المختصر في تاريخ الأنبياء والرسل 1

المختصر في تاريخ الأنبياء والرسل 1

الدرس في المختصر في تاريخ الأنبياء والرسل 1، ألقاها الشيخ أبو هاشم جمال بن سرور

أهمية دراسة تاريخ الأنبياء والرسل

يبدأ الحديث بأهمية دراسة تاريخ الأنبياء والرسل لفهم القرآن وتفسيره وتصحيح الأخطاء العقدية والسلوكية والتاريخية. دراسة تاريخهم تعين على الاقتداء بهم.

خلق الملائكة والجان وآدم

خلق الله الملائكة من نور والجان من نار السموم وآدم من تراب، وخلق إبليس من نار السموم. آدم عليه السلام خلق ليكون خليفة في الأرض.

مراحل خلق آدم عليه السلام ونفخ الروح فيه

مراحل خلق آدم عليه السلام من تراب الأرض مرورا بالطين والحمأ المسنون والصلصال، ثم تشكيله على صورته ونفخ الروح فيه. الروح هي سر الحياة واستأثر الله بعلمها.

التفريغ النصي الكامل

وعلى آله وصحبه ومن والاه، أما بعد، إخواني في الله، في هذا المجلس من الدورة العلمية المكثفة المقامة في دار الحديث بالشحر، وهي الدورة الثانية والعشرون لهذا العام، ألف وأربعمائة وخمسة وأربعين للهجرة. سنقوم بقراءة أو بشرح أو بذكر ما يتعلق بتاريخ الأنبياء والرسل. بادئ ذي بدء، إخواني في الله، مما أحب أن أنبه عليه فيما يتعلق بهذا الدرس، لن أتكلم عن الأنبياء والرسل من ناحية العقيدة، من ناحية الإيمان بهم، وما يتعلق بذكر خصائصهم وصفاتهم، وما يتعلق بالوحي المنزل بهم، وما يتعلق بعصمتهم، وما يكون من مسائل التفريق بين الأنبياء وبين الرسل، وغيرها من المسائل، لن أتطرق إلى هذا، وإنما حسبي في هذه الدروس، بإذن الله، إنما هي الإشارة إلى ذكر التاريخ الذي جاء في كتاب الله، وفي سنة رسول الله عليه الصلاة والسلام، في حق الأنبياء والرسل، بذكر تواريخهم من حيث البدء، ثم تتابع الأحداث، تتابع الأحداث من نبي إلى نبي إلى نبي. هذا العلم، وهذا الفن، إخواني في الله، أضم صوتي فيه مع من سمعته من أهل العلم، من يعيب على كثير من الناس، من لم يرفع رأسا بهذا الفن، وبهذا العلم، من العلوم في معرفة أحوال الأنبياء، وأحوال الرسل. وإن هذا العلم، إخواني في الله، من العلوم المهمة. ومما يدلل به في هذا الباب على أهمية فقه وفهم هذا الفن، أولا، إخواني في الله، أن نعلم ما قام به سلفنا الصالح من العلماء والأئمة في مسألة التصنيف والتأليف والتدوين، كما فعل ابن كثير رحمه الله تعالى في كتابه "قصص الأنبياء والرسل"، وما ذكره أيضا في طيات بحثه في "البداية والنهاية". وقبله، ما كان من أمر الإمام الطبري، وهكذا أئمة ألفوا في كتب التواريخ والأمم، وخصوا الذكرى بأحوال الأنبياء والرسل، فدل على أن هذه من العلوم التي اعتنى بها علماؤنا. أضف إلى ذلك، مما يدلل به على أهمية ذلك، أن الله جل وعلا أمر نبيه، ونحن على إثره، في أن الله أمره باتباع من كان قبله من الأنبياء، أولئك الذين هداهم الله، فبهداهم اقتده. فنحن مأمورون، تبعا، بالاقتداء بالأنبياء والرسل. بغية السؤال: كيف نقتدي بهم، ونحن لا نعلم ما صار، وما كان من أحوالهم، ولا ما جرى مع أقوامهم؟ فلا يمكن أن تصل إلى هذا المقام إلا إذا تفقهت وعلمت ما كان بين الأنبياء وبين أقوامهم. ثالثا، كيف لا نهتم بهذا الفن، وبهذا العلم، وبهذا المقام، والذي اهتم به شرعنا الحكيم، اهتماما بالغا، اهتماما بالغا. القرآن اعتنى عناية عظيمة بأمر القصص. تأمل، يا عبد الله، ما جاء في حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم بأن "قل هو الله أحد" تعدل ثلث القرآن. كلكم من مر عليه هذا الحديث، ولربما مر على شرحه، وسمع تعليق العلماء على هذا الحديث، كيف أن "قل هو الله أحد" تعدل ثلث القرآن؟ بأن "قل هو الله أحد" فيها الوحدانية، ومسائل التوحيد، وتقرير المعاد والإيمان، قد أخذ ثلث القرآن. والثلث الثاني في العبادات والأحكام. والثلث الثالث أين؟ في القصص والأخبار. ثلث القرآن ذهب في بيان قصص الأنبياء، وقصص الرسل، وغيرهم من الأمم. تأمل، مثلا، قصة موسى عليه السلام، وسيأتينا بإذن الله، إذا بلغنا إلى هذا المقام. قال العلماء: قال بعض السلف عن قصة موسى في القرآن: "كاد موسى أن يذهب بالقرآن". كاد القرآن أن يكون كلهم موسى. لماذا؟ لكثرة ما يذكر، وما الذي ذكر عن موسى؟ ما كان من أخباره، وما كان من قصصه، وهي عبر كثيرة جدا، ستأتينا بإذن الله. فإذا كان القرآن اعتنى بهذا المقام، فنحن، على إثر القرآن، نعتني بهذا المقام، بمقام القصص والأخبار. كذلكم مما يدلل به على أهمية هذا الفن، أن تفقهك، يا عبد الله، بأحداث الأنبياء والرسل، سيعينك جدا في فهم القرآن، في تفسير القرآن. إذا علمت خلفية الأنبياء والرسل، حين إذا قرأت شيئا من الآيات القرآنية في حق الأنبياء والرسل، ستعلم حال هذه الوقعة. لأن، كما ذكرنا، كلامنا في هذا الباب، لن أتكلم عن الناحية العقدية، عن الناحية التاريخية، التواريخ ستذكر الأماكن، الأزمان، القارات، ستذكر. فأنت، عندما تفهم هذه الوقعة، فلما تقرأ القرآن، له معنى يزداد لك المعارف. عندما تكلم، مثلا، فهمك، كما سيأتي في درس اليوم، بإذن الله، حول خلق آدم عليه السلام، ذكر أن آدم من تراب، ذكر أن آدم من طين، ذكر أن آدم من صلصال. آدم من إيش؟ ستفهم على أن هذه العلامة هي مراحل، مراحل جرت لآدم عليه السلام، حتى وصل إلى المنتهى من خلقه. ستأتي معك في قصة إبراهيم عليه السلام، كان كثير الأسفار، ذهب إلى مصر، ذهب إلى مكة، ذهب إلى الشام. وفي كل مكان، له قصص ووقائع. فلما تقرأ، ستفهم أين هذه الآية تتحدث عن إيش، من زمن؟ هل في أوله، أو في آخره، أو في أوساط حياته؟ هل تتحدث عن حالته في مصر، أو حالته في الشام؟ ستمر علينا قصة موسى عليه السلام، وموسى الكثير من أخباره هنا وهنا وهنا. ستعلم أن بعض الحوادث متعلقة بالتاريخ. فلما تقرأ القرآن، ستعرف أين صارت هذه القصة، في زمن التيه، زمن التيه، ولتاه فيه بنو إسرائيل، وقعت لموسى في هذه الفترة، وهي في أواخر عمره. قصص وحكايات، لما تقرأ القرآن، تربط الذهن، أن هذه من أواخر ما جرى لموسى عليه السلام. فلما تفهم، يا عبد الله، هذه الوقائع، ستعينك جدا على فهم تفسير القرآن. وهنا تكمن الأهمية. وأخيرا، كذلك مما يدلل به على أهمية فهم هذا الباب، في فهم قصص القرآن، فهم قصص الأنبياء والرسل، أنه من خلال الطرح، سنشير إلى تصحيح بعض الأخطاء، بعض الأخطاء العقدية، بعض الأخطاء السلوكية، بعض الأخطاء التاريخية، التي لربما اشتهرت، قد يكون اشتهارها عند العامة، وقد يكون اشتهارها عند بعض الخاصة، وهي مجانبة للصواب، سنتكلم عنها، ونذكر التحقيق فيها. فالحاصل، إخواني في الله، هذه مقدمة سريعة لمعرفة ما نحن بصدده، ولمعرفة أهمية ما سنتحدث عنه. فهذا الباب، إخواني في الله، يحتاج إلى مراعاة. فلا تظن أننا سنملي عليك قصص وحكايات وأخبار مجردة، بل هي حكايات لها أحكام، ولها شرائع، وهي تعينك، كما قلنا، على فهم كتاب الله جل وعلا. أول ما نبدأ به، إخواني في الله، من قصص الأنبياء والرسل، ونحاول أن نعجل، لأن الأيام قصيرة، والليالي قليلة، وحسبنا أن نشير إشارات إلى أهم أحداث الأنبياء، مع ربط بعضها مع بعض. نبدأ بآدم عليه السلام، بآدم عليه السلام، وهو أبو البشر، ذكر ستة عشر مرة في القرآن. قبل الخوض في آدم، وما يتعلق بمسائله، نرجع قليلا، نرجع قليلا إلى قضايا تمهيدية، حتى نصل إلى آدم عليه السلام. قبل آدم، خلق الله جل وعلا الملائكة. نتحدث عن هذه العوالم الثلاثة، ولا أخوض في غيرها من العوالم. خلق الله جل وعلا الملائكة، وهو سبحانه الذي أخبرهم بأنه سيأتي بآدم. فكان الملائكة، وجدوا بعد الملائكة، جاء خلق الجن. خلق الله سبحانه وتعالى الجان، بدليل، دليل، بالدليل، أن الله قال: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنسَانَ مِن صَلْصَالٍ مِّنْ حَمَإٍ مَّسْنُونٍ﴾، والجان خلقناه من قبل، من نار السموم. النار السموم هي النار الحارة. أشهد من قبل، والجان خلقناه من قبل، أي أن الله جل وعلا خلق الجان قبل أن يخلق الإنسان، قبل أن يخلق آدم عليه السلام. فعند هذه السلسلة، خلقت الملائكة، خلق الجان. مسألة: هل الجان، لما خلقهم الله، خلقهم دفعة واحدة؟ خلق عالم الجن دفعة واحدة؟ وجدوا هكذا بكثرة، انتشروا في المعمورة؟ أم خلقوا عن طريق التناسل؟ سيأتي معنا، على القول الصحيح، أنهم خلقوا عن طريق التناسل، تكاثروا حتى وصلوا إلى ما وصلوا إليه من هذه الأعداد الغفيرة. ثم خلق الله جل وعلا آدم عليه السلام. مما يدل على صحة هذا المعنى، من حيث الترتيب الزمني، الملائكة، الجان، آدم. ومما يدلل به على صحة أن الجان، الذي نقصد بهم أن الذي خلقهم الله قبل آدم، هم الأصل، الأصل الذي منه تكاثر الجان، ما جاء في صحيح مسلم، من حديث عائشة رضي الله تعالى عنها، قالت: قالت: "خلق الله جل وعلا الملائكة من نور"، خلق الله جل وعلا الملائكة من نور. هنا فائدة، أشار إليها بعض أهل العلم، عندما نقول بأن الله خلق الملائكة من نور، أي أصل الخلقة، لا تظن أن الملائكة، أي سام نورانية، تشع نورا. فما هناك نور إلا الله، الله نور السماوات والأرض. ولما جاء في حديث الإسراء والمعراج: "هل رأيت ربك؟" قيل: هذا لرسول الله، فقال: "نور أن أراه". ولهذا لا تظن، يا عبد الله، بأن الملائكة عبارة عن أسام نورانية، لا. هي خلقوا من نور، كأمثال بني آدم، خلق من تراب، أصله. لكن هل نحن تراب؟ لا. وما جاء في حديث الخروج إلى المسجد، جاء في بعض ألفاظه: "اللهم اجعل عن يميني نورا، وخلفي نورا، واجعلني نورا". هذا غلط، ليس بهذا اللفظ. واجعلني لا أحد يكون نورا، وإنما "واجعل لي نورا". هذه الرواية الصحيحة. أما أنك تظن في دعائك "واجعلني نورا"، ما هناك أحد يكون نورا، لا يكون أحد نورا. فالشاهد، تقول عائشة رضي الله تعالى عنها، من قول رسول الله عليه الصلاة والسلام، بأن الله خلق الملائكة من نور، وخلق إبليس من نار السموم. الآن، أربط بين هذا الحديث، وبين الآية التي سبقت: ﴿وَالْجَانَّ خَلَقْنَاهُ مِن قَبْلُ مِن نَّارِ السَّمُومِ﴾. وهنا قال نبينا: "وخلق إبليس من نار السموم". أي خلق الله إبليس من هذه النار. إذن، الآية في قولي: ﴿وَالْجَانَّ﴾، أي أصل الجان، أصل الجان، بمعنى ما كان هناك عندي جن، إنما أول ما أوجده الله من معشر الجن، هو الأصل، وهو إبليس. ثم أوجد الله آدم، كما أن آدم هو أصل البشر، تناثر البشر. أوجد الله إبليس، الذي منه تناثر الجن، والعفاريت، وغير ذلك من الكائنات. هذا سيهمنا في مسألة ستأتي فيما بعد، ستأتي فيما بعد، حول هذا الأمر. فالشاهد، إخواني في الله، أن الله سبحانه وتعالى أوجد هذه المخلوقات الثلاث، الملائكة، والجان، وبوجود أصلهم، وهو إبليس، وأوجد الله سبحانه وتعالى آدم. قال: ثم قال نبينا: "وخلق لكم آدم مما ذكر لكم". طبعا، جاءت آثار عن السلف، كالحسن البصري، وغيره، على أن إبليس هو أصل الجن، هو أصل الجن، منه انبثق الجن، منه خرج الجان. كما جاء ذلك عن الحسن البصري، وعن غيره من أهل العلم. وهذا كما يقول، لفائدة، سيأتي ذكرها في حينها. لما خلق الله جل وعلا إبليس، أين جعله؟ جعله في الجنة. جعله في الجنة. قد يقول قائل: "وكيف هذا؟" فأنا ما في إشكال في هذا الباب، إلى هذا الحد، ما هناك إشكال، لأن إبليس في أول أمره كان من الموحدين، كان من المخلوقات العابدة الطائعة لربها. فكان إبليس لا غبار عليه، لا غبار عليه. فكان يسيح في الجنة، ويمشي في الجنة. كم يترى إبليس جلس في الجنة؟ الجواب: جلس فترة طويلة جدا. وهذه، إخواني، أزمان ستذهل، ستذهل إذا سمعت ببعضها. أزمان تصل إلى ما لا يعلمه إلا الله. والدليل على أن الشيطان كان في فترة طويلة، ما جاء في قول ربنا جل وعلا: ﴿هَلْ أَتَىٰ عَلَى الْإِنسَانِ حِينٌ مِّنَ الدَّهْرِ لَمْ يَكُن شَيْئًا مَّذْكُورًا﴾. هل أتى على الإنسان حين من الدهر؟ الجواب: يعني أتى على الإنسان، قد أتى على الإنسان حين من الدهر؟ أي فترة طويلة من الزمان، ما به؟ لم يكن شيئا مذكورا. ما يذكر في العوالم، ما يذكر في العوالم. آدم إنما أنشأ الله في آخر العوالم، قبل ذلك عوالم، الله أعلم بها. ومنهم الشيطان، خلقه الله قبل فترة، وجلس في الجنة، ردحا من الزمن، ردحا من الزمن. ثم جاء بعد ذلك، جاء خلق آدم. أراد الله عز وجل أن يخلق آدم عليه السلام، وهو إشارة إلى ما سيأتي من هذا العالم البشري، سيتناسل من هذا المخلوق. فقال الله عز وجل: "إني جاعل في الأرض خليفة". جاعل في الأرض خليفة. فالله سبحانه وتعالى جعل آدم خليفة، خليفة على ماذا؟ فمن الأخطاء الذي تذكر في هذا المقام، أن يعبر بأن آدم هو خليفة الله، لا. ما يعبر بهذا، لأن الله عز وجل لا أحد يخلفه، لا أحد يخلفه، لا أحد يخلفه. ما هناك أحد يخلف الله، بل الله هو الذي يخلف العباد، كما جاء في الحديث الصحيح: "وأنت الخليفة في الأهل". الله هو الذي يخلف العباد. أما أن العباد يخلفون الله؟ لا. ولهذا، "إني جاعل في الأرض خليفة"، أي خليفة هم من أنفسهم. أن الله جل وعلا جعل من طبيعة الآدميين أن بعضهم يخلفوا بعضا، بعضهم يخلفوا بعضا، جيل بعد جيل، جيل بعد جيل، يتتابعون خلائف في الأرض، كل واحد يخلف الآخر. هذا معنى الآية. أما أن ما يعبر به بعض الناس، من أن آدم هو خليفة الله في الأرض، فإن هذا مما ينتقده جماعة من أهل العلم، وأن هذا لا يجوز، لا أحد يخلف الله، والله ليس بحاجة لأحد، سبحانه، في أن يخلفه في خلقه. ولهذا، قال ربنا جل وعلا: ﴿هُوَ الَّذِي جَعَلَكُمْ خَلَائِفَ فِي الْأَرْضِ﴾. أنتم خلفاء فيما بينكم، بعضكم خليفة لبعض. فقال ربنا عز وجل، وأخبر الملائكة بأنه جاعل في الأرض خليفة. نبدأ الآن بخلق آدم. الله سبحانه وتعالى أبان لنا في كتابه مراحل خلق آدم. نبدأ بالمرحلة الأولى. أول مرحلة خلق الله فيها آدم، طبعا، آدم ما كان شيء، عدم. أن الله سبحانه وتعالى خلقه من تراب، خلقه من تراب، كما قال سبحانه وتعالى: ﴿إِنَّ مَثَلَ عِيسَىٰ عِندَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِن تُرَابٍ﴾. ومن أي تراب؟ من تراب الأرض. لهذا، جاء في الحديث الصحيح، كيفية هذا التراب، قال عليه الصلاة والسلام: "إن الله خلق آدم من قبضة، قبضها من تراب الأرض". وهذه القبضة، قبضة الجبار جل في علا، أن أخذ من تربة كل الأرض. وهنا نعيش في الأرض، ما الذي نرى في ألوان الأرض؟ نرى الألوان المتعددة. لهذا، قال عليه الصلاة والسلام، في هذا الحديث: "فجاء بنو آدم على قدر الأرض". فالبشر جئنا نحن الآن على طبيعة الأرض، في ماذا؟ في ألواننا، الأحمر، الأبيض، الأسود. هذا من أين جاءت الألوان؟ جاءت من طبيعة الأرض، الذي قبض، قبض منها آدم، في أصل خلقته. هل فقط في الألوان؟ لحتى في الطبائع؟ طبائع الآدميين تعود إلى ما كانت من أصل خلقة، من هذه القبضة، الذي قبضها الله من الأرض. فكان منهم الطيب، ومنهم الخبيث، مثل الأراضي، بعض الأراضي طيبة، تنبت، وبعض الأراضي جدباء، خبيثة، ضارة. وهكذا الإنسان. فالله عز وجل خلق آدم، من أول مرحلة، أن أخذ الله قبضة من أرض، ثم جمعها. ثم أخذت هذه التربة فترة من الزمن، حتى تأتي المرحلة الثانية، وهي ماذا؟ أن صب على هذه التربة ماء. ماء التراب، إذا وافق الماء، ماذا يتحول إلى طين؟ فجاءت المرحلة الثانية، أن تحول التراب إلى طين. ولهذا، تجدون في آيات القرآن، ما فيه الدلالة لهذه المرحلة، كما قال ربنا جل وعلا: ﴿وَبَدَأَ خَلْقَ الْإِنسَانِ مِن طِينٍ﴾. وكان هذا الطين من طبيعته، كما قال ربنا: ﴿فَاسْتَفْتِهِمْ أَهُمْ أَشَدُّ خَلْقًا أَم مَّنْ خَلَقْنَا ۚ إِنَّا خَلَقْنَاهُم مِّن طِينٍ لَّازِبٍ﴾. ما معنى لازب؟ لاصق. يعني هذا الطين، إذا جعلت يدك فيه، تلتصق يدك بالطين، مثل خلبة، إذا وضعت يدك طين لازب، أي لاصق، تلتصق بك. طين لازب، لاصق. هذه المرحلة الثانية، أن جعل الماء على التراب، تحول طينا. ثم تأتي المرحلة الثالثة، وهي أن هذا الطين ترك فترة طويلة، لا يعلم بها إلا الله، حتى أصبح هذا الطين ماذا؟ حمأ. والحمأ هو الطين الذي سود من طول مكثه، وأنتنى في رائحته. هذا هو الحمأ المسنون، كما قال ربنا سبحانه وتعالى: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنسَانَ مِن صَلْصَالٍ مِّنْ حَمَإٍ مَّسْنُونٍ﴾. حمأ، أي هذه الطين الكريهة السوداء، مسنون، أي له سنين، سنين على هذه الحال. ولهذا، تجد أن الطين، مثلا، إذا وضع في مكان، ثم ترك، يتحول هذا الطين إلى ماذا؟ إلى حمأ. ولا زادة هذه اللغة عندنا، حمأ. هذا حمأ، يعني مثل خرأ، سواد، وريحة منتنة، هو طين، لكن ترك فترة. هذه الرحلة، مرحلة ثالثة، الذي كانت لآدم عليه السلام، ترك فترة، حتى أصبح حمأ مسنون. ثم جاءت المرحلة الرابعة، وهي أنه أصبح صلصال، أصبح صلصال، كما جاء في قوله سبحانه وتعالى: ﴿خَلَقَ الْإِنسَانَ مِن صَلْصَالٍ كَالْفَخَّارِ﴾. خلق الإنسان من صلصال، أي هذا التراب، وهذا الحمأ، بعد فترة، أصبح يتجمع، وأصبح ماذا؟ صلصال. صلصال، أي الذي قارب إلى درجة الجمود، قارب إلى درجة اليبس. وما يبس، لا إلى الآن، ما يبس، أصبح لهذا، قال: "كالفخار". هنا كالتشبيه، أي ما وصل الفخار، هو ماذا؟ هو الطين، إذا أدخل في النار، أطعم النار، أصبح ماذا؟ صلصال، أصبح ماذا؟ فخار. تسمع له قرع. لكن آدم، هل وصل إلى درجة ماذا؟ الفخار؟ لا. لكن وصف ربنا أنه كاد آدم في هذه المرحلة أن يصل كالصلصال، أن يصل إلى الفخار الجاف، لكن ما وصل. لكن وصل إلى مرحلة الصلصال، طين تجمع، وتجمد، بحيث يكون قادر على التشكيل. وهذا موجود عندنا، حتى تجد عند ما يسمى عند ألعاب الأطفال، بل حتى ما هو أكبر من ذلكم، صلصال، عبارة عن شيء يتشكل، يتشكل، عنده نوع جمودة، لكن ليس بيابس، يتشكل معك. هذه المرحلة الرابعة من خلق آدم عليه السلام. ثم بعد ذلكم، تأتي المرحلة الخامسة، وهي أشرف مراحل آدم عليه السلام، ألا وهي أن الله عز وجل شكله على صورته، شكله على صورته، جل في علا. فالله سبحانه وتعالى هو الذي خلق آدم بيده، بخلاف الكائنات، بخلاف المخلوقات، كل المخلوقات خلقها الله بقول: "كن"، فكانت، إلا آدم عليه السلام، لماذا؟ تشريفا وتعظيما لهذا المخلوق. فقام ربنا جل في علا، بماذا؟ بخلقه بيده، بتشكيله. فجعله العين، واللسان، والصدر، والبطن، والرجل، والأعضاء، خلقه الله سبحانه وتعالى بيده. وكما قال ربنا جل وعلا: ﴿مَا مَنَعَكَ أَن تَسْجُدَ إِذْ أَمَرْتُكَ قَالَ أَنَا خَيْرٌ مِّنْهُ خَلَقْتَنِي مِن نَّارٍ وَخَلَقْتَهُ مِن طِينٍ﴾. فإبليس، لما تمرد على سجود لآدم، أخبر ربنا جل وعلا أن آدم قد خلقه الله بيده. ولهذا، من الخطأ الذي عليه الأشاعرة، والمؤولة الصفاتية، عندما قالوا: لما خلقت بيدي، أي بقدرتي. إذا كان آدم، على قول هؤلاء الأشاعرة، إذا كان آدم خلقه الله بقدرته، إذا ما هناك مزية لآدم، ولا لغيره من الكائنات، لأن كل الكائنات خلقها الله بقدرته، الملائكة بقدرته، الجان بقدرته، وكل العوالم، من السماوات والأرض، والجبال، وآدم مثلهم بقدرته، إذا ما تميز آدم بشيء، لا. آدم ميزه الله سبحانه وتعالى. ولهذا، ذكر ربنا عز وجل: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَاكُمْ ثُمَّ صَوَّرْنَاكُمْ ثُمَّ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ لَمْ يَكُن مِّنَ السَّاجِدِينَ﴾. يا إبليس، ما منعك أن تسجد، إذ أمرتك؟ ما منعك أن تسجد؟ لما خلقت بيدي، أي بيديه الشريفتين، جل في علا. خلق الله آدم بصورة عظيمة، لا يعلم بها إلا الله، صورة. فتبارك الله أحسن الخالقين. وكان آدم عليه السلام من أجمل المخلوقات التي خلقها الله، من أجمل المخلوقات، لا أحد يداني بجماله، ولا بجلاله. ومما يدلك على أن آدم جميل، وجميل جدا، ما جاء في أمر الإسراء والمعراج، عندما عرج بنبينا عليه الصلاة والسلام إلى الملأ الأعلى، إلى الأنبياء، فوجد يوسف، فذكر أنه أوتي شطر الحسن، فقط يوسف أوتي شطر الحسن. وأما الحسن كله، من الذي أوتيه؟ آدم. آدم آتاه الله جل وعلا جمالا فائقا، لا يتصوره عقل. ومما يدلل به على عظم جمال آدم، ما جاء في حديث أهل الجنة، وما جاء في أول زمرة، وثاني زمرة، يدخلون الجنة، قال عليه الصلاة والسلام: "على صورة أبيهم آدم". على صورة أبيهم آدم. فكان آدم غاية في الجمال، غاية في الجمال. خلقه الله بيده، سبحانه وتعالى، مع عظم هذا الجمال، أضف إلى ذلكم، ما كان من عظم الخلقة التي خلق الله آدم عليها. هذه السارية، إخواني في الله، الذي عندي، كم متر؟ ها ستة، ستة متر. آه، طيب. خلق آدم، طوله ستون ذراعا، قدر بثلاثة وثلاثين مترا. إذا قال الأخ: "السارية هذه ستة متر". ستة متر، أضف إليها ستة، مع ستة، لازلنا في اطمع، عشر، ستة مع ستة، أربع وعشرين. يعني أضعاف، أضعاف، أضعاف هذا البناء. هذا طول آدم. ستون ذراعا، خلقه الله سبحانه وتعالى. وهذا يدلك على عظيم خلقة آدم. آتاه الله عظيم الخلقة، وآتاه الله كمال الجمال، والجلال. لما خلق الله عز وجل آدم، طبعا، ماذا، إخواني في الله، إلى الآن؟ تراب، طين، حمأ، صلصال، شكله الله، لا زال جثة، أسكنه الله الجنة، وهو ماذا؟ وهو جثة، إلى الآن، ما فيه أي روح، جثة، أسكنه الله الجنة. الله أعلم بالمدة الذي مكث فيها آدم، هو على هذه الحالة. والملائكة، والملائكة تنظر إلى هذا المخلوق، تنظر، أولا، لعظيمي ما أبدع الله جل وعلا فيه، من هذه الخلقة العظيمة، العجيبة، الغريبة، جمال، وجلال. والأمر الثاني، أن جميع الملائكة كانت تنظر لآدم بترقب، لماذا؟ بترقب، لأن الله عز وجل قد أوحى إلى ملائكته أنه متى، متى ما نفخ فيه الروح، فاسجدوا له. ولهذا، هم ينتظرون هذا الحدث، متى يقع؟ متى يقع؟ نفخ الروح، حتى يأتمروا بأمر الله جل في علا. ممن كان كذلك ينظر إلى هذه الخلقة؟ إبليس. كما قلنا، إبليس لا زال في الجنة. فكان يسمع بهذا المخلوق، وكيف أن هذا المخلوق حاز على الإكرام، والإعظام، والإجلال، وكيف أن رب العباد بنفسه شكله، وخلقه على هذه الصورة، وعلى هذه الهيئة. فكان إبليس يطوف، كما جاء في مسلم، حديث أنس: "فأخذ إبليس يطيف حول آدم، ينظر، ينظر، ينظر، ينظر". ثم قال عبارته: "إن لهذا لشأن". هذا شأن عظيم، ليس بالسهل، كون أن رب العباد يعتني به. "إن له لشأن". وكان إبليس، وكان إبليس حينها قد دخل إليه الغيرة، والحسد. فأخذ يبحث في هذا المخلوق عن شيء ينتقص فيه، ينتقصه. فظفر إبليس بشيء في خلقة آدم عليه السلام، ألا وهي أن آدم عبارة عن تجاويف. آدم في خلقة عبارة عن تجاويف، الرأس فيه جوف، الصدر جوف، البطن فيها جوف، وفيه مسامات، العينين فيه مسامات. فكان إبليس، مع إعجابه بهذه الخلقة، كان يتفحص إلى نقاط الضعف في هذا المخلوق. فوجد هذه المسامات، فقال، مما قاله: "إنه خلق لا يتمالك". هذا ما سيتمالك، سرعان ما سيسقط، لأنه أجوف، ليس بأصم، ليس بصم، وإنما فيه التجاويف. الحاصل، إخواني في الله، أنه بعد ذلك، تأتي المرحلة الأخيرة في آدم عليه السلام، وهي نفخ الروح. نفخ الروح، كما قال ربنا جل وعلا: ﴿فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِن رُّوحِي فَقَعُوا لَهُ سَاجِدِينَ﴾. أمر الله جل وعلا بنفخ الروح في آدم. وهنا كلمة "روحي"، لا تظن، يا عبد الله، أنها من روح الله، أي أن الله هو الذي أخذ شيء من روحه، وأعطاها لآدم، لا. هذه عقيدة النصارى، النصارى يعتقدون في آدم، وفي عيسى، أنهم جزء من الله، تعالى الله عن هذا القول، علوا عظيما. فلا آدم، ولا عيسى، أخذوا شيء من الله جل وعلا. وإنما المقصود من "روحي"، أي من روح، من روح الله. روح من روح الله. وهنا "من روحي"، قال العلماء: "من" هنا ابتدائية، ليست تبعيضية، ابتدائية، ليست تبعيضية. أي هذه الروح من الله، هذه الروح من الله، كما قال ربنا سبحانه وتعالى: ﴿وَسَخَّرَ لَكُم مَّا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا مِّنْهُ﴾. "منه"، إيش معنى "منه"؟ أي من الله، ابتداءا. كل الخلائق، خلقها الله، "منه"، ما هناك أحد يزاحم الله جل وعلا في خلقه لهذه الخلائق. فهذه الروح هي من روح الله، وليست بمعنى جزء من روحه. وهذه الروح، إخواني في الله، ما فصل الله جل وعلا فيها، بخلاف ما مر معنا من المراحل، مرحلة الطين، مرحلة التراب، مرحلة الحمأ، مرحلة هذه، فيها التفاصيل. لكن الروح، ولهذا، قال ربنا: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ ۖ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي وَمَا أُوتِيتُم مِّنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا﴾. فما أحد يدري عن ما هي الروح التي خلق منها آدم عليه السلام؟ مع أنه سر الحياة، سر الحياة. الإنسان إنما بروحه، إذا قبضت الروح، ذهب الإنسان، مع وجود العين، والقلب، والجوف، والدماغ، ما ينفع. هي سر الحياة. واستأثر الله بعلم هذه الروح، عنده، جل في علا. الروح نفخها الله جل وعلا، أو أمر بأن تنفخ في آدم. جاءت الآثار بأن الروح أول ما بدأت بآدم عليه السلام، بدأت من رأسه، بدأت من رأسه. وكلما دخلت الروح إلى هذا الجسد، لأنه كما قلنا: آدم لا زال في التشكيلة، بعدما كان طين، لازم، ثم شكل على الصلصال، على هذه الجثة، ثم جاءت، جاءت ماذا؟ الروح. هذه الروح، كلما دخلت إلى عضو، هذا العضو تشكل، حينها، عصب، ودم، ولحم. كلما دخلت، تحول هذا العضو إلى أعضاء حية، دماء، وأشلاء، وأعضاء. مما يذكر من نفخ من الروح، الذي أدخلت إلى آدم عليه السلام، أنها كما جاء عند الترمذي: لما وصلت، لما وصلت إلى أنفه، عطس. عطس آدم، فألهمه الله الحمد. ألهمه الله الحمد، فحمد الله، فقال: "الحمد لله". فقال الله: "يرحمك الله، يا آدم". قال الله: "يرحمك الله، يا آدم". فدل على أن آدم محفوف من رحمة، ومن كان من ذريته، قد أحفهم الله جل وعلا برحمته. ثم بدأت الروح تتسلل إلى باقي جسده. جاء في أثر ابن عباس رضي الله تعالى عنه: أن الروح لما بلغت إلى السرة، حاول آدم أن يقوم، لأن، كما قلنا: هذه الأعضاء أصبحت فيها أعضاء،