الدرس في ظاهرة الحر مسائل وأحكام وعبر 3، الحر والتذكير بحر جهنم . الحرارة والتذكير بأهوال القيامة . ألقاها الشيخ أبو هاشم جمال بن سرور
يشرح المقطع الأول العلاقة بين شدة الحر وعذاب جهنم مستندًا إلى أحاديث نبوية، حيث يشير إلى أن شدة الحر من فيح جهنم. يُستدل من ذلك على أهمية اعتبار المسلمين لمثل هذه الظواهر الطبيعية كتذكير بعذاب الله.
يشرح المقطع الثاني علاقة الحر الشديد بجهنم، حيث يعتبر الحر الشديد في الصيف نفسًا من أنفاس جهنم، ويشجع على الاستعاذة من النار عند الشعور بالحر الشديد.
يوم القيامة تكون الشمس قريبة جدًا من الناس، ويكون العرق على قدر الذنوب، لكن هناك ظلال يوم القيامة تكون للأعمال الصالحة، وقد ذكر النبي صلى الله عليه وسلم سبعة أنواع من الناس يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله.
المقطع الأخير يتضمن دعاءً بأن ينفع الله تعالى بما قيل، ويُتبع بالصلاة على النبي محمد وآله وصحبه، ويُظهر الختام الرغبة في نيل رضا الله والتوفيق.
إن الحمد لله، نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا. أما بعد، في دروس أمس، إخواني في الله، كان البيان على أن مثل هذه الأيام ستناول ما يتعلق بموجة الحر من مسائل وأحكام، وأشرنا إلى خمسة مواقف وفوائد لأجلها تم اختيار هذا الموضوع في مثل هذه الأزمان. ثم عرجنا إلى بعض ما يستفاد من موجة الحر، منها أن نعلم أن ذلك بتقدير الله جل في علاه، وأيضًا أن في ذلك إتمام لمصالح عباد الله. وأيضًا مما يذكر مما يعتبره المسلم من هذه الموجة من موجة الحر ما يكون من استذكاره لجهنم والعياذ بالله. فالإنسان إذا وجد مثل هذه الحرارة المرتفعة كانت ذلك تذكيرًا له بشيء من عذاب الله، وما جعله الله عز وجل في جهنم، هذه النار التي تلظى. وهكذا الإنسان ينبغي أن يعتبر في كل حياته فيما يجده أمامه، كحالك إذا مررت مثلًا على المخابز أو على الأماكن التي توقد فيها النيران، وتراها تضطرب وتشتعل أمامك، تذكر تذكر يا عبد الله نار جهنم والعياذ بالله. وهكذا بالمثل هذه الحرارة المرتفعة، بل جاءت الأدلة الدالة على الارتباط بين جهنم وبين حرارة الجو، فقد قال عليه الصلاة والسلام: «إن شدة الحر من فيح جهنم»، إن شدة الحر من فيح جهنم. هنا العلاقة، فجهنم تخرج شيء من حرارتها، وهذا أين نجده؟ نجده في هذه التغيرات المناخية، فيما يجده من الحرارة الشديدة التي تصل إلى الأرض. وأوضح من ذلكم وأصرح ما جاء في الصحيح أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «اشتكت النار إلى ربها، وقالت: يا رب، أكل بعضي بعضًا - أي لشدة النار وتعاظم النيران واللهب - أخذ بعضها يأكل بعضًا، فشكت إلى ربها: يا رب، أكل بعضي بعضًا. قال عليه الصلاة والسلام: فأذن الله لها بنفسين». والنفس هي النفخة التي تخرج من الجوف. فمن باب رفع الحمل عن جهنم الداخل، أعطاها الله نفس خارجي، كما يقال: تنسم عن نفسها. قال عليه الصلاة والسلام: «فأذن الله لها بنفسين: بنفس في الصيف، فهو أشد ما تجدونه من الحر، ونفس في الشتاء، فهو أشد ما تجدونه من الزمهرير». فهذا الحديث كذلك فيه دلالة وإشارة إلى علاقة الحر وارتفاعه بجهنم. قال عليه الصلاة والسلام: من الأنفاس التي جعلها الله لجهنم حتى تتنفس وتخرج عما في جوفها، أعطاها الله نفس في الصيف متى؟ إذا وجدنا شدة الحر، الحر الشديد هذا من نفس جهنم، والنفس الثاني ما يكون في فصل الشتاء، وهو ما نجده من الزمهرير والبرد القارس. وهذا أمر يشكل عند بعض الناس: ما يدري كيف الجمع جهنم وبرد؟ نعم، وهذا الذي ذهب إليه جماعة من أهل العلم إلى أن من عذابي وأصنافي وألوان العذاب في جهنم والعياذ بالله طبقة الزمهرير، وهو أن الله عز وجل يعذب من يعذب من الأشقياء بهذه البرود الشديدة المجمدة التي تتصلت على أجسادهم، فتتجمد منهم اللحوم، فتسقط عن العظام، نسأل الله سلامة والعافية. قد ذكر هذا جماعة من السلف، فيوجد من عذاب جهنم ما يكون من التعذيب بالبرود الشديدة، فكذلك ما يكون من البرد الشديد في فصل الشتاء هو نفس. فالشاهد من هذه الأحاديث إذن علمنا الربط بين هذه التغيرات المناخية معًا على علاقتها بجهنم، والمسلم يصدق بهذا، وهذا أمرًا وأسهل إذا كان المسلم يصدق بجهنم بذاتها بوجودها، فما يتعلق بآثارها يقبل، لا غضاض في هذا. ولا صعوبة في أنك تتقبل هذا إذا تقبلت بوجود جهنم، فمن آثارها ما أخبر عنه نبينا عليه الصلاة والسلام عن هذا النفس والذي نجده في الصيف وهو أشد ما نجده في الحر. ولهذا يا عبد الله هنا تأتي الفائدة أن الذي نعتبره من حرارة الجو أنك تستذكر جهنم في مثل هذه الأوقات والأزمان. ولك أن بعد الاستذكار أن تستعيد تقول: أعوذ بالله من حر النار، أعوذ بالله من جهنم، أعوذ بالله من تلظى، من لظى. تستعيد، وقد قال عليه الصلاة والسلام: «من استعاذ من النار ثلاثًا قالت النار: اللهم قه النار، اللهم قه النار». هذا فضيلة في حق من استعاذ من النار ثلاث مرات: أعوذ بالله من النار، أعوذ بالله من النار، أعوذ بالله من النار. قالت النار: اللهم قه النار، تدعو بأن الله يجنبك إياها، وهذا أفضل من أنك تسخر لسانك بالسب والشتم واللعن والتبرم. لا يا عبد الله، تعوذ بالله من النار، فلعل في ذلك ذكرى لك يا عبد الله وأنت تجد من حرارة الدنيا ما يذكرك بأهوال حرارة القيامة، نسأل الله السلامة والعافية. الفائدة الأخرى التي تستفاد من العبر التي يعتبرها أهل الإسلام من ارتفاع درجات الحرارة ما يكون فيه التذكير لنا أيضًا بذلك اليوم العصيب، يوم أن يقوم الناس لرب العالمين، حينها تنزل وتدنو الشمس فوق رؤوس العبيد، تكون الشمس فوق رؤوس الأنام مقدار ميل. واعلم يا عبد الله أن الذي عليه أهل الفضاء في ذكر المقاييس أن الشمس الآن تبعد عنا 93 مليون ميل، هذه المسافة الآن بيننا وبين الشمس، ومع ذلك أنظر ونحن نشتكي من حرها، بل ربما تعب وأنهكت هذه الحرارة الشديدة معناها أين؟ في جو السماء. فما ظنك بهذه الشمس العظيمة ببعدها الساحق أنها تنزل وتنزل وتنزل حتى تكون مقدار ميل واحد. أخبر عليه الصلاة والسلام أن الشمس إذا أصبحت فوق رؤوس العباد، حينها يبتل الناس بعرقهم، وكل عرقه على قدر ذنبه، فمن الناس من يأتيه العرق إلى وسطه، ومن الناس من يأتيه العرق إلى صدره، ومن الناس من يأتيه العرق إلى رأسه. طيب، بقي نحن في هذه الدنيا قد نهرب من هذه الشمس البعيدة إذا كنا تحت الظلال، لكن يبقى يوم القيامة هل هناك ظلال نستظل بها يوم القيامة؟ الجواب: نعم، هناك ظلال، والظلال في ذلكم اليوم إنما يكون بالأعمال، بالأعمال. قال عليه الصلاة والسلام: «سبعة يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله». ما هذه الفوائز والكرامات لهذه الفئات من الناس الذين استظلهم الله بظله يوم لا ظل إلا ظله؟ قال عليه الصلاة والسلام: «إمام عادل، وشاب نشأ في عبادة الله، ورجل قلبه معلق بالمساجد، ورجلان تحابا في الله اجتمع عليه وتفرقا عليه، ورجل دعته امرأة ذات منصب وجمال فقال: إني أخاف الله، ورجل تصدق بصدقة فأخفاها حتى لا تعلم شماله ما تنفق يمينه، ورجل ذكر الله خاليًا ففاضت عيناه». هؤلاء السبعة حماهم الله عز وجل من هذه الشمس حين أن تنزل، فاستضلهم الله عز وجل بذلكم الظل، لكن من أين جاء الظل؟ بالعمل. ولهذا يا عبد الله وأنت في هذه الدنيا وتحتمي من حرارة الشمس بالظلال من البيوت والمنازل والحيطان والجدران، اعلم أن شمس الآخرة ودنوء هذا الهول ما يكون إلا أن تستضل بعمل، فاستكثر من هذه الأعمال المذكورة في مثل هذه الأحاديث. هذا كذلكم مما ينبغي أن نعتبره في مثل هذه الأوقات والأزمان من ارتفاع درجات الحرارة. وبقي كذلك مسائل وعبر تترك إن شاء الله في درس قادم. أسأل المولى جل وعلا أن ينفعنا بما قلنا، إنه ولي ذلك والقادر عليه. وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.