شرح منظومة السير إلى الله والدار الآخرة للعلامة السعدي 19

شرح منظومة السير إلى الله والدار الآخرة للعلامة السعدي 19

الدرس في شرح منظومة السير إلى الله والدار الآخرة للعلامة السعدي 19، ألقاها الشيخ أبو هاشم جمال بن سرور

أهمية الرفقة الصالحة في السير إلى الله

يُشدد الناظم على أهمية الرفيق الصالح في رحلة الإنسان إلى الله مستدلاً بالأدلة القرآنية والنبوية. يُوصى باختيار الرفقة الطيبة التي تعين على الطاعة وتُعزز الإيمان.

معايير اختيار الرفقة الصالحة

يُشدد على أهمية اختيار الأصحاب الصالحين الذين يخافون الله ويحرصون على طاعته. يُوصى بانتقاء الأفضل منهم لتحقيق الفائدة القصوى من هذه الصحبة.

ثمرات التحلي بالمنازل العظيمة والدعاء

يشرح المؤلف ثمرات تحلي العبد بالمنازل العظيمة مثل الصدق والإخلاص، ويتضمن المقطع دعاءً بأن ينفع الله قائل الحديث ومستمعيه ويختم بالصلاة على النبي محمد وآله وصحبه.

التفريغ النصي الكامل

إن الحمد لله، نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا. أما بعد، يقول الناظم الإمام السعدي رحمه الله تعالى في منظومته: قال: نعم الرفيق لطالب السبل التي تفضي إلى الخيرات والإحسان. هذا البيت، إخواني في الله، هو البيت الأخير في هذه المنظومة، والتي أسماها الناظم منظومة السير إلى الله وإلى الدار الآخرة. فقال: نعم الرفيق لطالب السبل التي تفضي إلى الخيرات والإحسان. وهذا البيت الذي ختم به الناظم رحمه الله تعالى هذه المنظومة، والتي هي في الحقيقة إشارة إلى منزلة الصحبة أو منزلة الرفقة. فقال رحمه الله: نعم الرفيق، نعم الرفيق. وفي هذا البيت، إخواني في الله، إشارة إلى مسائل مهمة. أولها: والذي لعل المؤلف رحمه الله ختم هذا البيت وهذه المنزلة، هذه المنظومة المباركة، إشارة إلى أن من أعظم ما يحتاج إليه كل سائر إلى الله جل في علاه، أنه بحاجة إلى من يعينه في دربه، ومن يناصره في طريقه إلى ربه. وقد دلت الأدلة الكثيرة على ذلك، ومنها ما ذكره ربنا جل وعلا على لسان موسى: ﴿واجعل لي وزيرا من أهلي هارون أخي أشدد به أزري وأشركه في أمري كي نسبحك كثيرا ونذكرك كثيرا﴾. فالإنسان، إخواني في الله، إذا كان في جماعة من الناس من أهل الإسلام والإيمان، كان ذلك من أعظم الدوافع إلى أن يستمر على طاعة مولاه. وهذه إشارة سريعة إلى هذه المسألة، فمن ذلكم ما نجده من الأدلة الكثيرة على ضرورة الالتزام بالجماعة بشكل عام، كما قال عليه الصلاة والسلام: «عليكم بالجماعة»، وقال عليه الصلاة والسلام: «يد الله مع الجماعة»، وقال عليه الصلاة والسلام: «الجماعة رحمة والفرق عذاب». وأيضا مما يدلل به على أهمية الاجتماع ما جاء من الأحاديث الكثيرة الدالة على فضيلة الاختلاط والخلطة بالناس. قال عليه الصلاة والسلام: «المؤمن الذي يخالط الناس ويصبر على أذاهم خير من المؤمن الذي لا يخالط الناس ولا يصبر على أذاهم». ومما يدلل به كذلكم أيضا على أن الإنسان في جماعة مسلمين يبقى في نشاط واجتهاد، ما تجده من عموم التشريع الإسلامي، إذ أن جل الفرائض والواجبات إنما تؤدى بالعمل الجماعي. فالصلاة جماعة، والحج جماعي، وهكذا صيام رمضان جماعي. ومن تأمل إلى أكثر الصلوات، فإنها تؤدى على هيئة جماعية. صلاة الكسوف والخسوف جماعة، صلاة الاستسقاء جماعة، صلاة الجنائز جماعة، صلاة العيد جماعة. سل نفسك يا عبد الله: لماذا هذا الاجتماع؟ لأنه مما يعطي للإنسان همة ونشاطا إلى أن يقوم بما أمر الله عز وجل به. إذن، في هذه الفقرة، مما يستفاد في قول الناظم: نعم الرفيق، فيه أن الإنسان يحرص على أن يكون مع الناس، وأنه بذلك يكون أقوى. وقد قال عليه الصلاة والسلام: «صلاة الرجل مع الرجل أفضل من صلاة الرجل وحده، وصلاة الرجل مع الرجلين أفضل من صلاة الرجل مع الرجل، وكلما كان أكثر كان أفضل». الفائدة الثانية، إخواني في الله، مما يستفاد من هذا البيت، أنك يا عبد الله، وإن كان ولابد أن تكون في جمع الناس، احرص يا عبد الله على أن تختار من الناس من كان من الرفقة الطيبة، ومن أهل الخير والصلاح والفلاح. ولهذا قال الناظم رحمه الله تعالى: نعم الرفيق لطالب السبل التي... أي نعم الرفيق هذا الذي علم باستقامته وبالتزامه. وأنعم يا عبد الله بهذا الصاحب وبهذا الرفيق الذي إذا كان على صلاح، فهو سيكون معك إذا رأىك نسيت ذكرك، وإذا رأىك جهلت علمك، وإذا رأىك غفلت نبهك. فلا يزال بك ولا يزال معك يقومك ويسددك. ولقد جاءت الأحاديث الكثيرة الدالة على فضيلة اختيار الصحبة الطيبة، كما جاء في الصحيح من حديث أبي موسى الأشعري رضي الله تعالى عنه قال: قال عليه الصلاة والسلام: «مثل الجليس الصالح والجليس السوء كحامل المسك ونافخ الكير». فحامل المسك إما أن يحذيك -أي يعطيك- وإما أن تبتاع منه، وإما أن تجد منه ريحا طيبة. فتجد أن الذي يدخل إلى محل العطارة الذي يبيع العطور كالمسك ونحوه، فإنه لن يعدم من خير. إما أنك تشتري، وإما أن يعطيك، وإما أن تجد منه ريحا طيبة. وهكذا هم رفق أهل الصلاح، فإنك يا عبد الله ستستفيد خيرا في كل أحوالهم، وفي كل شؤونهم، في أقوالهم، في أفعالهم، في آدابهم، في أخلاقهم. فإن لم ينفعوك، فإنهم لن يضروك. إن لم ينفعوك لم يضروك. فأنعم يا عبد الله بالرفيق الصالح الذي تختار من أمثاله. وإن الرفيق الصالح، يا عبد الله، من أعظم أيضا ما يستعان به على توبة التائبين، ليس فقط على فعل الطاعات، بل كذلك على توبة التائب. ولنا عبرة بقصة الذي قتل تسعة وتسعين نفسا، فحين أراد أن يتوب، دله العالم إلى هذا المسلك التربوي، فأخبره أن في القرية الفلانية قوما يعبدون الله، فاعبد الله معهم. فدله إلى هذا المسلك التربوي والذي يعين على صحة التوبة وعلى استمرارها، أنك تلتحق بالصالحين، وأنك تكون معهم في طاعاتهم وعباداتهم. فالشاهد، إخواني في الله، والأدلة كثيرة تدل على فضيلة اختيار الرفقة الصالحة. الفائدة الثالثة من هذا البيت، أن الإنسان كما أشرنا يختار أهل الصلاح والفلاح، لكن في هذا المضمار كذلكم الصلحاء يختلفون ويفترقون، ويقع بينهم البون الشاسع في صلاحهم وفي فلاحهم. فالناس ليسوا في الصلاح سواء، فهم بين مستقل وبين مستكثر. فأنت يا عبد الله، وإن كان ولابد في اختيارك لأحد من الصلحاء، ما هو المعيار؟ المعيار أنك تختار الأكمل وتختار الأفضل وتختار الأحسن. تختار الأكمل والأفضل والأحسن ممن علمت ما يكون من تقوى ومن خوفه من ربه، وما كان من حرصه على أوقاته. تجعل هذه هي المعايير في أهل الصلاح الذي أنت تتشرف بأنك تصاحبهم، وأن تلازمهم، وأن يكونوا معك هم الخاصة في مدخلك ومخرجك، وفي كل أحوالك وفي شؤونك. كما قال القائل: إذا ما صاحبت القوم فاصحب خيارهم، ولا تصاحب الأرض فتردى مع الردي. فإذا ما صاحبت قوما فاصحب خيارهم الأخير الأفضل على الإطلاق منهم اختر. قل: هذا الذي ينبغي أن أماشيه. فأنت يا عبد الله في باب اختيار الصحبة الطيبة، لا تختار الدون، لا بل اختر الأعلى في المعايير. وقد جاء من السنة ما يدلل به على ذلكم، كما في قوله عليه الصلاة والسلام: «لا تصاحب إلا مؤمنا، ولا يأكل طعامك إلا تقي». لا تصاحب -يعني إن كان من صحبة- فلا تصاحب إلا مؤمنا رجل قد بلغ من الإيمان مبلغا. فقط بل كذلك ولا يأكل معك، ولا تجعل في خلطتك إلا الأتقياء الأولياء الأوفياء. ولا يأكل طعامك إلا التقي. فهذه إشارة نبوية إلى أن الإنسان يختار من بلغ في الإيمان مبلغا في باب الصحبة، وعلى رأس هؤلاء الذي ينبغي أن تجعل لهم المعايير في صحبتك من وفق إلى هذه المنازل. هذه المنازل التي مضت معنا، ويكثر إذا رأيت أن أحدا من الناس قد تخلق بشيء منها، اجعل هذا الرجل هو أولى الناس بصحبتك. وهذا الذي أشار إليه الناظم رحمه الله تعالى بقوله: نعم الرفيق لطالب السبل، لطالب السبل أي طالب هذه السبل وهذه المنازل التي مضت معنا. أنعم يا عبد الله من رفقة في حق من طلب هذه المنازل العالية. الفائدة الأخيرة، إخواني في الله، الذي أختم به هذا المقام وهذا المجلس، في قوله رحمه الله تعالى: قال السبل التي تفضي إلى الخيرات والإحسان. أشار الناظم رحمه الله تعالى إلى أنك تختار الرفيق الصالح، وخاصة من علم عنه أنه يحرص على هذه السبل. طب ما شأن هذه السبل؟ هذه السبل التي ينبغي علي وعليك وعلى كل أحد ممن هو يسير إلى الله، وكلنا سائرون إلى الله، أن مآلات هذه السبل وهذه المنازل أنها تفضي إلى الخيرات والإحسان. السبل التي ذكرها الناظم رحمه الله تعالى، ولا بأس بالإشارة إلى بعضها. أشرنا إلى منزلة الرجاء والخوف والمحبة، وإلى منزلة الذكر والشكر والصبر والرضا، ومنزلة التوكل والإحسان، ومنزلة الصدق والإخلاص، وهكذا منزلة الزهد والتعلق بالله. هذه المنظومة مرت معنا، هذه المنازل مع شيء من إضاح معالمها. هذه المنازل من وفق إليها، ما مآلاته؟ قال رحمه الله: تفضي إلى الخيرات والإحسان. المؤلف رحمه الله تعالى يريد أنه يشير إلى أن العبد إذا وفق إلى هذه المنازل المذكورة في المنظومة، فإن الله عز وجل قد وعده بخيري الدنيا والآخرة. الخيرات نعم الدنيا، والإحسان نعمة الآخرة. وهذا مصداقه في قول ربنا عز وجل: ﴿من عمل صالحا من ذكر أو أنثى وهو مؤمن فلنحيينه حياة طيبة﴾. وعلى رأس الأعمال الصالحة التي نحصل عليها، ما جاء ذكرها في هذه المنازل في هذه المنظومة، من الصدق والإخلاص، وهكذا ذكر الله عز وجل، والصبر والرضا والشكر، والاعتماد عليه والإخلاص والمتابعة. هذه أعمال، بل هي من خيرة الأعمال. من عمل بها، قال ربنا عز وجل: ﴿للذين أحسنوا الحسنى وزيادة﴾. للذين أحسنوا، الذين أحسنوا في هذه الدنيا أحسنوا في ماذا؟ في أعمالهم وفي طاعاتهم. وأعظم ما يقوم به الإنسان من أعمال، هذه المقامات أن تكون صادقا، أن تكون ذاكرا، أن تكون صابرا، أن تكون مخلصا، أن تكون متابعا، أن تكون معتمدا على الله جل وعلا. أن تكون راجيا، أن تكون خائفا، أن تكون محبا لله. هذه إن أحسنتها وصبرت نفسك على هذه المقامات، للذين أحسنوا، هل جزاء من جنس العمل؟ ما الجواب؟ ما الجزاء؟ للذين أحسنوا الحسنى وزيادة. وعدك الله بالحسن. قال العلماء: الحسن هنا أجر الآخرة، وما يكون من حسن الآخرة. دليل ذلك ما جاء في قول ربنا عز وجل: ﴿هل جزاء الإحسان إلا الإحسان﴾. من أحسن في الدنيا أحسن الله إليه يوم القيامة. ولهذا ذهب جماعة أيضا من أهل العلم في تفسير قول الله: ﴿للذين أحسنوا الحسنى﴾، أي الجنة، وهي أعظم حسن، أعظم حسن يا عبد الله تجنيها يوم القيامة إذا لقيت الله عز وجل بهذه المقامات. هذه هي الإحسان الذي تجده، الذي تفضي إليه هذه المقامات، إحسان من الله لك يوم القيامة. والخيرات تحمل على كلام الناظم على أنها بركات الدنيا، على بركات الدنيا. إذا أحسنت، إذا أحسنت إلى الله في أعمالك وفي طاعاتك، وفي التماسك لهذه المقامات، فالله عز وجل يعطيك العوض من خيرات الدنيا. ما تجده من راحة البال، ومن ستر الحال، ومن جمع الشمل بالأقارب والأصحاب والأرحام، وما تجده من نعمة الأمن والأمان، وما تجده من الصحة في الأجساد والأبدان. كل هذه النعم الدنيوية من الخيرات تجدها يا عبد الله عن طريق الأعمال الصالحة، وعلى رأس هذه الأعمال هذه المقامات العظيمة. وهذا ينبغي أن يعلم، لا تظن يا عبد الله أن قيامك بأمر الله جل وعلا أنه يحفظ لك فقط في صحيفة أعمالك وتجده عند ربك، هذا كائن. لكن أبشر يا عبد الله بخير الدنيا قبل الآخرة. قال ربنا عز وجل: ﴿ولو أن أهل القرى آمنوا واتقوا لفتحنا عليهم بركات من السماء والأرض﴾. وقال سبحانه: ﴿فقلت استغفروا ربكم إنه كان غفارا يرسل السماء عليكم مدرارا ويمددكم بأموال وبنين ويجعل لكم جنات ويجعل لكم أنهارا﴾. هذا وعد الله. للأسف نقرأ القرآن، لكن لا يلامس قلوبنا، ولا نتفطن لكلام الله جل وعلا الذي يخاطب الله من خلاله. أصبح الناس إنما الركون إلى الدنيا فقط، حتى نتحصل على الدنيا بالدنيا، لا يعبد الله بالدين، بطاعتك، باستقامتك، بامتثالك لأمر الله وأمر رسوله عليه الصلاة والسلام، يقر الله عينك بخير الدنيا والآخرة. فعلى هذا يحمل كلام الناظم رحمه الله تعالى بقوله: نعم الرفيق لطالب السبل التي تفضي إلى الخيرات والإحسان. وبهذا البيت ختم الناظم رحمه الله تعالى هذه المنظومة المباركة، والتي كنا وإياكم معها ننتقل من منزل إلى منزل، ومن مقام إلى مقام. وهي من المنازل العظيمة، ومن المقامات الرفيعة التي حق على كل مسلم ومسلمة أن يتحلى وأن يلتحق بها، لأن الله عز وجل أمرنا جميعا بأن نكون من أهلها. أسأل المولى جل وعلا أن ينفعنا بما قلنا، ونسأله جل وعلا أن يجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، إنه ولي ذلك والقادر عليه. وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم، والله تعالى أعلم.