رمضان والمقامات الحسان - مقام الدعاء 9

رمضان والمقامات الحسان - مقام الدعاء 9

الدرس في رمضان والمقامات الحسان - مقام الدعاء 9، ألقاها الشيخ أبو هاشم جمال بن سرور

مقدمة في مقام الدعاء وأهميته

الدعاء هو وسيلة لاظهار ضعف العبد وذله وفقره لربه، وهو من العبادات العظيمة التي جاء بها الإسلام.

فضل الدعاء في رمضان وأدلته

رمضان موسم للدعاء وتكفل الله بإجابة دعاء الصائمين، وقد وردت آيات قرآنية وأحاديث نبوية تُبين أهمية الدعاء في هذا الشهر.

أوقات وأحكام الدعاء في رمضان

للصائم دعوة مستجابة عند فطره، ورمضان كله فرصة للدعاء، ويُوصى بالدعاء لنفسك ولغيرك من المسلمين في مختلف الأوقات.

ختم الدرس بالدعاء والصلاة على النبي

المقطع يتضمن دعاءً بأن ينفع الله تعالى بما قيل ويجعل السامعين من المتبعين لأحسن الأقوال، ويختم بالصلاة على النبي محمد وآله وصحبه.

التفريغ النصي الكامل

إن الحمد لله نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليما كثيرا. أما بعد، إخواني في الله، إن من المقامات العظيمة والتي نحن بصدد تتبعها من خلال هذه الدروس رمضان والمقامات الحسان، فإن من عظيم هذه المقامات والتي ينبغي على جميع المسلمين والمسلمات أن يحرصوا على الاتصاف بها، وخاصة في مثل هذه الأوقات، ما يكون من مقام الدعاء. الدعاء يا عبد الله من المقامات الحسان، بل هو من العبادات العظام التي جاء بها الإسلام في ضرورة أن نتعبد الله جل وعلا بها في كل زمان وفي كل مكان، وخاصة في أيام رمضان. الدعاء يا عبد الله هي وسيلة لكي يظهر العبد ضعفه وذله وفقره وحاجته ومدى احتياجاته لربه، يظهر هذا كله بالانطراح بين يديه سبحانه وتعالى، فيرفع تضرعه وشكواه وبثه وآلامه إلى ربه مولاه سبحانه وتعالى. وكم هي الآيات القرآنية التي يأمر فيها ربنا جل وعلا العباد بضرورة الدعاء وصدق الاعتماد والالتجاء إلى رب الأرض والسماء، كما قال سبحانه: ﴿ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً﴾، وقال سبحانه: ﴿هُوَ الْحَيُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ فَادْعُوهُ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾. وجاء في الحديث، قال عليه الصلاة والسلام: «وإذا سألت فاسأل الله، وإذا استعنت فاستعن بالله». هذه وصية من رسول الله عليه الصلاة والسلام ذكرها لابن عباس وهو غلام صغير. ونبينا صلى الله عليه وسلم يقرر لدى هذا الصغير هذا المعتقد: إذا سألت فاسأل الله، وإذا استعنت فاستعن بالله، يعلمه نبينا صلى الله عليه وسلم منذ نعومة أظفاره على أنه لا يتوجه يمنة ولا يسرة، وإنما يتوجه إلى ربه مولاه جل في علاه. وبالمقابل، فإن الله جل وعلا توعد أقواما أدبروا عن عبادته، قال سبحانه: ﴿وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ﴾. وقال ربكم ادعوني أستجب لكم، إن الذين يستكبرون عن عبادتي - أي يستكبرون عن دعائي - توعدهم ربنا جل وعلا بالعذاب الشديد والنكال الأليم حين أن أدبروا عن دعاء الله. وإن من المؤسف إخواني في الله أن نجد أن الكثير من الناس قد غفل عن هذا المقام العزيز. نعم، الدعاء أصبح مقاما عزيزا قل من يطرقه من أهل الإسلام. فالكثير من الناس ملتجأ إلى الله في تسيير أمورهم وتيسير حوائجهم، فمن الناس من لربما إذا وقعت بلية أو وقعت معضلة أو أراد أمرا ما، لربما هرع وسارع وجرى إلى أبواب السحر والكهانين وإلى المشعوذين والعرافين، وذلك لكي يمدوه بالطلاسم والحروز ويعينونه بالجن والعفاريت التي لربما من ورائها تتحسن أحواله من مصادر رزق أو حمل أو رفع نكبة أو رد حاسد على حد زعمهم. ومن الناس من لربما هكذا حاله إذا وقع في بلية وأراد أن تنفرج عنه، لربما أعد العدة في أن يذهب إلى قبور الأولياء على حد زعمهم، فذهب إلى قبر الضريح فانبطح بين يديه، فليسأل المدد يا فلان، المدد يا فلان، فذلكم يطلب الولد وذلك يطلب المال، وهكذا أقوام شتى قد تعلقت قلوبهم بغير الله، تعلقت قلوبهم بالأولياء والأنداد. وسل - يا عبد الله - الزيارات الشركية تنبيك عن هذه السؤالات التي ما رفعت لرب الأرض والسماوات. ومن الناس من لربما اعتمد على عقله واعتمد على فكره وشخصه واعتمد على حذلقته، ويكأنه ليس بحاجة إلى ربه، ما هو هناك حاجة للدعاء، يرى أن الدعاء ضعف وأن الدعاء عجز. لماذا؟ وأنا قد أعطاني ربي عقل وهمة وقوة وشدة، فلا يزال يسعى بنفسه ولا يعتمد على ربه. وهكذا إخواني في الله، أصنافا كثر من خلق الله ما طرقوا باب الدعاء. وهنا أنبئ إخواني في الله على مسألة وهو حديث مكذوب يتداوله بعض الناس وله أثر سلبي في حياتهم، وهو ما يكون في قصة إبراهيم عليه السلام عندما كان في المنجنيق وأراد الكفار أن يرموه إلى النار، فحينها نزل عليه جبريل كما في القصة، فقال له جبريل: يا إبراهيم هل لك من حاجة؟ فقال إبراهيم: لا، أما أريد شيئا، لمعنى الحديث: علمه بحالي يغنيه عن سؤالي، ما في داعي أني أطلب من ربي بما أن الله يعلم حالي، يعلم ما أنا فيه، يعلم بذلك إذا ما في داعي أن أطلب، علمه بحالي يغنيه عن سؤالي. هذا مكذوب، كذب، هذا موضوع، حاش لإبراهيم عليه السلام أن يفعل ذلك. بل إن الله جل وعلا أمر العباد أن يسألوه وأن يتضرعوا إليه وأن يلتجئوا إليه. بل إن الله يحب من عباده الملحين، كلما ألححت على الله بالسؤال والطلب والدعاء أحبك الله، لأن في إلحاحك إظهار لضعفك وإظهار لعجزك وأنك محتاج جائع إلى ربك، فيرتفع مقامك عند الله. فاحذر يا عبد الله من هذه القصص المكذوبة. إخواني في الله، ها هو رمضان أتى، وهو يدفع بنا دفعا إلى هذه الخصلة العظيمة. فإن رمضان لم يأت فقط في أن يدفع المسلم في أن يتعبد ربه جل وعلا بأعماله وعباداته، بل إن رمضان يربي المسلم على أن العبد يتقرب إلى الله بلسانه بالدعاء. ولهذا قال سبحانه وتعالى: ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ﴾. هذه الآية أين ذكرت؟ ذكرها الله عز وجل في ظل وفي ضمن الآيات التي تتعلق بأحكام الصيام: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ﴾، ثم ذكر ربنا أحكام الصيام، ومن ضمن أحكام الصيام أشار ربنا إلى هذه الآية: وإذا سألك عبادي عني. إذن من حكمة؟ قال الإمام كثير رحمه الله تعالى: وفي ذكره تعالى لهذه الآية الباعثة على الدعاء متخللة بين آيات الصيام إرشاد إلى الاجتهاد في الدعاء، حين عند اكتمال العدة، بل وعند كل فطر، بل وعند كل فطر. هذه الحكمة ما أورد ربنا عز وجل آية الدعاء وجعلها بين آيات الصيام إلا لإشارة لهذه الحكمة على أن من مواطن الدعاء رمضان. رمضان وأن تأمل في علاقة رمضان بالدعاء من خلال السنة النبوية يجد هذه العلاقة واضحة. فربنا سبحانه وتعالى جعل رمضان موسمًا للدعاء، لأن الله جل وعلا قد تكفل فيه بإجابة دعاء السائلين وبإجابة دعاء المضطرين. روى الإمام البزار رحمه الله تعالى من حديث أبي سعيد الخدري رضي الله تعالى عنه قال: قال عليه الصلاة والسلام: «إن لله عتقاء في كل يوم من رمضان، وإن لكل مسلم في كل ليلة دعوة مستجابة». إن لله في كل يوم، وإن لكل مسلم في كل ليلة دعوة مستجابة، تكفل الله سبحانه وتعالى بأن يستجيب دعاء من دعاه والتجأ إليه وصدق في دعواه. وهكذا ما جاء في السنن، قال عليه الصلاة والسلام: «ثلاث دعوات لا ترد: دعوة الوالد، ودعوة الصائم، ودعوة المسافر». والألباني رحمه الله يحسن هذا الحديث بمجموع طرقه. ثلاث دعوات لا ترد: دعوة الوالد إذا دعا الوالد لأولاده، فإن الله يستجيب لدعائه، ودعوة المسافر حين سفره، ودعوة الصائم. وهذا الذي نريده في مقامنا: الصائم في حال صومه إذا رفع أكف الضراعة إلى الله، فالله لا يردها صفرا، لا يردها صفرا، وهو أكرم الأكرمين جل في علاه. وهذه الأدلة العامة إخواني في الله تدل على أن رمضان من أوله إلى آخره محل لاستجابة الدعاء. ومن أهل العلم من يرى أن أجدر وأفضل وأحسن وقت للدعاء عند الفطر، عند الإفطار، وذلك لما جاء في بعض الأحاديث، قال عليه الصلاة والسلام: «وللصائم عند فطره دعوة لا ترد». للصائم عند فطره دعوة لا ترد، عند فطره، على قولين اثنين: عند فطره أي على وشك الإفطار، أي ما أفطر، يعني منتظر حلول وقت المغرب، فبينما هو ينتظر الإفطار استغل المقام بالدعاء. هذا عند فطره دعوة لا ترد، أو عند فطره إذا أفطر، إذا تناول الفطر دعا ربه في هذا المقام. فبعض العلماء على هذا الحديث يرى أن أفضل ما يدعى به الرب سبحانه وتعالى ويتوجه إليه بالدعاء عند الفطر. إلا أن طائفة من أهل العلم يرى أن هذا الحديث لم يثبت عن رسول الله عليه الصلاة والسلام، بل يرى أن رمضان ووقت الصيام من أوله إلى آخره كله متاح للدعاء دون تخصيصه بمحل ودون تحديده بزمن. فالآن تدعو قبل الصلاة، أدعو بعد الظهر، تدعو قبيل العصر، أدعو، تدعو في كل وقت، عند المغرب، بعد المغرب، في المساء، فلك أن تدعو الله جل وعلا بما شئت، لأن رمضان من أوله إلى آخره في ليله ونهاره قد جعله الله جل وعلا محلا لاستجابة الدعاء. فالشاهد إخواني في الله، فتجد أن هذه الأدلة الناهضة أمامنا تدل على أن من أعظم ما يدعو إليه رمضان أنه يهدف بنا ويدفع بنا دفعا إلى مقام الدعاء، بما كان من التحضيض والتحريض، ومما كان من الترغيب في أن الله عز وجل يستجيب دعاء الداعين. فمن هنا إخواني في الله علينا أن نحرص على هذا المقام قدر الإمكان، وهو يسير على من يسره الله عليه. كم منا من أحد لربما في قلبه وفي صدره المئات والمئات من حوائج، فيا عبد الله لا تكبتها. ها هو موسم الذي فيه يبث العبد نجواه إلى ربه مولاه. أدع الله وادع ربك يا عبد الله بما فيه حظ الدنيا وحظ الآخرة، حظ الدنيا وحظ الآخرة، بما يعود عليك منفعتك في دينك ودنياك وفي أولاك وأخراك. وأنت تدعو الله يا عبد الله، كذلك تدعو بكل من له حق عليك: الدعاء للوالدين، الدعاء للأهل والأولاد، الدعاء للأقارب والأرحام، وكل من تمت له بصلة خصه يا عبد الله بالدعاء. وليس معنى ذلك أن يكون الدعاء حكرا لأقرب الناس، بل يا عبد الله اجعل الدعاء عاما. ولهذا قال عليه الصلاة والسلام: «من استغفر للمؤمنين والمؤمنات كان له بكل مؤمن ومؤمنة حسنة». سبحان الله، كم عدد المسلمين؟ كم أعداد مهولة؟ مليارات من أهل الإسلام، فلما تستغفر الله وتدعو الله في دعائك، وهذا فيه الترغيب على أنك تدعو لنفسك وتدعو لغيرك لإخوانك: اللهم اغفر للمسلمين، تدعو لهم، لما تدعو لكل مسلم ومسلمة، فإن لك في كل مسلم ومسلمة حسنة. لا تكلم عن من في المسجد هذا، لا، بل على أهل، على من كان على وجه الأرض، كل مسلم تكتب لك فيه حسنة. فانظر يا عبد الله كم ستدعو لأمة الإسلام، فاستكثر يا عبد الله من الدعاء. الدعاء من دخل فيه لن يحرم من خير أبدا. تدعو الله عز وجل لأهل هذه البلاد اليمانية، وبما ابتلينا به، فربما بدعاء الداعين يكف ربنا عز وجل عنا الكثير من الشرور والأعراض والأخطار التي تحدق بهذه الأمة. الدعاء لعامة المسلمين، من كان في أرض فلسطين، ومن كان في غيرهم، ندعو الله، نلجأ إلى الله عز وجل بالدعاء. والدعاء يا عبد الله له أماكن كثيرة: في سجودنا، في قيامنا، بعد الصلوات، في جوف الليل، وهكذا. لا يزال المسلم يغتنم من وقته الشيء الكثير في دعاء ربه سبحانه وتعالى. وإن الإنسان ما دام يقرع الباب يقرع الباب، فإن الباب يوشك أن يفتح له. فلا تيأسن يا عبد الله من الدعاء، لا تيأسن. فأنت في عبادة، استجيب لك أو لم يستجب لك، ادع الله. أنت في عبادة، اجعلها كما قال: ورد تدعو الله جل وعلا ليلة نهار. أسأل المولى جل وعلا أن ينفعنا بما قلنا، ونسأله سبحانه وتعالى أن يجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، إنه ولي ذلكم والقادر عليه. وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم، والله تعالى أعلم.