الدرس في رمضان والمقامات الحسان - إطالة الأعمار 7، ألقاها الشيخ أبو هاشم جمال بن سرور
يتناول هذا الفصل نعمة إطالة الأعمار ورغبة النفس البشرية في البقاء، ويشير إلى أهمية استغلال هذه النعمة في طاعة الله. كما يحذر من إضاعة العمر في غير طاعة الله.
يُبين هذا الفصل فضل إطالة العمر إذا صاحبته طاعة الله، ويشير إلى الأحاديث النبوية التي تدعم هذا المعنى. كما يوضح أن الشيب يعتبر نورًا يوم القيامة لمن عاش على الاستقامة.
يُشدد هذا الفصل على أهمية استغلال العمر في الأعمال الصالحة، خاصة في المواسم المباركة، ويوضح أن الأعمال تُختتم بالمقدمات الصالحة. كما يشدد على شكر الله على نعمة إطالة العمر.
يختم هذا الفصل بالدعاء بأن ينفع الله بما قيل ويجعل السامعين من المتبعين للخير، ويختم بالصلاة على النبي محمد وآله وصحبه.
إن الحمد لله، نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا. أما بعد، من المقامات العظيمة، بل من النعم الجليلة التي يمنّها الله جل وعلا على من شاء من عبيده، ما يكون من إطالة الأعمار، نعمة كم تاقت إليها النفوس أن يزاد في عمرها، وأن يجعل لها فسحة من دهرها، نعمة أن تعيش في هذه الدنيا، يا عبد الله، عمرًا طويلًا، ويكتب لك أجلا مديدًا. ولعظيم هذه النعمة، قد منّ الله سبحانه وتعالى على خلقه، قال ربنا جل في علاه: ﴿فَلَنُذِيقَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا عَذَابًا شَدِيدًا وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَسْوَأَ الَّذِي كَانُوا يَعْمَلُونَ * وَلَنَجْزِيَنَّ الَّذِينَ صَبَرُوا أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾، وقال أيضًا: ﴿أَفَرَأَيْتَ إِن مَّتَّعْنَاهُمْ سِنِينَ﴾. فالنفس البشرية، إخواني في الله، في أي دين، وفي أي ملة، تستروح بأن تبقى في هذه الدار ليلًا ونهارًا، صبحًا ومساءً، تتقلب في هذه الحياة الدنيا. ولهذا، من أعظم ما يعكر على الناس في حياتهم، ما يكون من ذكر الموت، ولهذا عبر عنه بـ«هادم اللذات». وما من أحد إلا وهو يكره الموت، كما قالت عائشة رضي الله تعالى عنها: «ما من أحد إلا وهو يكره الموت»، لأن الموت انقطاع، ويقابله أن الإنسان يحب أن يعمر في هذه الدنيا العمر المديد. ولهذه الخصلة البشرية في النفس السوية، كان من أعظم المرغبات التي يرغب الله جل وعلا فيها العباد، في دفعهم للإقبال على العمل الصالح السديد، بأن الله وعدهم بالعمر المديد. قال عليه الصلاة والسلام: «من سره أن يبسط له في رزقه، وأن ينسأ له في أثره، فليصل رحمه». صلة الرحم عمل صالح من المرغبات لهذا العمل الصالح. العمر: «من سره أن يبسط له في رزقه، وأن ينسأ له في عمره»، النساء هنا، قال العلامة: هو التأخير في العمر، أي أن الله يطيل في عمرك. رغب ربنا بهذا العمل الصالح بهذه الخصلة البشرية. وجاء كذلك في مسند الإمام أحمد، من حديث عائشة، قال عليه الصلاة والسلام: «صلة الرحم، وحسن الخلق، وحسن الجوار، يعمرن الديار، ويزدنا في الأعمار». لما كانت هذه من النعم البشرية، رغب ربنا جل وعلا فيها، شريطة أن تقوم بهذه الأعمال: صلة الرحم، وحسن الخلق، وحسن الجوار، يعمرن الديار، ويزدنا في الأعمار. ويكأن الله جل وعلا يدلل لنا على أن هذه نعمة عظيمة، خصلة أن تعمر، يا عبد الله، في هذه الدنيا. ومثله أيضًا ما قاله عليه الصلاة والسلام: «من سره أن يمد له في عمره، وأن يزاد له في رزقه، فليبر والديه، وليصل رحمه». من سره أن يمد له في عمره، إطالة الأعمار، فأكون أن الشرع يضرب على هذا الوتر في الترغيب بالأعمال، دل على أن النفس ترغب بهذه الخصلة. كلنا نرغب على أن الله يعطيه من العمر ما يعطيه الكثير والكثير والكثير. لكن تبقى مسألة، إخواني في الله، ينبغي أن تفهم: إن إطالة الأعمار ليس في حد ذاتها نعمة، لا، وإنما هي نعمة فيما تكرس فيه. ولهذا جاء من حديث أبي برزة الأسلمي، وجاء من حديث عبد الله بن مسعود عند الترمذي، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «لا تزول قدم عبد يوم القيامة حتى يسأل عن أربع»، وفي رواية: «عن خمس»، وفيها: «وعن عمره فيما أفناه». نعم، قد أطال الله لك في العمر، لكن بقي: أين ذهب هذا العمر؟ أين مضى؟ أين ذهب وانقضى؟ في ماذا؟ وعن عمره فيما أفناه. وجاء كذلكم عند الحاكم، من حديث ابن عباس، قال عليه الصلاة والسلام: «اغتنم خمسًا قبل خمس»، ومنها: «واغتنم حياتك قبل موتك». اغتنمها. الحياة نعمة. الأعمار تغتنم بماذا؟ هنا الشاهد: العمر، أخواني في الله، من أعطاه الله عمرًا، ينبغي أن يستغله في طاعة الله، في مرضاة الله. قال ربنا جل في علاه: ﴿قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾. فحياتنا من أولها إلى آخرها هي لله، في طاعة الله، في مرضاة الله، فيما يقربون إلى الله. الله جل وعلا هو الذي خلقنا لغاية حميدة، ألا وهي عبادته وعبوديته، فينبغي أن نقوم بها. فالإنسان، إخواني في الله، كلما أطال الله في عمره وهو على عمل صالح، قد بلغ القمة في الخيرية. قال عليه الصلاة والسلام: «خياركم أطولكم أعمارًا، أحاسنكم أعمالًا». ينبغي أن يسير هذا مع هذا، لا نقصان. كلما رأيت أن الله جل وعلا أطال في العمر أكثر، يا عبد الله، من العمل. «خياركم أطولكم أعمارًا، أحاسنكم أعمالًا». وجاء رجل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، من حديث عبد الله بن بسر، فقال: «يا رسول الله، من خير الناس؟» فقال عليه الصلاة والسلام: «طوبى لمن طال عمره، وحسن عمله». وفي رواية: «لما سئل عليه الصلاة والسلام: من خير الناس؟ قال عليه الصلاة والسلام: خير الناس من طال عمره، وحسن عمله، وشر الناس من طال عمره، وساء عمله». هذه معادلة، احفظها. إذا رأيت، يا عبد الله، من نفسك أو رأيت من غيرك أن الله جل وعلا يطيل في عمره، وهو يزيد إقبالًا على ربه، فاعلم أن الله أراد به خيرًا. وإذا رأيت العكس، أن الإنسان كلما طال في العمر، ساء عمله، فردت أخلاقه، انحرفت أعماله، قل إقباله على ربه، اعلم أن الله أراد به شرًا. ولهذا، إخواني في الله، فنعمة العمر ينبغي أن تستغل في طاعة الله سبحانه وتعالى. وكلما طال في الإنسان العمر، وهو على هذا الهدي المستقيم والعمل الصالح المبين، فليعلم أنه على خير عظيم. حتى قال عليه الصلاة والسلام: «من شاب شيبة في الإسلام، كانت له نورًا يوم القيامة». شيبة واحدة، احسب، يا عبد الله، عدد الشيب الذي في رأسك أو في لحيتك، كم عددها؟ كلها ستكون لك نورًا يوم القيامة. من أين جاء هذا النور؟ هذا النور جاء، يا عبد الله، لأنه أمارة ودلالة وعلامة على أنك رسخت قدمك في الإسلام. «من شاب شيبة في الإسلام»، ما جاء هذا الشيب إلا بعمر السبعين والثمانين، وربما من فوق ذلك أو دون ذلك. وهذا الرجل لا زال في الإسلام، مات، زحزح يمنة ولا ذهب يسرة، وإنما على هذا الصراط المستقيم، على المنهج القويم، والشيب يشهد له على رسوخ قدمه في الإسلام. فكان الأمر أن جازاه الله بأن جعل لكل شيبة نورًا. «من شاب في الإسلام شيبة، كانت له نورًا يوم القيامة». قال رجل: «يا رسول الله، إن رجالًا ينتفون الشيب». ينتفون الشيب. فقال عليه الصلاة والسلام: «من شاء فلينتف نوره». من شاء فلينتف نوره. هذا نور لك، فإذا ما أردت النور، أردت الظلمة يوم القيامة، فهذا شأنك. إخواني في الله، إن مما نذكر في هذا المقام أن نعلم أن من أعظم نعمة الله على العباد، فيما يكون من إطالة الأعمار، أن يمتعهم لحضور مثل هذه المواسم المباركات. نعمة عظيمة أن يمر عليك رمضان تلو رمضان، وأنت من أهله وأصحابه ورواده، وصوامه وقوامه. نعمة ليست بيدنا، وليست بحولنا، ولا بقوتنا، وإنما هو فضل محض من ربنا. كم من أناس كانوا أشد منا حرصًا، وأكثر منا حبًا على حضور هذا الشهر، إلا أنه قد سبقتهم الآجال، ووافتهم المنية، وقضوا نحبهم، وحيل بينهم وبين ما يشتهون، فأصبحوا من أهل القبور. بينما نحن، يا عبد الله وإياك، ها نحن نتمتع في هذا الشهر الفضيل، نتقلب بين أيامه وفضائله، ونستمتع بمحاسنه، وما أعده الله لأهله. فضل نعمة عظيمة هنا، يا عبد الله، نستشعر فضيلة هذا المقام العظيم، إطالة الأعمار في حضور شهر رمضان. ذكر شيخنا مقبل بن هادي الوادعي رحمه الله تعالى في كتابه العظيم «الصحيح المسند مما ليس في الصحيحين»، من حديث عبيد بن خالد، أن النبي صلى الله عليه وسلم آخى بين رجلين، فقتل أحدهما، ومات الآخر بعده. قال عبيد: فصلينا عليه -أي على الثاني- فقال لهم نبينا صلى الله عليه وسلم: «ماذا قلتم؟» -أي في صلاتكم، في دعائكم- قلنا: «يا رسول الله، دعونا الله له: اللهم اغفر له، اللهم ارحمه، اللهم الحقه بصاحبه». الصحابة رضي الله تعالى عنهم ظنوا أن هذه المؤاخاة التي كانت بين الرجلين في الدنيا أن تستلزم أن تستمر في الآخرة، فيكون في منزل واحد: «اللهم الحقه بصاحبه»، يكون في رتبته. فرد عليهم نبينا صلى الله عليه وسلم متعجبًا مستغربًا كيف هذا؟ فقال لهم: «فأين صلاته من بعد صلاته؟ وأين صومه من بعد صومه؟ وأين عمله من بعد عمله؟» كيف تريدون يكون في رتبة واحدة، وهذا قد مات وأصبح في الثرى، وانتهى عمله، انقضى أجله، وانتهى عمله؟ هذا عاش، بقي على قيد الحياة. أتدرون كم بقي؟ جاء عند أبي داود، والرواية الأخرى يحسنها شيخ الألباني، أن ما بينهما مقدار جمعة، أي أسبوع. أسبوع واحد بين مقتل الأول وموت الثاني. أسبوع، خلال الأسبوع هذا، صاحبنا صلى، صام، ذكر الله، قرأ القرآن، فاستغرب النبي أن تلغى هذه المدة، تلغى، ثم يلحق بصاحبه الذي مات قبله. قال: «فأين صلاته من بعد صلاته؟ وأين صومه من بعد صومه؟ وأين عمله من بعد عمله؟» فلما بينهما، وتأمل، يا عبد الله، فضل العمر، فلما بينهما كما بين السماء والأرض. سبحان الله، إضم المنزل، كيف استطاع أن يحوزها خلال أسبوع فقط؟ أسبوع عاش بعد أخيه، عمرها بطاعة الله، فحاز إلى هذه المنزلة العليا، فلا ما بينهما كما بين السماء والأرض. إذا كان، أخواني، هذا في حق من عمر أو عاش أسبوعًا، فقل بربك: فما ظنك بالذي يعطيه ربنا سنوات، وهو يتقلب في مثل هذه المواسم العظام: رمضان، وشعبان، وشوال، وذي الحجة، وعرفة، والأيام الأخرى الفاضلة؟ ما هي إلا عن الأعمال الصالحة من ذكر الله، وقراءة القرآن، وبر وإحسان؟ كم وكم بهذا، يا عبد الله، تعلم عظيم هذه النعمة: نعمة العمر، لكن على عمل صالح. فلما يأتينا رمضان، ونحن أحياء، نحمد الله أن الله عز وجل حبان بهذه النعمة، ليس بمحض إرادتنا، وإنما هو فضل محض من ربنا، أطال في أعمارنا. ولهذا ينبغي للواحد منا أن يكثر من شكر الله وحمده على هذه النعمة العظيمة، أن الله يطيل في عمرك، يا عبد الله، وأنت على عمل صالح، فلا يزال هذا حالك، تمضي إلى الله جل في علاه، حتى تموت على حسن خاتمة. كما قال عليه الصلاة والسلام: «إن الله إذا أراد بعبد خيرًا، عسله». قال: «وما عسله يا رسول الله؟» قال: «يفتح له عملًا صالحًا بين يدي موته، فيقبض عليه على حسن خاتمة». هذا ما يتأتى، إخواني في الله، إلا من عود حياته من أوله على أعمال صالحة، أعمال صالحة، أعمال صالحة، فحينها يوفقه الله لعمل صالح عند موته، يموت على استقامة، يموت على السنة، يموت على العقيدة الصحيحة، يموت على بر للوالدين، يموت على صلة الأرحام. وأعظم ما تموت عليه، عبد الله، الصيام. أعظم ما تموت عليه الصيام. جاء في مسند الإمام أحمد، من حديث حذيفة، قال: قال عليه الصلاة والسلام: «من قال: لا إله إلا الله، ابتغاء وجه الله، ختم له بها، أدخله الله الجنة. ومن صام يومًا ابتغاء وجه الله، ختم له به، أدخله الله الجنة. ومن تصدق بصدقة ابتغاء وجه الله، ختم له بها، أدخله الله الجنة». الأعمال بالخواتيم. ولن تأتيك الخواتيم، يا عبد الله، إلا بما كان من هذه المقدمات، حينما تحيي هذه الحياة الدنيا بالأعمال الصالحات. فعلينا، إخواني في الله، أن نعلم عظم هذا المقام، ما يكون من إطالة الأعمار، وأنها نعمة عظيمة يمنّها الرحمن على من شاء من عباده، فحقها أن تستغل، وقدرها أن تغتنم في طاعة الله، وبالحرص على الإقبال، وخاصة في مثل هذه المواسم المباركات. لا تفرط فيها، يا عبد الله، لا تفرط فيها أبدًا، وإنما عليك أن تمضي إلى الله قدما، حتى يتوفاك الله وهو راض عنك. أسأل المولى جل وعلا أن ينفعنا بما قلنا، ونسأل سبحانه وتعالى أن يجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، إنه ولي ذلك والقادر عليه. وصلى الله على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه وسلم، والله تعالى أعلم.