رمضان والمقامات الحسان - الاستدامة على طاعة الرحمن 19

رمضان والمقامات الحسان - الاستدامة على طاعة الرحمن 19

الدرس في رمضان والمقامات الحسان - الاستدامة على طاعة الرحمن 19، ألقاها الشيخ أبو هاشم جمال بن سرور

مقام الاستمرار على طاعة الرحمن وتأصيل أهميته

يبدأ الحديث عن أهمية الاستمرار على الطاعة بعد رمضان، مشيرًا إلى رغبة الله في تغييرنا للأفضل دائمًا. يُبرز فضائل الاستمرار مثل دوام الصلة بالله.

فضل الاستمرار على الطاعة وأثرها في الأجر والثواب

يُناقش أثر الاستمرار على الطاعة في نيل الأجر والثواب، مستندًا إلى الأحاديث القدسية والنبوية التي تبين استمرار الأجر حتى مع وجود العذر.

توجيهات للاستمرار في الطاعات بعد رمضان

يُوجّه إلى أهمية مواصلة الطاعات مثل الصيام وقيام الليل وتلاوة القرآن بعد رمضان، محذرًا من الانقطاع عنها.

ختام الموضوع والدعاء بالقبول

يختتم بالتأكيد على أهمية الاستمرار في طاعة الله، ويدعو الله بالقبول والفائدة، ويصلي على النبي محمد.

التفريغ النصي الكامل

إن الحمد لله، نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا. أما بعد، من المقامات، إخواني في الله، التي يصلح بها أن يكون الختام، أو من أواخر ما يكون من المقامات التي نتحدث عنها، ونحن في هذا الشهر المفضل، في شهر رمضان، ألا وهو مقام الاستمرار على طاعة الرحمن. هذا المقام، وللأسف، يعد من أوائل المقامات تركا وإهمالا، الاستمرار على الطاعة والعبادة، فما إن يخرج رمضان، وإلا وتبدلت أحوال الكثير من الأنام إلى أسوأ الأحوال، إلى أسوأ الأحوال. ومن هنا ينبغي أن نعلم، إخواني في الله، أن الله جل في علاه ما شرع لنا رمضان لكي نتغير أو نتبدل فقط فيه، لا، وإنما أراد ربنا سبحانه وتعالى من فرضية رمضان أن نتغير فيه، وأن نبدل أحوالنا إلى أحسن حال في رمضان، وهكذا على الدوام، في سائر العام. نخرج من رمضان وقد اكتسبنا هديًا وسمتًا، خلقًا وأدبًا، صلاةً وصيامًا، ذكرًا وإخباتًا، جودًا وعطاءً، كرمًا وسخاءً. نخرج بهذه المكتسبات التي اكتسبناها في رمضان، فنتعبد الله جل وعلا بها، ونعاشر الخلق من خلالها. هذه الحكمة الرمضانية هي التي أرادها الله، كما في قوله جل فعلا: ﴿يا أيها الذين آمنوا كتب عليكم الصيام كما كتب على الذين من قبلكم لعلكم تتقون﴾. تقواه جل فعلا، تقوى الله سبحانه وتعالى إنما تكون معنا دائمًا وأبدًا، لا تتقيد بزمان ولا تحد بمكان، وإنما هي تكون معنا على الدوام، ألا وهي تقواه جل فعلا. إخواني في الله، إن هذا المقام، مقام الاستمرار على الطاعة والعبادة، من المقامات العظيمة، ومن المراتب الجليلة التي جاءت في حقها الفضائل العديدة. كفاك أن تعلم، يا عبد الله، أن من فضائل الاستمرار على الطاعة والعبادة أنها من العبادات المحمودة والمحبوبة إلى الله. قال عليه الصلاة والسلام: «أحب الأعمال إلى الله ما دام عليه العبد»، في لفظة: «ما داوم عليه العبد وإن قل». أحب الأعمال عمل يحبه الله منك، وألا وهو أنك تستمر، تستمر، تواصل، لا تنثني، لا تنقطع. أحب الأعمال إلى الله ما داوم عليه العبد وإن قل، ليس العبرة بالكم، فرب عمل قليل ميسور يحبه الله جل وعلا أكثر من عمل كثير مبتور. ما هي الفائدة أنك تعمل الأعمال الكثيرة، ثم فترة تنقطع، تنقطع؟ لا يحب الله هذا منك، الذي يحبه الله جل وعلا من عبد أن يستمر. كذلك من فوائد الاستمرار على الطاعة والعباد أن فيها دوام الصلة بالله، وهنا المحك، أن العبد ولو بالعمل القليل، فيه معنى الصلة بالله سبحانه وتعالى. يعمل شيء يسير، لكن يعمل، يعمل، يعمل، تدب عليه الليالي والأيام والسنوات والأعمار، وهو لا ينثني عن عبادة ربه سبحانه وتعالى، فهو لا يزال متصلًا بالله جل وعلا. في هذا المقام، مقام الاستمرار على الطاعة، يا عبد الله، العبد يذهب عن نفسه الغفلة. بالله عليك، ائتني برجل لا زال يتعبد الله جل وعلا بما يستطيع من طاعة وعبادة، من أين تأتيه الغفلة؟ ما ستأتيه الغفلة، الغفلة إنما تأتي، إخواني في الله، إذا قطعنا، ومن أعرض عن ذكري فإن له معيشة ضنكا. هنا المعيشة الضنك تأتي بسبب الغفلة، غفلة بالإعراض. لكن الذي يأتي بالعمل، ولو قل، ولو قل، فإن الغفلة لم تأتيه، فلا زال صلته بالله جل وعلا تزيح عنه صفة الغفلة، بالاستمرار على الطاعة والعبادة، يا عبد الله، بها يدنيك الله جل وعلا، ويجعلك الله سبحانه وتعالى في منزلة عليّة. كما جاء في البخاري، في الحديث القدسي، قال الله: «ولا يزال عبدي يتقرب إلي بالنوافل حتى أحبه، فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به، وبصره الذي يبصر به، ويده الذي يبطش بها». يكون الله معك سبحانه، لكن متى؟ حل هذا الوصف الذي سبق: «ولا يزال عبدي يتقرب»، يزال، كان، ولا يزال، واستمر إلى الله. وهذا الصفة لن ينالها من كان من المنقطعين، أو كان من المدبرين، أو كان من المعرضين، لا، ما ينالها ينالها من كان متصلًا بالله، كما قلنا، ولو قل من الأعمال. إخواني في الله، من فضائل الاستمرار على الطاعة، وتأمل هذه الفضيلة العظيمة، أن صاحبها، ما لو حدث له سبب من الأسباب يمنعه من الاستمرار، فالله جل وعلا يعطيه ما كان من الأجر والثواب، ولو كان على فراشه، ولو كان على فراشه، ولو لم يعمل. يكفيه ما كان من عمله السابق الذي استمر عليه. روى الإمام البخاري في صحيحه، من حديث أبي موسى الأشعري رضي الله تعالى عنه، قال: قال عليه الصلاة والسلام: «إذا مرض العبد، أو سافر، كتب له مثل ما كان يعمل صحيحًا مقيمًا». هذا حال الإنسان من أمره، أنه يعمل الصالحة صحيح مقيم في بلده، في حيه، في وطنه، ثم ألم به مرض أقعده، أو سفر أتعبه، ما استطاع أن يتعبد الله كما كان يتعبد، ضعف عن الصوم، ضعف عن القيام، ضعف عن قراءة القرآن، في حال مرضه، وفي حال سفره. هنا، بانقطاعه لهذه الأعذار، الله جل وعلا يعطيه ما كان يعطى له من قبل من الأجر والثواب، كأنه صحيح مقيم، كأنه يعمل. معنى ما يعمل، جلس، منعه المرض والسفر، لكن لما كان من استمراره مع الله جل وعلا، تكرم الله بهذا العبد أن أجرى له الأجر. هذا من، يا، قال العلماء: إنما كان هذا في حق المداوم على الطاعة، إن طرأ عليه طارئ، هكذا قال الشراح، هذا في حق المداوم، الدوام على الطاعة. فاحسب، يا عبد الله، حساب ما لو إذا ابتلاك الله بمرض، فإذا جلست بفراشك، وأقعدك بدنك عن العمل، وأقعدك بدنك عن العبادة والتعبد، فتكفيك ما كان من تواصلك مع الله من قبل، يجري لك العمل إلى أن تلقى حتفك، وإلى أن تلقى ربك سبحانه وتعالى. مثله ما رواه أبو داود في سننه، من حديث عائشة رضي الله تعالى عنها، قالت: قال عليه الصلاة والسلام: «ما من رجل تكون له صلاة من الليل، فغلبه عليه نوم، نام»، قال عليه الصلاة والسلام: «كتب الله له أجر صلاته»، مع أنه نام، يعطيه الله أجر الصلاة، وكان نومه صدقة عليه، زيادة في الأجر، النوم صدقة، والصلاة التي غفل عنها تكتب له صلاة. هذا في حق من، كما قال العلماء، في حق المداوم، من كان على عمل ثم انقطع. إخواني في الله، الأدلة كثيرة تدل على أن الإنسان إذا استمر على عمل ثم انقطع، يعطيه ربنا، لكن إذا ما كان معك عمل، كحال كثير منا، يمرض ويسافر، ما تجري لنا عمل، ليست لنا أعمال قد استمررنا عليها، إنما أعمالنا بأهوائنا. إخواني في الله، فينبغي أن نتفقه، وأن نعلم أن الله عز وجل لما شرع لنا رمضان، أراد أن يجعل من رمضان رسالة لنا، نربّي أنفسنا، نتعلم، نتفقه، نتحلى بمحاسن الآداب، مكارم الأخلاق، بأفاضل الأعمال، ثم ننطلق بها، نجعل هذا الزاد انطلاقة لنا، ننطلق بها إلى سائر الليالي والأيام، نتعبد الله جل وعلا بها. مع العلم، إخواني في الله، أن ما شرعه الله لنا في رمضان هو موجود في سائر الليالي والأيام، كل ذلك موجود. تأمل، يا عبد الله، في شعيرة الصيام، لا تظن أن رمضان هو فقط محل الصوم. ولهذا قال عليه الصلاة والسلام، كما جاء في السنن: «إن في الجنة غرفة يرى باطنها من ظاهرها، وظاهرها من باطنها، أعدها الله لمن ألان الكلام، وأطعم الطعام، وتابع الصيام، وصلى بالليل والناس نيام». الشاهد: «وتابع الصيام»، تابع، أن ينقطع عن الصوم، كحال كثير منا، ما إن ينقضي، ينتهي رمضان، ودعنا الصوم إلى العام القادم، إلى الملتقى، إلى العام القادم، ثم تمر علينا المواسم والليالي والأيام المباركات، ولا نرفع لها رأسًا. لا، يا عبد الله، ولهذا من باب حث العباد على الاستمرار على شعيرة الصيام، أعد الله لهم المنزل العالي في الجنة، لمن ألان الكلام، وأطعم الطعام، وتابع الصيام بعد رمضان. يأتينا شوال، صم الست، يا عبد الله، ثم بعد ذلك يأتينا المواسم، يوم عرفة، يوم عاشوراء، وكذلك شهر الله المحرم، مواسم الاثنين والخميس، ثلاثة أيام من كل شهر. وقد جربنا الصيام، ورأينا كيف أن الله يسر على العباد الطاعة، وهكذا قل في باقي الأيام. وهكذا في قيام الليل، لا تظن أن القيام، قيام الليل، إنما هو من خصوصيات رمضان، لا، بل إن قيام الليل هو مشروع لنا على كل الأحوال، على مدى الزمان. ولهذا قال نبينا صلى الله عليه وسلم لعبد الله بن عمر: «يا عبد الله، لا تكن مثل فلان، كان يقوم من الليل ثم ترك قيام الليل». لا تكن، وهذه الوصية لنا جميعًا، أن لا نكون، أن لا نكون ممن قام رمضان ثم بعد انقضاء رمضان ما هناك شيء اسمه قيام. لا تكون، يا عبد الله، لا تكون مثل فلان، كان يقوم من الليل ثم ترك قيام الليل. لا تترك القيام ما استطعت، يا عبد الله، على أن تصليها بهذا العدد، قلص، قلص العدد، ولو أن تصلي ثلاثًا، ولو أن تصلي ركعتين مع الوتر، ولو أن تصلي الوتر، لكن عود نفسك لا تنقطع البتة عن قيام الليل. وهكذا قل، يا عبد الله، في القرآن، هذا الذي الآن هو بين يديك، تتلوه ليلة نهار، صباح مساء، في ليالي وأيام رمضان، لا تهجره، لا تهجره. جاء في الصحيح، قال عليه الصلاة والسلام: «تعاهدوا القرآن»، تعاهدوا القرآن. قال العلماء: ومعاهدة القرآن تكون بالاستمرار في قراءته، والتواصي على تلاوته، أي لا تنقطع. لا يكون حالنا كحال بعض الناس، إذا جاء رمضان أقبل على القرآن، وبعد رمضان هجر القرآن إلى أن يأتي العام القادم. فالله الله، يا عبد الله، في الاستمرار على الطاعة والعبادة، فهذه حقيقة العبودية لله. تريد أن تعرف ما يكون من عبوديتك لربك جل وعلا؟ تأمل كيف أنت في هذا المقام، هل أنت مستمر على الطاعة والعبادة لله جل وعلا، ولو قل، ولو قل. كما قال نبينا، لأن عبودية الله سبحانه وتعالى تتضح من خلال عمل الإنسان. قال ربنا جل في علاه: ﴿واعبد ربك حتى يأتيك اليقين﴾. واعبد ربك حتى يأتيك الموت، استمرار، استمرار. فليس من العبودية في شيء، أن تتعبد الله في أوقات أنت تريدها، هذا ليس من العبودية. فهنا نجد الآن المساجد تضج بالمصلين، لكن تعالى في أيام العيد، ما ستجد أحدًا، تجد إلا من رحم الله سبحانه وتعالى، لا الجمعة، ولا الجماعة، حتى الجمعة للأسف تهمل، تهمش، إن صلاها قوم صلوها في مؤخرات المسجد. وهكذا القرآن، كما سلف، إذا انتهى رمضان، لربما هجر الكثير من القرآن، لا قرأ منه سطرًا، ولا قرأ منه حرفًا. وهكذا قس في باب الطاعات، وفي باب البر والإحسان. فحرص، يا عبد الله، الله الله في هذه المكتسبات. مدرسة رمضان ما هي إلا محطة يجعلها ربنا جل وعلا شهرًا نتزود فيه من الطاعات، مع ما يكون من تزويدنا بالحسنات والأجور والثواب، نتزود بالأعمال والأخلاق والآداب والسمت والهدي، ثم ننطلق بها إلى أن يأتي رمضان الآخر. وهكذا نتزود وتزود، فإن خير الزاد التقوى. فإخواني في الله، فإن هذه مقامات من المقامات العظيمة التي ينبغي أن نولي لها اهتمامًا، ألا وهو الاستمرار على طاعة الرحمن. أسأل المولى جل وعلا أن ينفعنا بما قلنا، إنه ولي ذلكم والقادر عليه. وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم، والله تعالى أعلم.