا جاء في الصحيح: «إن الله يحب العبد الخفي التقي الغني»، عبد خفي يتخفى، إشارة إلى مدى إخلاصه لله. فكان من أسباب مضاعفة الأجور في أزمان وأماكن الغفلات أنها إشارة إلى قوة إخلاص صاحبه. ثانيًا: أن التعبد لله في أزمان وأماكن الغفلة إشارة إلى قوة إيمانه، قوة إيمانه. الذي يعرف وهو المضطرد في عبادات الناس أن الواحد منا ينشط متى ينشط؟ إذا رأى الناس معه، لربما تأتي إلى المسجد فتجلس فتجد هذا يقرأ القرآن وذاك يقرأ القرآن وذاك يقرأ القرآن، فحينها تقول: أشارك الناس في الخير، فتأخذ المصحف وتقرأ فيه. وهكذا ربما تأخذ مع صحبة من الناس فتجدهم يفعلون الخير فتفعل معهم، وهكذا تجد أن الإنسان ينشط في العبادة مع الجماعة، وهذا شيء معروف من عوامل الخير، الاحتفاف والاجتماع. لكن تعال إلى رجل في زمن الغفلة وما عنده أحد، ومع ذلك تجده قائمًا صائمًا ذاكرًا حامدًا شاكرًا لله، من أين جاءت هذه العبادة؟ من قوة إيمانه، ما احتاج إلى عامل آخر. فالإنسان الذي يتعبد الله في زمن الغفلة دلالة على قوة إيمان صاحبه. ولهذا علي بن المديني رحمه الله تعالى من عباراته أنه قال: «ما قام أحد كما قام الإمام أحمد»، أي: قام بالدين، فقيل له: يا أبا الحسن، ولا أبو بكر الصديق؟ قال: ولا أبو بكر الصديق، إن أبا بكر كان له أعوان، وأما الإمام أحمد فلم يكن معه أحد، أي: في فتنة خلق القرآن، ما كان معه أحد، لوحده، لقوة إيمانه قام. فدل ذلكم على أن مما وبسببه ضعف الأجر في زمن الغفلة إشارة إلى قوة إيمان صاحبه. وأخيرًا، إخواني في الله، يذكر العلماء أن من أسباب مضاعفة الأجور في زمن الغفلة أن في هذا التعبد إحياء للعمل الصالح، أن العمل الصالح لا ينقطع، الناس إذا قاموا قاموا بالعبادة أحيت الأرض بطاعة الله. وإذا غفلوا وكاد العمل الصالح أن ينقطع عن وجه الأرض ظهر من يحييها، إذا دخل الليل وأصبح الناس في سبات، وأصبح ما هناك أحد يعمل عملًا صالحًا، كاد العمل الصالح أن ينقطع، يظهر من يقوم الليل، فتبقى دوامة العمل الصالح والأجور ترتفع من الأمة إلى الله سبحانه وتعالى. فذكروا أن من فضائل عبادة الله في زمن الغفلة الاستمرار للطاعات والعبادات على وجه الدوام. فأسأل المولى جل وعلا أن ينفعنا بما قلنا، ونسأله سبحانه وتعالى أن يجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، إنه ولي ذلك والقادر عليه. وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم، والله تعالى أعلم.