تفسير سورة الانشقاق من تفسير الجلالين 3

تفسير سورة الانشقاق من تفسير الجلالين 3

الدرس في تفسير سورة الانشقاق من تفسير الجلالين 3، ألقاها الشيخ أبو هاشم جمال بن سرور

تفسير الآيات القرآنية من سورة الإنشقاق

يتضمن تفسير الآيات القرآنية من سورة الإنشقاق، حيث يشرح معاني الكلمات والعبارات ويوضح الفرق بين حال الكافر والمؤمن. يشير إلى أهمية الخوف من الله في الدنيا والجزاء في الآخرة.

تفسير قسم الله تعالى بالشفق والليل والقمر

يتناول تفسير الآيات القرآنية "فلا أقسم بالشفق والليل وما وسق والقمر إذا اتسق". يشرح معاني الشفق والليل والقمر ودلالاتها في سياق القسم الرباني.

تفسير آية "لتركبن طبقا عن طبق" وتطبيقاتها العملية

يفسر آية "لتركبن طبقا عن طبق" ويشرح معانيها المختلفة وتطبيقاتها على الناس وعلى النبي محمد صلى الله عليه وسلم، حيث يتناول انتقال الإنسان من حال إلى حال.

  • 21 جمادى الأولى 1447هـ - 11/11/2025مـ
التفريغ النصي الكامل

إن الحمد لله نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليما كثيرا. أما بعد، بالأمس إخواني في الله في سورة الإنشقاق ذكرنا ما يتعلق بقول الله ﴿وأما من أوتي كتابه وراء ظهره﴾، وأشرنا إلى مسألة تلقي الصحف وأحوال أصحابها، فسوف يدعو ثبورا. قلنا أن ينادي بالهلاك. ثم قال المؤلف رحمه الله: عند قول الله «ويصلى سعيرا»، قال: يدخل النار الشديدة، السعير هي النار الشديدة يصلاها الكافر يعيش فيها. قال: في قراءة بضم الياء وفتح الصاد واللام المشددة، أي «ويصلى سعيرا»، هذه قراءة صحيحة «ويصلى» وهذه كذلك تؤيد بالقراءة بآية أخرى وهي في قوله تعالى ﴿وتصلية جحيم﴾، «تصلية جحيم». وهذه اللفظة في قوله سبحانه وتعالى، وبالقراءة الثانية «يصلى سعيرا» رواية التشديد ذكرها الطبري رحمه الله تعالى في تفسيره، وبين أن فائدة هذه اللفظة أي أن تصلية هؤلاء مستمرة، تصلية بعد تصلية، تصلية بعد تصلية. فرواية لفظة القراءة التشديد يدل على الاستمرار. قال: «إنه كان في أهله مسرورا»، أي هذا الكافر، قال: «عشيرته في الدنيا مسرورا بطرا لاتباعه لهواه»، أي أن هذا الكافر كان في الدنيا مسرور فرح متبطر متغطرس لا يبالي بمآلات الأمور، بما كان من كفره وما كان من شركه بربه، فكان آمنا مطمئنا. لما كان هذا حاله انقلب أمره يوم القيامة على العكس من ذلك، فها هو يصيح يدعو ثبورا، يصيح ويبكي، وأن ينفعه هذا الصراخ. وهذا بخلاف من؟ بخلاف المسلم، المسلم بالعكس في الدنيا في خوف، إن كنا في أهلنا مشفقين، مشفقين. المسلم خائف في الدنيا يتحرز قدر الإمكان عما يجلب عليه سخط الله، لكن في الآخرة يجازيه ربنا عز وجل عنها بهذا الخوف الذي عاشوا في الدنيا بأمن وآمان. ولهذا صح عن نبينا عليه الصلاة والسلام في الحديث القدسي قال الله: «وعزتي لا أجمع لعبدي أمنين وخوفين»، لا أجمع لعبدي أمنين وخوفين، فمن أخاف فمن خافني في الدنيا أمنته يوم القيامة، ومن أمنني في الدنيا أخفته يوم القيامة. فمن عاش في هذه الدنيا وهو خائف من الله عز وجل يراقب ربه في أقواله وأفعاله، لربما حرم نفسه من كثير من الملذات والشهوات، فالله عز وجل سوف يعوضه. لكن بخلاف الكافر الذي في هذه الدنيا كالدابة يأكل ويسرح ويمرح ويلعب بما شاء من الملذات وما شاء من المحرمات، لكن في القيامة تنعكس هذه الحال. قال: «إنه كان في أهله في عشيرته في الدنيا مسرورا بطرا لاتباعه لهواه»، إنه ظن... ظن تأتي في اللغة بمعنى اعتقد، تأتي بمعنى اعتقد وعلم. إنه ظن أن... مخفف من الثقيل واسمها محذوف، أي أنه، أي بمعنى إنه ظن أنه لن يحور، لن يحور. قال: يرجع إلى ربه، أي أن هذا الكافر كان من اعتقاداته أنه يعتقد أنه إذا مات انتهى، وفات، ما هناك بعث، ما هناك نشور، ما هناك قيامة، ما هناك حساب. إنه ظن أن لن يحور، أن لن يعود ويرجع، لأن الحور بمعنى الرجوع، منه الحديث الصحيح «وأعوذ بك من الحور بعد الكور»، الحور الرجوع، الرجوع. فهذا الكافر هذا الظن أدى إلى هذا المؤدى إلى التمتع بالحرام في الدنيا وأن ينسى ربه عز وجل. قال: «بلى»، قال: يرجع إليه، إن ربه كان به بصيرًا عالما برجوعه إليه. هذا في ظن العبد، لكن الله عز وجل قد أعد له هذه العدة من الحساب والجزاء بما قدم وأخر. قال: «فلا أقسم بالشفق»، قال: فلا، لا زائدة. مر معنى قريبا أن هذا الأسلوب القرآن يأتي كثيرا في القرآن «لا أقسم»، وقلنا حينها أن هذا الأسلوب يحمل على أحد معاني ثلاثة عند المفسرين. المعنى الأول «لا أقسم» على ظاهرها، لا أقسم، لماذا لا أقسم؟ لأن الأمر واضح. هذا القول. القول الثاني أن النفي هنا لا إنما تسلطت على أمر محذوف يقدر بما يناسب، «فلا أقسم» أي لا، ليس الأمر كما تظنون أقسم بالشفق. فلما كان مثلا في هذه الآية فيما يتعلق بإنكار البعث، إذن معنى الآية «لا أقسم بالشفق» أي لا، لا الأمر كما تقولون بأنه لا بعث أقسم بالشفق، أقسم بالشفق. وهكذا فيرون أن هذا الأسلوب القرآني لا تسلط على جملة محذوفة تقدر بما يناسب. هذا الأمر الثاني. الأمر الثالث، وهذا الذي عليه أكثر العلماء، وهو الذي يذكره لنا المؤلف في مثل هذه المواطن، أن معنى «لا أقسم» أن لا هنا ليست على بابها، لا ليست نافية هنا، لا يعبر عنها العلماء بأنها لا زائدة، لا زائدة. فمعنى «لا أقسم» بمعنى أقسم، لا أقسم بهذا البلد بمعنى أقسم بهذا البلد، لا أقسم بالنفس اللوامة بمعنى أقسم بالنفس اللوامة. كهذه الآية «لا أقسم بالشفق» بمعنى أقسم بالشفق، يعبر عنها العلماء بأن لا هنا لا زائدة، بمعنى أن زائدة هنا توكيد، وفائدة وجود اللام هنا توكيد هذا المعنى البلاغي. قال: «فلا أقسم بالشفق»، قال: هو الحمر في الأفق بعد غروب الشمس، هذا هو الشفق. ونحن في منطقة ساحلية إذا رأيت غروب الشمس إذا غربت غاب قرصها، فإنك ترى على سطح البحر مثلا في بلادنا تجد الحمر، هذا هو الشفق. وهذا الذي عليه أكثر العلماء عند تفسير هذه الآيات، ثبت هذا عن ابن عباس، عن ابن عمر، عن أبي هريرة، وعن عباد بن الصامت، وعن كثير من التابعين في تفسير الشفق بهذا المعنى. بل كذلك هو تفسير أهل اللغة كما ذكر ذلك الإمام الخليل بن أحمد الفراهيدي، وهكذا الإمام الجوهري، وجماعة على أن الشفق ها هنا هي الحمر التي تكون في الأفق بعد غروب الشمس، هذه المرحلة أقسم بها الرب أقسم بها الرب سبحانه وتعالى. قال: «فلا أقسم بالشفق». نعم، نقل عن مجاهد أنه فسر الشفق ها هنا بأنه النهار كله، لكن هذا القول كما قال ابن القيم ضعيف جدا، ضعيف جدا. فنبقى على ما ذهب إليه المؤلف. قال: الشفق الحمر في الأفق بعد غروب الشمس. قال: «والليل وما وسق»، وهذا الأمر الثاني الذي أقسم به الرب عز وجل، الليل. قال: «والليل وما وسق» جمع ما دخل فيه من الدواب وغيرها، أيضا أيضا أقسم ربنا عز وجل بالليل، ومن صفة هذا الليل أنه وسق، وسق بمعنى دخل وانضم واجتمع. فقال: «والليل وما وسق» جمع ما دخل فيه. ما المقصود جمع ما دخل فيه؟ قال العلماء أن الليل فيه تأوي إليه الكائنات والدواب والبهائم، حتى الإنس والجان كلهم يأوي إلى محله ومنزله إذا دخل الليل. وإذ كان الليل جمعهم، الناس انتشروا في النهار، الدواب والطيور والهوام والسباع وكل مخلوق على وجه الأرض يدب في النهار، فإذا دخل عليه الليل الكل يأوي. وإذ كان الليل يجمع، يجمع هلموا هلموا، ارجعوا إلى بيوتكم. فالليل بما كان فيه من التجميع هذه الصفة أقسم بها الرب عز وجل. قال: «والليل وما وسق»، قال: جمع ما دخل عليه من الدواب وغيرها. قال: «والقمر إذا اتسق»، قال: اجتمع وتم نوره، وذلك في الليالي البيض. القسم الثالث الذي أقسم به الرب عز وجل أنه أقسم بالقمر، لكن بهذه المرحلة وهو إذا اتسق. والاتساق يأتي في اللغة العربية بمعنى الامتلاء، ويأتي بمعنى الاستواء، ويأتي بمعنى الاستدارة. ولهذا من تتبع أقوال المفسرين عند هذه الآية في قول ربنا عز وجل «والقمر إذا اتسق»، أي «والقمر إذا استوى»، «والقمر إذا استدار»، «والقمر إذا اكتمل»، تقول وتعود كلهم على هذه المعاني فهي متقاربة. ولهذا قال المؤلف هنا قال: «والقمر إذا اتسق اجتمع وتم نوره»، قال: وذلك في الليالي البيض. وهذا الضوء وهذه الفترة يكون القمر على البدر، ويكون ضوءه ساطع ينير الأرض في جنح الظلام، هذه المرحلة كذلك أقسم بها الرب عز وجل. قال: «لتركبن أيها الناس»، لا «تركبن» هي عبارة عما يسمى في أسلوب القسم بالمقسم عليه. ربنا أقسم بالأمر الأول، أقسم بالأمر الثاني، أقسم بالأمر الثالث، أقسم على ماذا جل في علا؟ أقسم على ماذا؟ أقسم على هذا الشيء الذي أقسم عليه الرب. قال: «لتركبن طبقا عن طبق»، قال رحمه الله تعالى: «لتركبن أيها الناس»، قال: أصله «تركبونا»، أصلها «تركبونا» فعل مضارع مع التوكيد. قال: حذفت نون الرفع لتوالي الأمثال، توالي الأمثال أي توالي النونات، والواو لالتقاء الساكنين «طبقا عن طبق»، حالا بعد حال. هذا معنى تفسير قول الله عز وجل «لتركبن أيها الناس طبقا عن طبق»، حالا بعد حال. أثر هذا كذلك في البخاري عن ابن عباس «طبقا عن طبق» أي حالا بعد حال. قال: وهو الموت ثم الحياة وما بعدها من أحوال القيامة. أقسم ربنا عز وجل بأن الإنسان سينتقل من حال إلى حال، من حال إلى حال. واختلف العلماء من موصود بهذه الأحوال التي سيتقلب فيها الإنسان. المؤلف رحمه الله تعالى أشار إلى مرحلة تقلب الإنسان من الدنيا إلى الآخرة، فقال: وهو الموت ثم الحياة ثم أهوال القيامة ثم الخلود إما إلى جنة وإما إلى نار، هذه أحوال ما من أحد إلا وسيتقلب فيها هذا قول. وإلا من أهل العلم من يرى أن هذه الآية «لتركبن يا أيها الناس طبقا عن طبق» أي أن أحوالكم ستتغير، وهذا التغير في الحقيقة هو شامل شامل في الزمان والمكان والقلوب والأحوال. على القول الصحيح أن هذا الشيء الذي أقسم عليه الرب هو الكائن في حقنا في كل شؤون حياتنا. مثاله التغير سيكون ماذا؟ في أحوال نشأتنا، فنحن بالأمس كنا نطفة ثم مضغة ثم علقة ثم جنين أجنة، ثم بعد ذلك طفلا في المهد ثم صبيا ثم شابا فتيا ثم رجلا قويا ثم كهلا ثم شيخوخة، هذه مراحل. هل أحد منا سيخرج عن هذه المراحل؟ لا والله، من دامت له الحياة سيمر سيمر ولابد على هذه المراحل «لتركبنا طبقا عن طبق» حال من بعد حال. هذا قول، هذا يدخل في ذلكم كذلكم ما يكون من الأمور من القلوب من الزمان والمكان كذلكم الأحوال. أدخلها العلماء في هذه الآية. فأنت يا عبد الله اليوم غني غدا فقير، اليوم فقير غدا غني، اليوم في تعاسة غدا في سعادة، اليوم في صحة غدا في مرض، وبعد غد في صحة وبعده في مرض، تتقلبك الأيام. كلنا لا يعيش على حالة واحدة، هذه المراحل. هذه المراحل أقسم عليها الرب، هي كائنة لكل واحد منا «لتركبن يا أيها الناس لتركبن طبقا عن طبق». وهذا كما قلنا على القول الصحيح أن هذا التغير كائن فينا في كل شؤون حياتنا، في كل شؤون حياتنا. هذا كما قلنا القول الأول. هذا إذا قلنا على هذه القراءة «لتركبن». ومن باب الفائدة وأختم به المجلس، هذه الآية جاءت في قراءة أخرى على صيغة المخاطب «لتركبن»، «لتركبن» هنا تغير الضمير. الأولى «لتركبن» لنا أيها الناس، لكن «لتركبن» هنا الخطاب عاد إلى شخص أو إلى شيء، ما هو هذا الشيء المعني والذي أقسم عليه الرب بأنه سيركب طبقا عن طبق؟ على قولين اثنين. قيل أن الخطاب للسماء «لتركبن أيها السماء طبقا عن طبق»، أي بما سيكون عليك من تغير يوم القيامة، ستكون كالمهل وتكون كالدهن تتشقق وتكون كذلك انفطار وانشقاق وما سيكون فيها من تشقق السماء بالغمام، وما يكون كالدخان وتكون حمراء وتكون صفراء، هذه تغيرات عظيمة ستحدث في السماء، هذه أقسم عليها الرب «لتركبن أيها السماء»، هذا قول. القول الآخر أن الخطاب لنبينا لنبينا عليه الصلاة والسلام، بمعنى «لتركبن يا محمد طبقا عن طبق». وعلى هذا القول يكون معنى الآية على قولين اثنين فيما سيحدث لرسول الله من التغيرات. إما أن المقصود «لتركبن يا محمد» الأمر بعد الأمر، أي من الشدائد. وهذا إيذان وإعلام لرسول الله بما سيكون في حاله ودعوته، ستأتيك الأهوال والمشاق والشدائد والمتاعب في دعوتك لن تهدأ، أقسم الرب على هذه الحال بفوطن نفسك، هذا قول. والقول الثاني «لتركبن يا محمد سماء بعد سماء»، وهذا خاص في رحلة ماذا؟ المعراج. في رحلة المعراج أن الله وعد أن هذا سيكون ستنتقل من سماء إلى سماء إلى سماء كما جاء حتى وصل إلى سدرة المنتهى. فشاهد إخواني في الله أن هذه الآية على القول على الرواية الصحيحة الكثيرة «لتركبن» الخطاب لعامة الناس «لتركبن طبقا عن طبق» أي حال من بعد حال. وقلنا على قول الصحيح أن هذه الأحوال هي عامة في شؤون حياتنا في الزمان وفي المكان وفي القلوب وفي الأحوال وفي كل أمورنا. وكما قيل «دوام الحال من المحال»، لن يثبت أحد منا على حالة واحدة. هذه التغيرات من الأمر من أهمية بمكان حتى أن الله أقسم على ذلك. «فلا أقسم بالشفق والقمر إذا اتسق والليل إذا وسق والقمر إذا اتسق لتركبن طبقا عن طبق». أكتب بهذا القول، وفي غد إن شاء الله نواصل الكلام على تتمة الآيات والله تعالى أعلم. وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.