الدرس في ظاهرة الحر مسائل وأحكام وعبر 2، الحر بتقدير الله عز وجل . مصالح الحر لعباد الله . ألقاها الشيخ أبو هاشم جمال بن سرور
يبدأ الدرس بالتأكيد على أهمية الإيمان بأن جميع الظواهر الكونية تحدث بتقدير الله، مستشهدًا بآيات القرآن وأحاديث النبي صلى الله عليه وسلم. يُبرز أن الشمس، مصدر الحرارة، مخلوقة لله وتتحرك بتقديره.
يروي الدرس قصة يوشع عليه السلام عندما دعا الله ليوقف الشمس، ويستخلص منها درسين: أن الأحداث بتقدير الله، وأن أفعال الله تقوم على حكمة. يُظهر أهمية الإيمان بتقدير الله في جميع الأحداث.
يذكر أن الحرارة وحركة الشمس لها فوائد كثيرة مثل نضوج الفواكه وتنظيم حرارة الجسد وتكوين الأمطار. كما أن تغيير الفصول له مصالح وحكم جعلها الله تعالى، مما يظهر حكمة الله في خلقه.
ينصح المتحدث بعدم التندم على قضاء الله ويشير إلى أن الحرارة ودنو الشمس لهما مصالح قد نجهلها. يستنتج فائدتين من الدرس ويعد باستكمال الفوائد في الدرس القادم، مما يعزز الإيمان بحكمة الله.
إن الحمد لله، نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا. أما بعد، في درس الظهر، إخواني في الله، كان الإشارة إلى ما نحن بصدده في هذه الأيام من طرح هذه السلسلة العلمية التربوية التوعوية حول ظاهرة الحر واشتداده ومسائل الصيف، وكذا معنى الوقفات الخمس التي أشرنا فيها إلى أهمية هذا المبحث، وها نحن في هذا الدرس الثاني نشرع وإياكم في بيان أهم المسائل والأحكام المستفادة من هذه الظاهرة. ومن أول ما أذكره إخواني في الله أن نعلم أن هذه الظاهرة وهذه الموجة من ارتفاع درجة الحرارة ينبغي على كل مسلم ومسلمة أن يعتقد أن هذا إنما يقع بتدبير الله وبتقديره، فلا يقع شيء في الكون إلا بإذنه، تحت قهره وسلطانه، فهو المسخر جل في علاه للسماء والأرض وما يقع فيها من أشياء، وحرارة الجو إنما هي تنبعث من الشمس، وهذا الجرم السماوي الضخم الناري إنما هو خلق من خلق الله، لا يتحرك إلا بأمر من الله، كما قال ربنا جل في علاه: ﴿والشمس تجري لمستقر لها ذلك تقدير العزيز العليم﴾. فالشمس تجري، تسير، تسبح في هذا الملكوت الفاسح، لكن تجري لمستقر لها، أي لموقتها ومقامها والأماكن التي تستقر فيها، بماذا؟ بتقدير، بتقدير من الله العزيز العليم جل في علاه، لحكمة سبحانه وتعالى يصرفها هنا ويصرفها هنا، ومن ذلكم تنبعث الحرارة المنخفضة والشديدة والعالية والمرتفعة. فينبغي أن يبقى في الأذهان أن ما نرى من تغير هذه الدرجات من الحرارة القصوى إنما هو بتقدير الله جل في علاه. وقد جاء في الصحيح من حديث أبي ذر الغفاري رضي الله تعالى عنه أنهم كانوا في مجلس مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، فإذا بالشمس على وشك الغروب، فقال نبينا صلى الله عليه وسلم وقد أشار إليها: «هل تدرون أين تذهب هذه؟ هل تدرون أين تذهب هذه؟» قلنا: الله ورسوله أعلم، قال: «إنها تذهب لمستقرها، فتخر تحت عرش الرحمن، تذهب لمستقرها، فتخر تحت عرش الرحمن، فلا تزال ساجدة حتى يأذن لها ربها بالطلوع». سبحان الله، هذا الجرم الضخم والذي يعتبر من أعظم الأجرام في الأكوان، وكم تحدث العلماء من علماء الفلك عن ضخامة وعن تلكم النار المتوهجة والمنبعثة من خلاله، كل هذه الضخامة والمهابة لهذا المخلوق ما هو عند الله عز وجل إلا مخلوق مربوب يخر لله عز وجل ساجدًا، لا يملك لنفسه نفعًا ولا ضرًا، ومع ذلك تجد من الناس من يعتقد فيه الألوهية والربوبية ويعتقد فيه النفع والضر. وجاء في الصحيحين أيضًا أن النبي صلى الله عليه وسلم حدث يومًا عن يوشع بن نون عليه السلام، وهو الذي تولى قيادة بني إسرائيل من بعد موسى، فخرج في قتال مع الكفار مع الكنعانيين والذين كانوا على بيت المقدس، وكانوا أشداء أقوياء وصفوا بأنهم عمالقة، فخرج إليهم يوشع عليه السلام بجيشه من بني إسرائيل. فلما تلاقوا وبدأوا بالقتال كانت الشمس تغرب، وغروبها ليوم الجمعة، ومن شريعة بني إسرائيل وفي شريعة التوراة إذا غربت الشمس من يوم الجمعة فحينها يدخل عليهم أي على بني إسرائيل مقام العبادة والتعبد، فيقفون عن الأعمال ويقفون عن القتال ويتوجهون إلى الله بالعبادة فقط، فلا يزالون في انقطاع وتبتل حتى غروب يوم السبت. فواجه يوشع عليه السلام هذه المعضلة، ماذا سيفعل؟ إذا غربت الشمس من هذا اليوم سيقفون عن القتال، وستكون فرصة سانحة للكفار أن يعيدوا الكر عليهم فيبيدوهم عن بكرة أبيهم، حينها توجه يوشع عليه السلام بالدعاء إلى الله وخاطب الشمس وقال: «يا أيتها الشمس إنك مأمورة وأنا مأمور، اللهم حبسها علينا»، قال عليه الصلاة والسلام: «فحبست». على أقوال الثلاثة، قيل: أنها وقفت في مكانها حتى انتهوا من القتال وانتصروا على الكفار، وقيل: حبست أنها رجعت إلى الوراء، أي رجعت إلى الماضي، وقيل: حبست، وهو الأظهر أنها سارت لكنها ببطء، ببطء حتى جعلت لهم فرصة ووقت كافي لكي يهزموا الكفار. الشاهد من هذه القصة العجيبة أن تعلم ما قاله يوشع عليه السلام للشمس: «إنك مأمورة»، أنت مأمورة، من الذي يأمرها؟ من الذي يأمرها؟ هو الله عز وجل، فشاهد من هذه المسألة إخواني في الله أن نعلم أن الشمس هو السبب الأول في ارتفاع درجات الحرارة، إنما هو يتحرك بأمر من الله عز وجل، ليس بإرادته وليس بقوته وليس كذلك لأمر من عند نفسه، بل الله عز وجل يحركه كيف شاء. فترى يا عبد الله مثل هذه الحرارة، إذن هذه التغيرات التي نواجهها في أيام الصيف أو مع شدة ارتفاع درجات الحرارة إنما هو بتقدير الله، وهذا تتفرع منه مسائل، لكن حسب مسألة واحدة وهي: إذا علمنا هذا حق العلم واعتقدناه حق الاعتقاد، حينها لا يتأتى لنا أن نتوجه لا إلى الشمس ولا إلى الحر بالسب والشتم واللعن، لا، ما يجوز هذا، لماذا؟ لأن مخلوقات الله عز وجل هما فعلوا شيئًا من ذات أنفسهم، الله هو الذي أمرهم بذلك، فما يجوز أبدًا أن تتوجه إلى الشمس أو إلى الحر بالسب واللعن، كحال من يتضجر من شدة الحرارة، هذا لا يجوز. وقد جاء في الحديث قال عليه الصلاة والسلام: «قال الله: لا تسب الدهر، فأنا الدهر»، فالله عز وجل أمر بعدم سب الزمان والأوقات والأحوال لأنه هو الذي يحركها ويصرفها جل فعله، لكن لا بأس بالوصف، كونك تصف هذا الجو بأن الجو حار، بأن الجو شديد الحرارة اليوم، نار، هذا ما فيه شيء، هذا ليس بسب وإنما هذا وصف. وإنما نتكلم عن السب الذي فيه عيب وفيه التنقص وفيه كذلك طعن، لأن الطعن في هذا الموسم هو طعن في الله جل فعلًا، إذن هذه الفائدة الأولى التي نستفيدها من مسائل ارتفاع درجات الحرارة أن نعلم أنها من تقدير الله سبحانه وتعالى، وذلك لأمر أراده الله. الفائدة الثانية أن نعلم أن أفعال الله عز وجل تقوم على حكمة، ليس في أفعال الله عبث أو في أفعال الله عشوائية أو أن أفعال الله تفعل هكذا سبهلل، حاشا وكلا، فربنا عز وجل فعال لما يريد جل فعلًا، لكن فعله يكون لحكمة، وحكمته يعلمها من قد يعلمها ويجهلها الكثير من خلق الله. فلهذا يذكر العلماء أن هذه الحرارة وما يكون من دخول موسم الصيف هو في الحقيقة فيه فوائد، صحيح قد يجد الناس من وراء هذه الموجة من بعض الأضرار والشدة والضيق، لكنها بالمقابل فيها منافع، فيها منافع يجدها الناس في معايشهم يحتاج إليها الناس في استكمال مصالحهم. مثلا من ذلكم ما يذكره العلماء من علماء الفلك والهيئة من أن الناس بحاجة إلى الشمس وإلى الحر في مسألة نضوج بعض الفواكه والخضار والتي قد درج عليها الناس بتسميتها فواكه صيفية، ما تأتي إلا في الصيف، لماذا؟ لأنها بحاجة إلى الحر، بحاجة حتى تنبت حتى تكمل حتى تنضج. ولا زالت الدنيا على هذا، فإيقاف الخضار إنما تقف على درجات حرارية معينة فتنمو وتكبر ويحصد زرعها وثمارها، كذلك ما يكون فائدة إلى الجسد من مسألة إزالة العرق، صحيح العرق فيه ما فيه من الضيق، لكن بالمقابل فيه منفعة للجسد، إذ لو لم يكن من فوائد العرق إلا إخراج الفضلات وهذه السوائل الزائدة من جسمك على شكل الرشح على شكل إفرازات عرقية، هذه عبارة عن فضلات ورواسب تخرج من جسدك، يخرجها الله عن طريق العرق، والذي ما خرج منك إلا عن طريق الحر. وكذلك قال علماء في هذا العرق مسألة وهي إزالة الأتربة والترسبات التي تغطي البشرة والتي تكدست بطبقة منها وأنت لا تشعر بها، فتأتي هذه المسامات بالانفتاح بخروج العرق من هذه المسامات، وهكذا قل يا عبد الله إخراج البكتيريا، قد ذكر العلماء الطب هذه الفائدة كذلك، تنظيم حرارة الجسد، فالإنسان قد يكون من داخل فيه حرارة فيحتاج إلى أن يبرد بإخراج العرق حتى تحصل برودة في جسده، هذه أشياء أنت لا تعلمها، هذه مصالح مصالح جعلها الله جعلها الله. وكذلك إنقاص الوزن، وهذا من أعظم الطرق، ومن كان من أهل الرياضة أو من يسمى بالرجيم يعلم هذا، أن الآن أصبحت من الثياب الخاصة بنقصان الوزن، ثياب خاصة تؤدي إلى كثرة التعرق، لماذا؟ لأن كثرة التعرق إذابة للشحوم الداخلة والساكنة في الجسد، وهذا يعين على إنقاص الوزن، بماذا؟ بالعرق الذي إنما أتى بالحر. فالحكم يا عبد الله كثيرة، هذا بعض الذي يذكر، وهي كثيرة وكثيرة جدًا، حتى ما يذكر العلماء من مسألة الأمطار وغير ذلك إنما تأتي بسبب الحر والشمس الذي تضرب البحار فيتبخر منها ما يتبخر إلى جو السماء فتكون منها الغيوم والسحب الذي منها تأتي الأمطار، وحكم حكم عظيمة. يقول علامة ابن القيم رحمه الله تعالى: «تأملوا أحوال هذه الشمس، تأملوا أحوال هذه الشمس في انخفاضها وارتفاعها لإقامة الفصول والأزمنة وما فيها من مصالح وحكم، تأملوا انخفاضها حين تكون شديدة الحر في الصيف، وهكذا في بعدها في ارتفاعها، هذه الأشياء الحركة الشمس ذهابًا وإيابًا صعودًا ونزولًا إنما تؤدي ماذا؟ لحكم، قال: لإقامة الأزمنة والفصول وما فيها من مصالح وحكم». ثم قال: «فلو كان صيفًا كله لفاتت مصالح الشتاء، ولو كان شتاءًا كله لفاتت مصالح الصيف، فلكل واحد مصالح، بعض الناس الآن إذا وجد الحر قالوا: أخي لو كان الجو كله بارد مثل ما نعيش في تلك البلدان الإسكندنافية أو في بلاد الإسكيمو، نعيش في القطب الجنوبي أو القطب الشمالي، جليد على جليد، نعم العيش ما قال لك هذا، نعم العيش كما يتمنوا أن تطل الشمس عليهم حتى تريحهم، أشياء كثيرة». فلا تتندمن يا عبد الله ولا تتدخلن في حكمة الله، الله أعلم كيف يسير مصالح العباد، فالشاهد إخواني في الله، الفائدة الثانية التي مستفادة من هذا أن نعلم أن ما يكون من الحرارة ومن دنو الشمس على الناس أن هذا إن تسبب في أشياء لكن لها مصالح علمها من علمها وجهلها من جهلها. وحسب بهذين الفائدتين، وإن شاء الله في درس غد نستكمل بقية الفوائد والمسائل، أسأل المولى جل وعلا أن ينفعنا بما قلنا، إنه ولي ذلك والقادر عليه، وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.