الدرس في ظاهرة الحر مسائل وأحكام وعبر 1، أهمية الحديث عن ظاهرة الحر ( 5 وقفات ). ألقاها الشيخ أبو هاشم جمال بن سرور
يبدأ الشيخ درسه بالثناء على الله ويعلن عن نية تناول أحكام ومسائل الصيف والحر، ويشرح أسباب اختياره لهذا الموضوع مستندًا إلى فقه المناسبات والتأمل في الأحداث الجارية.
يُناقش أهمية استخلاص العبر من التغيرات المناخية ويُشدد على ضرورة تأقلم المسلم مع الظروف الصعبة مثل الحر الشديد، ويُظهر كيف يمكن للمسلم أن يجعل من هذه الظروف مصدرًا للخير والمنفعة.
يتناول عظمة الشريعة الإسلامية في تنظيم علاقات البشر وتأقلمهم مع الظروف المناخية المختلفة، ويبين أن الإسلام جاء بأحكام متعلقة بكل ظاهرة مناخية مما يدل على شمولية هذا الدين.
إن الحمد لله، نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليما كثيرا. أما بعد، استئنافًا إخواني في الله لدروسنا التي تعقد بعد الصلوات، أحب أن أشير بأننا في هذه الأيام، وفي خلال هذا الأسبوع، سنتحدث في دروس علمية متعلقة بأحكام الصيف والحر، والسبب في اختيار هذا الموضوع يعود إلى عدة أمور، الأمر الأول: حديثنا عن الحر وعن أحكام الصيف، أنه من باب ما يعبر عنه العلماء بفقه المناسبات، وفقه المناسبات هو أن المتكلم إذا تكلم يتحدث بما يجري حوله، فينظر إلى المناسبة القائمة، سواء كانت المناسبة حالية أو تعبدية أو شيء من المواسم أو شيء من التغيرات الحاصلة. ولا يخفى على أحد منكم، إخواني في الله، ما نجده في مثل هذه الأيام من ارتفاع في درجات الحرارة ارتفاعا شديدا، لاحظ ذلك القاصي والداني، وليس هذا الارتفاع، وإن كنا قد اعتدنا في بلادنا على ارتفاع درجات الحرارة، إلا أن هذا الموسم ليس الارتفاع على مستوى محلي، بل جاءت الأخبار والأنباء من جهات فلكية ومن مجتمعات دولية في التحذير من ظاهرة ارتفاع درجات الحرارة على مستوى العالم، ومنهم من ظهر أو أظهر اسم النينيو، ظاهرة النينيو، وهي ظاهرة فلكية تعم العالم كله بارتفاع شديد في درجات الحرارة، حتى وجدنا أن في بعض الدول الغربية من أخذ يقرع ويضرب بنواقيس الخطر، إذ أن الحرارة عندهم قد وصلت إلى أرقام قياسية. فإذا كان الأمر هكذا، فإن من المناسب أن أتحدث، إخواني في الله، عن أحكام الحر. السبب الثاني، والذي من خلاله نختار هذا الموضوع، أن المسلم، بل من صفات المؤمنين النجباء، ومن صفات المسلمين العقلاء، أنهم يتدبروا ويتأملوا بما يجري حولهم في الأرجاء، هذا هو حال المسلم. وكم هي الآيات التي يأمر الله عز وجل عباده بضرورة النظر والتأمل فيما يجري حوله، «أفلا ينظرون إلى الإبل كيف خلقت، وإلى السماء كيف رفعت، وإلى الجبال كيف نصبت، وإلى الأرض كيف سطحت، وفي أنفسكم أفلا تبصرون». فالشاهد أن الشرع يأمرنا ويحثنا على ضرورة التأمل بما يجري حولنا، ومن أعظم ما ينبغي أن نشد له الانتباه ما يكون جاريا في الأكوان، ما يجري في الأكوان، كما قال سبحانه: ﴿إن في خلق السماوات والأرض واختلاف الليل والنهار لآيات لأولي الألباب﴾، ما يجري من اختلاف الليل والنهار، ودخول الفصول، وتغير مجريات الأمور في الفلك والنجوم والكواكب، هذه آيات جعلها الله لمن؟ لأولي الألباب، لذوي العقول. وما نحن فيه من هذه التغيرات المناخية مما تستدعي منا أن نتأمل فيها جيدا لنستخلص منها العبرة والعظات والمسائل والفوائد والنقاط، فمن خلال هذه الدروس العلمية، يا عبد الله، ستستفيد شيئا من هذه العبر التي جعلها الله عز وجل في مثل هذه الظاهرة. ثالثا، مما سنستفيده، ولأجله تطرقنا إلى التباحث حول أحكام الصيف والحر، هو التنبيه على ما ينبغي للمسلم أن يتنبه له، لأن الناس لجهلهم لمثل هذا الباب، جرهم ذلك إلى أن يفوتوا على أنفسهم الكثير من الطاعات، ومن العبادات التي يستطيعون أن يؤدوها، أو الأخذ بالرخص التي جاءت بها الشريعة، أو كذلك التفادي لبعض الأخطاء والزلات والهنات التي يقع فيها كثير من الناس في مثل هذه الأزمان والأوقات. فتجد أن من الناس من يطلق لنفسه العنان بأن يقول ما شاء، وأن يفعل ما شاء، بحجة أنه يعبر عما في نفسه، لا، يا عبد الله، بل هناك أحكام شرعية يجب على المسلم أن يتعرف عليها، وأن يتأمل فيها، وخاصة في مثل هذه الأوقات، في أوقات الحر. رابعا، مما أذكره من فوائد طرح هذا الموضوع في مثل هذه الأوقات، أن من خلاله المسلم يستطيع أن يتأقلم، بحيث يجعل هذه الظاهرة تعود عليه، مع ما فيها من الضيق، وما فيها من الشدة، وما فيها من النكبة، وما فيها من الكربة، ومع ذلك يمكن للمسلم أن يجعل هذا كله يعود عليه بمنفعة، يعود بالخيرية والبركة، وهذا ما يعبر عنه بالتأقلم مع الظروف، وهذه الظاهرة لا يؤتاها إلا المسلم فقط، يكاد هو المخلوق البشري الوحيد الذي يتأقلم مع الظروف. تأمل في قوله عليه الصلاة والسلام حين قال: «عجبا لأمر المؤمن، إن أمره كله له خير، هذا أمر مستغرب، مستعجب في حق من؟ في حق المسلم، إذ أن كل أموره تعود عليه بالخيرية»، ثم فصل نبينا عليه الصلاة والسلام فقال: «إن أصابته سراء شكر، فكان خيرا له، وإن أصابته ضراء صبر، فكان خيرا له»، ثم قال نبينا صلى الله عليه وسلم: «وليس ذلك لأحد إلا للمؤمن فقط». الإسلام ولد لنا هذا الكيان الإنساني المسلم، من طبيعته يتأقلم، اطرحه في أي مكان، اجعله في ليل، اجعله في نهار، اجعله في برد، اجعله في حر، اجعله في سراء، اجعله في ضراء، اجعله في سلم، اجعله في حرب، اجعله في يسر، اجعله في عسر، استجد أن أموره تعود إلى الله بالخيرية، ما يخرج منه إلا خير، هذا هو المسلم يتأقلم مع الظروف. فأنت من خلال هذه الدروس، يا عبد الله، ستعلم كيف تستفيد من هذه الموجة، بما موجة الحر، بما يعود عليك بالخير والمنفعة والبركة، وليس هذا لأحد إلا للمسلم، إلا للمؤمن، بخلاف الكافر، مثلا الكافر، كما جاءت الأخبار عنهم، إذا حين أن بلغت الحرارة إلى الدرجات القصوى، ما الذي فعله؟ منه من هرب، أخذ ثيابه وسافر وترك بلده، ما استطاع أن يتحمل، ترك، ومنه من جلس، لو، ربما تعطل، لا يتحرك يمنة ولا يسرة، تعطل في مكانه، فلا فعل شيئا، لا من المصالح الشخصية، ولا المنفعية، ومنه لو ربما ارتم مريضا طريحا على الفراش بلا حراك، وأقبث أعظم من لقي حتفه، ما عندهم قدر على التحمل، منهم من مات، قد جاءت الأخبار عن عدد الوفيات في بعض المناطق أنهم توفوا بسبب الحرارة الشديدة. هذا في حق الكافر، لكن تعال، ابتلينا بما ابتليوا به، بل أشد حرارة منهم، ومع ذلك تجد الناس، ولله الحمد، يتأقلمون، المسلم يتأقلم مع الظروف، ولا يوجد هذا إلا للمسلم، فمن خلال هذه الدروس العلمية، يا عبد الله، ستعرف كيف تتأقلم مع هذه الظاهرة. خامسا، وأخيرا، من خلال هذه الدروس في معرفة أحكام الحر، سيتجلى لنا عظم هذه الشريعة الإسلامية، شريعة عظيمة، قوية، متينة، راسخة، ثابتة، شريعة هي السائدة، وهي الحاكمة، وهي النافذة، وهي القاضية على كل ما سواها، هذه الشريعة التي من ميزتها أنها حوت كل خير، ونظمت علاقات البشر. وانظر إلى هذه العلاقة وتنظيمها، جاءت الشريعة الإسلامية ليس فقط في تنظيم علاقتنا مع ربنا، ولا فقط في علاقتنا مع غيرنا، بل حتى أن هذه الشريعة جاءت في تنظيم علاقة المسلم مع المناخ، مع التغيرات المناخية، كلما تغير المناخ، جاءت أحكام متعلقة بك، يا عبد الله، تناسب هذا الطقس، مثاله أحكام الأمطار، إذا هطلت الأمطار ونزل الغيث، جاءت هنا أحكام المطر، تتعامل مع هذا المطر وفق الشريعة. وإذا جاءت كذلك ما يتعلق بأيام الرياح والأعاصير، تأتين جملة من الآيات والأحاديث التي تنظم علاقتنا مع هذه الظاهرة، الرياح والأعاصير، وقد وقع ذلك معنا، وكم أقيم الدروس خاصة في تعامل المسلم في فترة الرياح والأعاصير، وإذا جاءت ظاهرة الكسوف والخسوف، كذلك يأتي الإسلام ويبين ما الذي نفعله من الناحية الاجتماعية، ومن الناحية التعبدية، بل ومن الناحية الاعتقادية مع هذه الظاهرة، فتعاملنا على وفق الشريعة الإسلامية. وهكذا أحكام الشتاء، وقد مضى ذلك معنا، وتحدثنا عن أحكام الشتاء، وكيف أن الشريعة قد جاءت لنا بأحكام كثيرة في أن المسلم يقوم بأعمال وأقوال وأحوال تناسب فصل الشتاء، مع تعامله مع شدة البرودة، وها نحن الآن مع الحر، تغير هذا المناخ إلى هذه الحرارة المرتفعة، وتجد أن الشريعة تطل علينا بأحكام، ستسمع، يا عبد الله، الأحكام والآيات والأحاديث التي تدلك على كيفية التعامل مع هذه الظاهرة. هذا على ماذا يدل؟ يدل على عظيم هذه الشريعة في كيفية أن نحتوى كل العلاقة، ناهيك عن علاقة المسلم حتى مع الحيوان، حتى مع الحيوانات، جاء الإسلام بتنظيم العلاقة معه، وليس نحن بصدد هذا، لكن حسبي أني أبين أن مما سنستفيده من خلال هذه الدروس العلمية في أحكام الحر، أن نبين عظمة هذه الشريعة، فلا يزيد أحد على هذا الدين، فما هناك أحد يدانيه، ولا يوازيه، ولا يساويه. فإن شاء الله، إخواني في الله، في خلال هذه الأيام، في درسي الظهر والعصر، سنتناول أهم أحكام ومسائل الصيف والحر، أسأل المولى جل وعلا أن ينفعنا بما قلنا، إنه ولي ذلك والقادر عليه، وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.