المختصر في تاريخ الأنبياء والرسل 10

المختصر في تاريخ الأنبياء والرسل 10

الدرس في المختصر في تاريخ الأنبياء والرسل 10، ألقاها الشيخ أبو هاشم جمال بن سرور

لقاء إخوة يوسف بيوسف واعترافه بهويته

بعد فقدان بنيامين، عاد إخوة يوسف إلى أبيهم يعقوب ثم عادوا إلى مصر حيث اعترف لهم يوسف بحقيقته وطلب منهم إحضار أهلهم. أمرهم يوسف بإحضار جميع أفراد أسرتهم إلى مصر ليعيشوا في رغد.

استقبال يوسف لأبيه وإخوته في مصر

التقى يوسف بأبيه يعقوب بعد غياب طويل واستقبله بحفاوة، وأمر بإدخال أهله إلى مصر، ووضع أبويه على العرش، وسجد له إخوته الأحد عشر. انتقلت ذرية إبراهيم إلى مصر واستقرت هناك.

وصايا يوسف ودفن الأنبياء وظهور الأسباط

أوصى يوسف عليه السلام بنقل جثمانه إلى فلسطين، ويذكر أن يعقوب دفن هناك أيضا. كما تطرق إلى موضوع الأسباط وهم الأنبياء من ذرية إبراهيم ويعقوب الذين جاءوا لتجديد ملة إبراهيم.

معاناة بني إسرائيل وظهور شعيب عليه السلام

تحدث عن معاناة بني إسرائيل تحت حكم الفراعنة وظهور شعيب عليه السلام في منطقة قريبة، وهو نبي عربي أرسل لقوم مدين لدعوتهم إلى الله وتحذيرهم من أفعالهم.

التفريغ النصي الكامل

ويعرفهم وهم لا يعرفونه، حتى استطاع في الأخير يوسف عليه السلام أن يستبقي أخاه عنده، بما سمعنا في نهاية الدرس، إذ أنه أمر فتيانه بجعل صواع الملك، وهو السقاية، في متاع أخيه، حتى يتهم بأنه قد أخذ، وليس كذلك، لكن حين شرعية، وفي الأخير أبقى بن يامين عند أخيه يوسف عليه السلام، فاحتار الإخوة كيف يرجعون إلى مصر، يرجعون إلى فلسطين، إلى بيت المقدس، وقد فقدوا أخاهم، وأبوهم قد أخذ عليهم العهود والمواثيق، فحينها قرر أخوهم الكبير أنه لن يرجع، بل سيبقى، وأمر البقية أن يذهبوا ويحفوا الواقع، فأنا ما كذبنا ولا افترينا، فحينها وصلوا إلى يعقوب عليه السلام وأخبروه الخبر، وتألم تألما عظيما عليه السلام من هذا الخبر، لكن تأمل في الآية، لما سمع بهذا الخبر يعقوب عليه السلام تولى عنه، وقال: يا أسف على يوسف. السؤال هنا: أن الذين غابوا عن يعقوب ثلاثة، يوسف مفقود، وبنيامين مفقود، والأخ الأكبر مفقود، فلماذا تحسر على يوسف فقط؟ هذه إشارة إلى أن ليست القضية قضية قصة يوسف في حق أب مكلوم بفقد أولاده، الأمر يتعلق بالنبوة، يتعلق بالوحي، يتعلق بالرسالة، فيعقوب يفتقد كثيرا يوسف عليه السلام؛ لأنه يحمل النبوة، هذا السر في القصة، فما ذكر إلا يوسف: يا أسف على يوسف. فالشاهد أنه بعد فترة أراد إخوة يوسف أن يرجعوا إلى مصر، وكما قلنا للغذاء والمعيشة، ما هناك قوت إلا في مصر، فلما عزموا، طبعا سيكون هذا على قول بعض العلماء: أنه كل سفر في عام، سيكون هذه السنة الثالثة يذهبون إلى مصر، ستكون السنة الثالثة، فلما عزموا على الذهاب وشد الرحال، حينها خرج إليهم يعقوب على أبنائه وأوصاهم: يذهبوا وتحسسوا من يوسف وأخيه، تأكدوا، دوروا في شيء، حاولوا، أكد عليهم هذا الخبر، مع مرور السنوات الطوال على فقدان يوسف، لكن لا زال يأمل في الله جل وعلا، الظن الحسن عليه السلام، فذهبوا الإخوة إلى يوسف ودخلوا عليه، حين أن دخلوا عليه ما سألوه على بنيامين ولا شيء؛ لأنهم قد يأسوا من هذه المسألة، فدخلوا في الموضوع مباشرة، قالوا: يا أيها العزيز، مسنا وأهلنا الضر، الجوع والشدة والحاجة، نريد طعاما، ما سألوا عن بنيامين، خلاص تكلموا عن الواقع الذي قد ألم بهم، الظروف الشديدة التي أحاطت بهم، فقالوا: يا أيها العزيز، مسنا وأهلنا الضر، وجئنا ببضاعة مزجاة؛ لأنه كما قلنا الطعام المكالي يأخذ من خزائن مصر مقابل مال، بضاعة يساوي مونك عليها، وجئنا ببضاعة مزجاة، هذا الذي معنا قليل جدا، خذ وأعطنا ما يقابله، وأوف، يعني: إجزك الله خير، توفي أنت أهل الكرم والجود، وتصدق علينا، هذا نريده منك، تصدق علينا، نظن فيك الخير، أعطنا، جزاك الله خير، ما توجد به نفسك، لا تنظر الذي عندنا، انظر الذي عندك من الكرم والعطاء. خلال هذه الكلمات رق يوسف عليه السلام لهذه الحالة التي وصل إليها إخوته من الجهد والتعب والضيق والفقر والشدة، حينها رفع اللثام عن الأمر، وصرح بحقيقته، فقال مشيرا إلى هذه القضية: هل علمتم ما فعلتم بيوسف وأخيه؟ إذ أنتم جاهلون، حينها ما أحد يعرف قضية يوسف، ما أحد يعرف، وقال العلماء: أنها تكلم بلسانهم، بلغتهم، ذكرهم، فحينها أن هذا الكلام ما يصدر إلا من شخص مقرب، يعرف الباطن والخفايا في القضايا، فقال: أئنك لأنت يوسف؟ أنت يوسف؟ قال: أنا يوسف، وهذا أخي، حينها أقر لهم بحقيقة الواقع، وحينها قاموا بالاعتذار والتأسف والتندم، إلا أن يوسف عليه السلام، وهو الكريم، قال: لا تثريب عليكم اليوم، اليوم ليس هناك حاجة للملامة، غير دفع اللوم، وهذا من كريم خلقه ونبله، أن من جاء معتذرا، ينبغي المسلم أن يقبل عذره، جاء معتذرا متأسفا، فهكذا لما رأى منهم يوسف هذا الاعتذار، غض الطرف عنهم، ولم يؤاخذهم، ولم يكن الوقت وقت ماذا؟ فتح الملفات القديمة، لا تثريب عليكم اليوم، يغفر الله لكم، انتهينا، ما قد مضى، قد فات ومات. حينها أمرهم بأمر، أمرهم أن يأخذوا قميصه، وأن يأخذوه إلى أبيهم يعقوب، وأن يلقوه على وجهه، قميص يوسف، من الطرائف: أن من يذكر ما قاله الشعبي رحمه الله تعالى، قال: قصة يوسف في قميصه، قصة يوسف في قميصه، أول ما صار في مسألة الذئب، من الذئب، أخذوا قميصه، وضعوا عليه الدم، أو شيئا، وجاء، قصة المرأة العزيز التي تراوده، وأخذت قميصه، وقد قميصه من قبل، وكانت نجاته بقميصه، والآن في آخر القصة، أخذوا قميصه وألقوه، قال الشعبي: قصة يوسف في قميصه، يعني قميصه في كل المحاضر، سبحان الله، قال: قصة يوسف في قميصه. فقال: أخذوا قميصه هذا وألقوه، وألقوه على وجه أبي، يأتي بصيرا، آية من آيات الله، ثم قال: وأتوني بأهلكم أجمعين، هذه الكلمة لربما نكررها في قصة في سورة يوسف، لكنها من خلال الحدث التاريخي، يعتبر تحول عظيم في الأحداث والمجريات، وأتوني بأهلكم أجمعين، كل أهاليكم، يا آل يعقوب، أنتم ومن كان من أبنائكم، وأبنائكم، انتقلوا من أين؟ من فلسطين إلى أين؟ إلى مصر، هذا كله سيكون تمهيد قصة عظيمة جدا، وهي مفتاح ما سيكون من أعظم قصة ذكرها القرآن، وهي قصة موسى مع فرعون، موسى يتصارع مع فرعون أكثر من أربعين سنة في أمور، ومن أعظم مطالبه: أرسل معي بني إسرائيل، ولا تعذبهم، بني إسرائيل كانوا في فلسطين، وتحولوا إلى مصر، وسيأتي: كم عاشوا في مصر؟ عاشوا، عاشوا، عاشوا، إلى أن تغيرت الأمور، حينها بدأ لموسى أن يرجع القوم إلى بلادهم، وكان يطالب فرعون بهذا: أرسل معي بني إسرائيل، اتركهم، ارفع عنهم، لا تتدخل في شؤونهم، اجعلهم معي، أنا سأأخذهم إلى بلادهم، إلى فلسطين. فالشاهد أن هذه الكلمة التي ما استغرقت من يوسف سوى جملة: وأتوني بأهلكم أجمعين، غيرت مجريات الأحداث، انتقل بيت النبوة بأكمله من فلسطين، واستقر إلى مصر، وستأتي معنى هذه الأحداث بالتدريج. الشاهد أنه لما طلب يوسف عليه السلام من إخوانه أن يأخذوا هذا القميص، ويلقوه على وجه أبيهم، فلما قال ربنا جل وعلا: ﴿فَلَمَّا فَصَلَتِ الْعِيرُ﴾، ما معنى فصلت العير؟ أي أن القافلة الذين هم مع إخوة يوسف، بعدما عرفوا الحقيقة، وتضحت الأمور، وفرحوا بهذا البشارة، وستكتب الفرحة برجعة أبيهم بصيرا، أخذوا القميص وخرجوا، لكن فصلت العير بمعنى: هم لا زالوا في مصر، لكن خرجوا من البنيان، خرجوا من بنيان مصر، هم لا زالوا في حدود مصر، حينها قال يعقوب عليه السلام في بيت المقدس: إني لأجد ريح يوسف. السؤال الثاني: وهو يعقوب يتكلم مع من؟ العير فيها من؟ فيها الإخوة جميعا، كلهم هنا في مصر، أخذوا القميص من يوسف وخرجوا، بدأوا بالخروج، قال أبوهم: إني لأجد ريح يوسف، يكلم من؟ الإخوة جميعا في مصر، يكلم من؟ قال العلماء: يكلم من في البيت، من في البيت؟ الأحفاد والزوجات والبنات، الذرية، يعقوب عليه السلام عنده عشر من الولد، وقصة يوسف استمرت عشرات السنين، هؤلاء الإخوة قد كبروا وتزوجوا وتكاثروا وتناسلوا، وأتوا بالأولاد، وأتوا بالأحفاد، فإن يتحدث الآن عن يعقوب، وهو عند ذرية قد بلغوا العشرات، العشرات بتصير إلى مئات من الزوجات والبنات والزوجات الإخوة والأبناء وأحفادهم، فكان البيت مليء، فأخبر الذي من في بيته: إني لأجد ريح يوسف، فكان الأمر كما قال. فلما جاء البشير، جاءت القافلة وحطت رحالها إلى بيت المقدس، وجاء البشير وألقى الثوب والقميص على وجه أبيهم، ارتد بصيرا، سبحان الله، أخذ ينظر ويبصر، ثم قال: ألم أقول لكم إني أعلم من الله ما لا تعلمون؟ قد أخبرتكم يوسف موجود، ما كان مفقود، موجود؛ لأن الله وعدهم بالنبوة، وعدهم بالوحي، صحيح غاب، لكن ما أدري أين غاب، متى سيظهر، ما عندي علم بهذا، لكن أعلم أنه موجود، وسيظهره الله، ألم أقول لكم إني أعلم من الله ما لا تعلمون؟ ثم صفت الأمور، وبعد ذلك بدأت الرحلة، وهو الذي ما أمر به يوسف عليه السلام، لا بقاء لكم في أرض فلسطين، ارتحلوا، انتقلوا، في حينها شد الجميع الرحل، أمر يعقوب من أبنائه وأحفاده ومن ذريته ونسائه وكل أحد: أنكم خذوا أمتعتكم وانتقلوا إلى بلاد مصر، فتحركوا جميعا إلى بلاد مصر، هناك يوسف عليه السلام كان في غاية الاشتياق للقاء أبيه يعقوب عليه السلام، وقد غاب هذه الغيبة الطويلة، سنوات، وما التقى بأبيه، فأراد أن يستقبلهم استقبالا حافلا يليق ببيت النبوة، فجهز لهم مكانا، قيل في سيناء، في سيناء، عد فسطاطا، عد مكانا، وليس هو الذي خرج وحده، بل حتى ملك مصر خرجوا مع يوسف، والحاشية، وجماعات من الناس، خرجوا المصريين، كل ذلك إكراما يوسف عليه السلام، يوسف الذي آتاه الله الملك، وآتاه الله النبوة، أدخل التوحيد، أدخل الناس في مصر إلى دين الإسلام، ونهى عن أخلاقهم، وما كان من كرمه، وما كان من فضل حنكته الذي أنقذ مصر، وأنقذ الجميع، الأمة من هذه المجاعة التي ستعصف بالجميع، أكرموا بماذا؟ أن وقفوا بإزاء، نحن معك، سنستقبل هذا الوفد الكريم. فلما أقبل يعقوب عليه السلام وأقبل أهله، أدخلهم يوسف عليه السلام في هذا الإيوان، فجلس معهم، وأنعم بهذا اللقاء الذي لا يوصف بأي كلام، لقاء يوسف عليه السلام بأبيه بعد هذه الغيبة الطويلة، المدينة وما كان فيها من مجريات الأحداث، بهذا لم يبق أحد من ذرية إبراهيم في فلسطين، لكن بقي في الحجاز، في مكة، بقي إسماعيل وأولاد إسماعيل، هؤلاء بقوا في مكة، لكن في فلسطين لم يبق أحد من ذرية إبراهيم عليه السلام، وإنما تحولوا جميعا إلى أرض مصر. بعد ذلك لما استقبلهم يوسف عليه السلام هذا الاستقبال العظيم، ثم أمر هؤلاء بأن يدخلوا مصر الآن إلى داخل المدينة؛ لأن استقبلهم في خارج استقبال في الخارج، في أطراف مصر، استقبل الوفد، ثم أمرهم أن يدخلوا إلى داخل مصر، فقال لهم: «أدخلوا مصر إن شاء الله آمنين»، فأدخلهم، وأتى بأبويه وأدخلهم إلى القصر، ووضعهم على العرش، فخروا له سجدا، ما قام به الوالدان، وهكذا إخوته الأحد عشر، خروا ليوسف سجدا، وطبعا سجود هنا سجود ماذا؟ قد مر معناه، لا تذكرون في قصة آدم عليه السلام، وهو سجود إكرام وتحية، لا سجود عبادة، وهذا كان قد شرع في الأمم السابقة، لكن في شريعتنا محرم، فلا أحد يسجد لأحد، خروا له سجدا، الشمس والقمر كناية عن الأبوين، وأحد عشر كوكب إشارة لإخوته. الشمس والقمر هل كان الموجود أبوه وأمه؟ اختلف العلماء في أمه، هل هي أمه هي رحيل؟ كانت باقية في تلك الفترة أم أنها الخالة؟ أم الأولاد؟ لأن كما تعلم وذكرنا هذا أولا: أن يعقوب تزوج من امرأتين، الأولى أتت بالعشرة، ورحيل الثانية أتت بيوسف وبن يامين، لما جاء يعقوب فيها إلى رحيل مصر، هل كانت رحيل لا زالت حية؟ من قلنا قد ماتت؟ لم تغفر بهذه اللحظة، قد ماتت، وإنما كانت الموجودة الخالة، لكن ظاهر النص القرآن أنها أمه، ورفع أبويه، ورفع أبويه، فالظاهر أنها أمه. فحينها قال يوسف عليه السلام بعدما رأى هذا المنظر: يا أبتي، هذا تأويل رؤياي، القصة قد بدأت بالرؤيا، وها أنا الآن أجد يا أبتي تحقيق هذه الرؤيا، هذا تأويل رؤياي من قبل، قد جعلها ربي حقا، وقد أحسن بي؛ إذ أخرجني من السجن، وجاء بكم من البدو، بدو إشارة إلى ماذا؟ إشارة إلى أن فلسطين في تلكم الفترة والحقبة الزمنية كانت تعد بادية، بادية بالنسبة لمصر، ولهذا كان يظن أن بيت المقدس إذا كان البيت قد بني في بادية، سيكون البناء متواضع جدا، أو إن صح التعبير بناء بدائي قديم؛ لأنه بني في بادية، مثل هذه البواد التي نراها نحن بادية، لكن هل استمر بيت المقدس على أنه بادية لفترة؟ لا، تغيرت الأحوال، تغيرت جدا، سيأتي معنى أن موسى عليه السلام الذي بعد مئات السنين، ما يقارب ستمائة سنة من هذه الأحداث، ولما يأخذ بني إسرائيل، ويريد أن يرجعهم إلى بيت المقدس، يرجعهم إلى قعر دارهم، إلى مستقر ما كانوا عليه، ويرسل العيون إلى بيت المقدس، تأتيه العيون، تأتيه الأخبار: أن بيت المقدس أصبح مغلق الأبواب، رفيع الجدران، محصن الأسوار، وأن فيها قوما جبارين، إن لن ندخلها، سيأتي هذا معنى، لكن فيها إشارة إلى أن بيت المقدس سيتغير. نعم، أخرج الناس منه على أنه كان بادية، لكن حين العودة إليه سيجدون قد تغير، وأصبح مدينة حصينة، ذات قلاع، ذات أبواب، ذات جدران، ذات حصون. فالشاهد أن لما جاء يعقوب بأهله جميعا واستقروا في مصر، قام من ملك مصر من باب الحفاوة والإكرام بهذا البيت النبيل، بيت النبوة، أن أعطى ليعقوب ومن معه أعطاهم أفضل الأماكن في جهة النيل؛ لأنهم مصر يمر عليها نهر النيل، ولزال الناس قديما منذ ذاك الزمن إلى الآن، والكل يتنافس أن يكون له موقع عند النيل؛ لأنها ستكون أماكن خصبة من حيث العليل، من حيث النسيم، من حيث الهواء، من حيث الخصوبة، خصوبة الأرض، فكان قام الملك بماذا؟ بأن أعطى ليعقوب أراضي يأخذها، ليعيش على ضفاف النيل، وهذا تحسنت أحوال يعقوب ومن معه تحسنا عظيما ملحوظا، خرجوا من الجوع، خرجوا من الشدة والقحط والجفاف إلى السعة، خرجوا من البداوة إلى المدن والقصور، فعوضهم الله جل وعلا خير عوض، وكل ذلك بما كان على يد يوسف عليه السلام. إلى هنا انتهينا من قصة يوسف، تأتي مسائل كثيرة نشير إليها، ومنها: بعد يوسف عليه السلام بفترات ستأتي معنا قصة موسى، هنا أحداث نحب أن نلقي الأضواء عليها، وهي ما كانت بين يوسف إلى خروج موسى، الحدث الأول: وهي الأحداث سأذكرها من غير الترتيب، الحدث الأول: ما كان من وفاة يعقوب ويوسف عليهما السلام، يعقوب جاءته المنية، وقد جاء ذلك في القرآن، كما قال ربنا جل وعلا: ﴿إِذْ حَضَرَ يَعْقُوبَ الْمَوْتُ﴾، قال بنيه: ما تعبدون من بعدي؟ فيعقوب جاءته المنية، وأوصى بنيه بعبادة الله وحده لا شريك له، وهكذا على إثره جاءت المنية ليوسف عليه السلام، كما قال في قول ربنا جل وعلا: ﴿رَبِّ قَدْ آتَيْتَنِي مِنَ الْمُلْكِ وَعَلَّمْتَنِي مِنْ تَأْوِيلِ الأَحَادِيثِ﴾، إلى أن قال: ﴿تَوَفَّنِي مُسْلِمًا وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ﴾، يوسف عليه السلام قبل أن يموت جمع بنيه وأوصاهم بوصايا التوحيد والقيام بالدين والاهتمام بالشريعة، ومن الوصايا الخاصة الذي أوصى يوسف عليه السلام أبناءهم ومن كان من ذريتهم: أوصاهم أنكم إن خرجتم من مصر، وأردتم العودة إلى بلاد فلسطين، فخذوا جثماني معكم، خذوا جثماني، جثتي، لا تجعلوها قبري لا يبقى في مصر، تذهبون، خذوا قبري معكم، فهذا سيأتي معنا في الحديث الصحيح في قصة المرأة العجوز، سيأتي هذا معنا. إذا لا إشكال أن يوسف عليه السلام دفن في فلسطين، ستأتي قصته بعد فترة، لكن بقي الإشكال: نرجع إلى يعقوب، أين دفن يعقوب؟ أين دفن يعقوب عليه السلام؟ الظاهر أن يعقوب عليه السلام دفن أيضا في فلسطين؛ لأنه لا يعقل أن يوسف عليه السلام يفكر في نفسه بأن يؤخذ قبره إلى محط رأس، رأس، ويترك أباه في بلاد الغربة، فلا يظن هذا بيوسف، لا شك أن يوسف سيوصي كذلك بأن قبر أبي يؤخذ معه؛ لأن لا أقول أكثر، بل كل مصادر أهل الكتاب تصرح بأن يعقوب دفن عند إسحاق، عند جد إبراهيم، في منطقة الخليل، لا يتنازعون فيما بينهم على أن يعقوب دفن هناك، دفن هناك. ولهذا يقول العلماء: أن دفن يعقوب عليه السلام إلى أرض فلسطين يكون بأحد احتمالين: إما ما ذكرنا من أن يعقوب حمل قبره، حمل جثته، ودفن عند آبائه، عند إسحاق، وعند إبراهيم، في أرض فلسطين، حمل، حملا، أي الجثة، والاحتمال الثاني: وهذا لا يستبعد، أن من طبيعة الأنبياء أنهم يأتيهم عند الموت خبر، واستعلام موعد موتهم، يعطيهم إنذار: أنكم الآن ستموتون عما قريب، ويخيرون إما بالبقاء، يخيرون إما بالبقاء على قيد الحياة إلى آمد، أو ينتقلون، وكلهم ينتقلون إلى الرفيق الأعلى، وكانت الأنبياء يخيرون، فلعل يعقوب خير في هذا، فلما علم بقرب أجله، خرج من مصر، حتى قارب المنية، فمات في فلسطين، ودفن في فلسطين، هذا تتفق الروايات في هذه المسألة. في هذه المسألة بقي كذلك مما يتعلق بهذا الأمر الأول: وهو كم استمرت دعوة يوسف في بلاد مصر؟ لأنها كما نقول: دعوة أهل مصر قامت على يد يوسف عليه السلام، كم عساه استمرت؟ هذا ينقلنا إلى مسألة أخرى: وهي مسألة الأسباط، إلى مسألة الأسباط، ولأننا قد ذكرهم ربنا جل وعلا: ﴿إِنَّا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ كَمَا أَوْحَيْنَا إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالأَسْبَاطِ﴾، الأسباط، نعم، وقع فيهم الخلاف، والصحيح من أقوال أهل العلم: أن الأسباط هم الأنبياء، هم الأنبياء الذين يأتون من ذرية إبراهيم، من ذرية إسماعيل، من ذرية إسحاق، ويعقوب، ويأتون يجددون ملة أبيهم إبراهيم، وذلك في مصر، يجددون الملة للمصريين، وهكذا لبني إسرائيل، ولبني إسرائيل الذي سيعيشون في بلاد مصر، وهؤلاء الأسباط أول من يقال أنه منهم: يوسف عليه السلام، وأول الأسباط، ثم تتوالى الأنبياء من بعده، كلما ذهب جيل، يأتي جيل بنبي، ويجدد ملة إبراهيم عليه السلام في أرض مصر، وهذا هو الصحيح، وإن كان هناك خلاف في مسألة الأسباط، لكن هذا أوجه من الأشياء التي وقعت. كذلكم من حياة يوسف إلى حياة موسى عليه السلام آية، آية يكون هذا موطنها، وهي في قول ربنا جل وعلا: ﴿كُلُّ الطَّعَامِ كَانَ حِلاًّ لِبَنِي إِسْرَائِيلَ إِلاَّ مَا حَرَّمَ إِسْرَائِيلُ عَلَى نَفْسِهِ مِنْ قَبْلِ أَنْ تُنَزَّلَ التَّوْرَاةُ﴾، هذه الآية تتحدث طبعا عن فترة ما بعد يعقوب عليه السلام إلى ما قبل موسى، قبل أن تنزل التوراة، تتحدث هذه الآية عن مسألة وقعت، رسول الله عليه الصلاة والسلام: أن اليهود سألوه: أنت على ملة من؟ فأخبرهم نبينا أنه على ملة إبراهيم، فقال: كيف هذا؟ كيف هذا؟ أخبروا أن إبراهيم عليه السلام لا يأكل لا يأكل الإبل، ولا يشرب من ألبانها، وأنت تأكل الإبل وتشرب من ألبانها، فكيف تدعي أنك على ملته؟ فأنزل الله عز وجل هذه الآيات: كل الطعام كان حلا لبني إسرائيل، كل الطعام، ما هناك شيء تحرم عليه، كان الطعام حلالا من لدن إبراهيم عليه السلام إلى أن جاء إسحاق، إلى أن جاء يعقوب، إلى أن جاء موسى، ثم تم التغيير في بعض الأنواع من الأطعمة، كل الطعام كان حل لبني إسرائيل إلا ما حرم إسرائيل على نفسه من قبل أن تنزل التوراة، أي أن الطعام الحلال قد أحله الله إلى أن جاءت شريعة موسى بالتوراة، تم التغيير، تم التغيير، لكن هذه الفترة كل الطعام كان حل، منه الإبل وغير ذلك، لكن في مرحلة وهي مرحلة يعقوب، وهو إلا ما حرم إسرائيل، وكرر إسرائيل، من هو؟ هو يعقوب عليه السلام، إسرائيل بمعنى عبد الله، يعقوب عليه السلام، وقع له أمر خاص به، أصيب بعرق النساء، فنذر إن شفاه الله جل وعلا لن يأكل الإبل، ولن يشرب من ألبانها، فلما شف من عرق النساء، وفى بنذره، فما أكل لحم الإبل، وما شرب من ألبانها، بنوه من بعده جعلوها شريعة، جعلوها شريعة، فأخذوا لا يأكلون الإبل، ولا يشربون من ألبانها، إذن هل هذا المنع شريعة؟ لا، ما هي شريعة، ما كان شريعة، وإنما هو أمر خاص طرأ بيعقوب، أنه امتنع شخصيا هو، ثم قام من بعده من تشبه به. فأما شريعة كشريعة في إبراهيم: على أن إبراهيم حرم الإبل لا، ما حرم هذا، ولهذا ماذا قالت الآية؟ قال طلب ربنا من نبي أن يقول اليهود: فأتوا بالتوراة فاتلوها إن كنتم صادقين، هل فيها هذا الكلام؟ ليس في هذا الكلام، ولن تجدوا هذا، لن تجد أن إبراهيم أبدا حرم الإبل، ولا حرم الألبان، فهذا مما يذكر من أحداث هذه الفترة الزمنية من بعد يوسف إلى هذا من الأحداث المهمة. كذلك إخواني في الله مسألة الحكم في بلاد مصر إبان دخول يوسف عليه السلام، كان الذي يحكم مصر حينها قوم ينسبون إلى الهكسوس، الهكسوس، وهم كما يسمون قوم رعاة، قوم رعاة، آلت إليهم الأمور، فتقلدوا مقاليد الحكم في مصر، ودان لهم البلاد والعباد، وجاء يوسف وهو في هذه الأزمان، وصل إلى المحل المرموق، دخل على هذا الملك، وعرض عليه الإسلام، فأسلم، فأسلم هذا الملك، ثم مضت المدة، مضت المدة، والناس يعيشون في هذه الفترة، لا زال الحكم بأيدي هؤلاء الهكسوس، المئة الأولى، المئة الثانية، المئة الثالثة، المئة الرابعة، هنا تغيرت الأحداث السياسية، قام الفراعنة وأخذوا يناوشون الهكسوس في مسألة الولاية في الحكم، فقامت بينهم الحروب، الثورات، قامت بين الملوك، بنو إسرائيل حاولوا أن يفهموا الأوضاع الآن في مصر، عند شعب مصري، وعند شعب الفلسطيني، وهم ذرية يعقوب، جاءوا وعاشوا وترعرعوا، وأصبحوا كما قال: نسيج في هذا المجتمع المصري، لكن يعرفون بأنهم من بني إسرائيل، يعرفون بهذا، بني إسرائيل، ها هنا في هذه الفترة، بعد 400 سنة، قد قاموا وناصروا من الهكسوس، ناصروهم؛ لأنهم على وئام، وعلى التوحيد، وعلى الدين، ناصروهم، إلا أن الغلبة كانت للفراعنة، فانتصر الفراعنة على هؤلاء، حينها لا تسل يا عبد الله ما الذي فعلوه الفراعنة ببني إسرائيل؟ أذلوهم، استضعفوهم، لعدة أمور: لأول لأنهم وقفوا ضدهم، ولأنهم غرباء، كما تجد في بعض: إذا وصلت مشاكل، يقول: أنت متعاون، رجع إلى البلاد، ارحل، ارحل من هنا، يا الله؛ لأنك غريب، يستضعف هذا الغريب، يستضعف. فلا زال يستضعفونهم، يستذلونهم، وخاصة ما كان من موقفهم، وما كان كذلكم من أنهم غرباء، ليس لهم ماذا؟ ظهر، وكان بنو إسرائيل في وجودهم في مصر كانوا ينتشرون ويتكاثرون ويتناسلون كثيرا، وهذا يدخل في عموم قول الله جل وعلا: ﴿وَلَقَدْ بَارَكْنَا عَلَيْهِ وَعَلَى إِسْحَاقَ﴾، من بركة الله جل وعلا على يعقوب وعلى إسحاق، ومن كان من ذريته، أن جعل فيهم البركة، ومن بركة ما الكثرة، يتكاثرون، يتكاثرون، حينها المصريون خافوا، خافوا أن هذا التكاثر سيأتي وقت، أنها أو لا سيغلبوننا على بلادنا، سيغلبوننا على بلادنا، فقاموا وأوعزوا إلى الفراعنة إلى وضع حد لهذا التكاثر، حينها سن الفراعنة هذا القانون: بقتل الأولاد، بقتل الأولاد، فأخذوا يقتلون فيهم، إلى أن جاء ذلكم الملك الفرعوني، والذي بعث فيه موسى عليه السلام، فازداد الأمر شدة؛ لأن هذا الملك الفرعوني جاء إليه من جاء من السحرة، وأخبروه: أن هناك نبوة أتت بها الأسباط، يتحدثون عن ظهوري، سيخرج رجل من بني إسرائيل، به يكون زوال ملك الفراعنة، به يكون زوال ملك الفراعنة، فحينها أمر هذا الفرعون بقتل جميع الأولاد بلا استثناء، فأخذوا يشددون، لا هوادة، فمن كان من الأولاد يقتل، حتى أن المرأة المصرية إذا رأت أن جارتها الإسرائيلية قد حملت، تبلغ عليها، تبلغ عليها، فيأتي الحرس، ويراقبون موعد الولادة، ما لها؟ ما فر؟ ما لها؟ ما فر؟ فإذا جاءت الولادة، حضروا، إذا أنجبته ولدا، ذبحوا، رموا بجسد من غير رأس، خذيه، جسد من غير رأس، بلا، كما قال ربنا جل وعلا: ﴿يُذَبِّحُونَ أَبْنَاءَكُمْ وَيَسْتَحْيُونَ نِسَاءَكُمْ﴾، في ذلك بلاء من ربكم عظيم، بلاء عظيم. ثم استحر القتل في بني إسرائيل، يقتلون، يقتلون، يقتلون، هنا ظهرت مشكلة أخرى، معضلة ثانية، اجتمع الحاشية والوزراء مع فرعون، قال: إلى متى ستقتل في هؤلاء؟ القتل فيهم أدى إلى مشكلة عويصة، وهي قلة الأيد العاملة، ما أحد من البناء، من المزارع، من الفلاح، إلا هم، وما هناك أحد، ما فيه إلا الكهول، ما فيه إلا العجائز، ما ناس أربعون، الكهول، وذو شيبة، إذا استمرت يا فرعون بقتل الأولاد جميعا، ما سيبقى لنا أحد، نريد أن نستخدمهم، نستعملهم، نخدمهم، خدم عندنا. وهنا اجتمع فرعون مرة ثانية مع كبرائه من الفراعنة، ومن الحاشية، فكان القرار: أن القتل يكون عام دون عام، عام يذبح فيه الأبناء والأولاد، وعام يتركون، وكان من لطف الله جل وعلا في العام الذي ما كان فيه ذبح من ولد هارون، وفي العام الذي فيه الذبح ولد موسى عليه السلام، وسأتي هذا معنا في قصة نجاة موسى من مسألة الذبح. فهذا مما يذكر كذلك من الأحداث المهمة، حتى نفهم قضية الحكم في بلاد مصر، من الأحداث المهمة إخواني في الله، كذلكم أن نشير إلى نبي خرج، وهذا النبي المصادر التاريخية توحي أنه كان في هذه الفترة، أو قريبا من هذه الفترة، قريبا من هذه الفترة، وهو شعيب عليه السلام، وهو شعيب عليه السلام، شعيب نبي من أنبياء الله، ذكر في القرآن إحدى عشرة مرة، وهو نبي عربي من أصول عربية، وهو الذي أطلق عليه جماعة من العلماء: بخطيب الأنبياء، أطلق عليه جماعة من أهل العلم: بخطيب الأنبياء، ولهذا تجد أن الحوارات التي تذكر ما يكون بين شعيب وبين قومه، يكون فيها طول، مع بلاغة، وخصاحة. بعث شعيب عليه السلام إلى قوم مدين، ومدين أين تكمن؟ تكمن في جهة الأردن، تكمن في جهة الأردن، من تستذكرون من الأنبياء وجد في هذه المنطقة؟ من؟ لوط، لوط عليه السلام كان قريبا، ولهذا كانت سيأتي معنا: كانت قرى لوط قريبة من مدينة شعيب، أو قرية شعيب، سيأتي هذا معنا. شعيب عليه السلام أرسل إلى قوم مدين، من باب الفائدة، من باب الفائدة: أصحاب مدين، أصحاب الأيكة، أصحاب شعيب، كلهم لمسمى واحد، كلهم لمسمى واحد، أهم شعيب؟ هم هم أهل مدين، هم هم أصحاب الأيكة، مدين باعتبار المنطقة، والأيكة: الأيكة بمعنى الشجر، بمعنى الشجر، قيل: هو الشجر الملتف، ولماذا تسميت قرية شعيب، أو سموا بأصحاب الأيكة؟ قيل: لكثرة الأشجار، لكثرة الأشجار التي كانت تقطن في هذه المنطقة، قيل هذا، أو قيل: أنهم كانوا يعبدون الشجر، كانوا يعمدون الشجر، فسموا بأصحاب الأيكة. كان من أفعال قوم شعيب، مع ما كان من كفرهم بالله، وشركهم بعبادة غير الله، كانت عندهم ميول إلى أخذ الأموال، وإلى نهبها من الغير