الدرس في الخوارج النشأة والفكرة 3، الحوادث في آخر خلافة عثمان بن عفان رضي الله عنه . خلافة علي رضي الله عنه وبوادر ظهور الخوارج . ألقاها الشيخ أبو هاشم جمال بن سرور
بدأت الفتنة في أواخر خلافة عثمان بن عفان بسبب تحريض عبد الله بن سبأ وغيره من الرؤوس ضد عثمان، واستغلال ضعف عثمان في عدم الرد عليهم. أدى ذلك إلى حصار عثمان ومقتله في النهاية.
تم حصار عثمان بن عفان من قبل مجموعة كبيرة من الناس، وتم قتله نتيجة لذلك. كان عثمان يأمل في حل الأمور بالتفاهم والإقناع دون اللجوء إلى القتال ومنع الناس من حمايته.
بعد مقتل عثمان، آلت الخلافة إلى علي، ودارت معركة صفين بين علي ومعاوية بسبب مطالبة معاوية بتسليم قتلة عثمان. تم التحكيم بين الطرفين، وهناك رواية مكذوبة تذكر خديعة عمر بن العاص لأبي موسى الأشعري.
إن الحمد لله نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليما كثيرا. أما بعد، فنحن في الدرس الثالث من هذه السلسلة العلمية، ونحن في الدورة العلمية المكثفة القائمة في دار الحديث بالشهر. في درس أمس، كان حديثنا حول نظرة فاحصة حول حال الناس في زمن نبينا صلى الله عليه وسلم وفي زمن الخلفاء. كانت الخلاصة واضحة من أن الصحابة رضي الله تعالى عنهم لم يقعوا في شيء من البدع في زمنه، لا من البدع الحسنة ولا من غيرها، كما يدعي من ادعى. وأيضا علمنا أن في عهد الخلفاء، في زمن أبي بكر وعمر وعثمان، سلم الله الصحابة من الوقوع في شيء من هذه الأدواء والأهواء، عصمهم الله عز وجل. وهنا الآن، وفي هذا الدرس، أنتقل إلى مرحلة أخرى من مراحل الناس إزاء الفتن والمحن والشبهات والضلالات والمحدثات والفرق والجماعات، والتي نعتبرها من حين مقتل عثمان رضي الله تعالى عنه إلى أن جاءت خلافة علي رضي الله تعالى عنهم جميعا. هنا برز اسم الخوارج، باعتبارها أول فرقة إسلامية خرجت في هذه الأمة الإسلامية، أول فرقة كما قال المؤرخون والمصنفون. يقول شيخ الإسلام رحمه الله تعالى: كلما تأخر العصر عن النبوة، كثر التفرق والاختلاف. ولهذا لم يحدث في خلافة عثمان بدعة ظاهرة، فلما قتل وتفرق الناس، حدثت بدعتان متقابلتان: بدعة الخوارج المكفرين لعلي، وبدعة الرافضة المدعين لإمامته. الشاهد في قول شيخ الإسلام: حدثت بدعتان متقابلتان، بدعة الخوارج، وهذا الذي نحن بصدده. ولا أخفيكم أن الحديث والكلام عن الخوارج سيطول، لكثرة مباحثه ومسائله، وأيضا لمسيس الحاجة إليه، وخاصة ونحن في هذه الأزمان المتأخرة، إذ أننا نرى ونسمع ونجد آثار الخوارج قد التبس أمرها على كثير من الناس. ولهذا قد نستفيض نوعا ما في ذكر ما يتعلق بالخوارج من حيث النشأة، من حيث النبتة، من حيث الأفكار، من حيث المعتقدات، من حيث الرؤوس، من حيث الرموز، من حيث الردود. سنطيل المبحث قليلا، نأخذ عدة أيام. يسأل الله أن نستفيض في الكلام على الخوارج. وأول ما نبدأ به في حديثنا عن الخوارج أن نتكلم عن النشأة، وعن كيفية ظهورهم، ومتى بدأوا. هذا يرجعنا قليلا إلى آخر خلافة عثمان رضي الله تعالى عنه. ما الذي صار في أواخر خلافة عثمان؟ تقريبا في عام خمس وثلاثين من الهجرة، قام أناس وشغبوا على عثمان، بإثارة الضغائن ورميه بالتهم، وأنه فعل وفعل وفعل. فلا يزالون يهيجون الناس على عثمان. ومن هؤلاء عبد الله بن سبأ، رأس الفتنة. وأرجي الكلام عليه سيأتي في مقام آخر، مع هذا الرجل، في بيان شيء من شخصيته، لأنه منهم من قال: هي شخصية وهمية. وسيأتي الحديث عنه. عبد الله بن سبأ معه أناس من الرؤوس، هم الذين أثاروا الضغائن على عثمان. فمما ذكر مع عبد الله بن سبأ مثل عمر بن الحمق الخزاعي، وهكذا الغافقي بن حرب، وهكذا كنانة بن بشر، وجماعات. هؤلاء هم الذين نهضوا بالفتنة، وهؤلاء استطاعوا أن يجيشوا وأن يهيجوا كثيرا من الناس. والذي أعانهم على هذا التكثير والتكتيل حولهم عدة أمور، أشير إلى ثلاثة. الأمر الأول: أنهم سلطوا دعوتهم أولا على العوام، على الأعراب الذين ما عندهم شيء من العلم. وهؤلاء الذين يعبر عنهم أتباع كل زاعق وناعق، أولا همج، فمن يأتي أحد يمشون وراءه. فقد دغدق عواطفهم، فقد تستميلهم مباشرة. فكرسوا دعوتهم على هؤلاء الأصناف من الجهالة، من الحمق، من المغفلين، من الأعراب. فجمعوهم. هذه طريقة بها استكثروا. الأمر الثاني: أن الأمر وصل إلى الكذب، وإلى التلفيق، وإلى البهتان. ليس ما ذكره عن عثمان حقائق، لا، وإنما هي ضرب من الأكاذيب. حتى وصل بهم الأمر إلى درجة الكذب في إسقاط عثمان، أنهم كانوا يزورون، يزورون بمعنى يأتون برسائل ويكتبونها، لا على أنها من عثمان، أو أنها من طلحة، أو أنها من عائشة، تأمر بكذا وتأمر بكذا، وثم يختمون عليها على أنها جاءت منهم. قمة التزوير، ثم يرسلونها بطرق خفية حتى تقع بين الناس. يقول هكذا: رسائل من فلان فلان، رسائل عثمان، عثمان يأمر بكذا. فانتشر الخبر على أن هناك وثائق رسمية فيها أن عثمان فعل وفعل وفعل. ومما أذكره في هذا المقام ما ذكره ابن كثير رحمه الله تعالى في البداية والنهاية: أن عائشة رضي الله تعالى عنها لامت الناس في مقتل عثمان، وبختهم كيف يرتموه يقتل. فقال من قاله مسروق: هذا من عملك، أنت التي كتبت للناس بالخروج، أنت. كيف تلومون أنتم ومن معنا على مقتل عثمان، وأنت السبب؟ أنت التي كتبت للناس بالخروج على عثمان. فقالت عائشة رضي الله تعالى عنها: والذي آمن به المؤمنون وكفر به الكافرون، ما كتبت سوداء على بيضاء قط، أنا ما كتبت. ماذا تقول؟ أنا كتبت؟ أقسمت أن ما كتبت. علق الإمام الأعمش: فكانوا يزعمون أنه قد كتب على لسانها. هذا الحقيقة هي: نعم، ما قالت، ولا أمرت، ولا خطت، لكن كتب عليها. نعم، جاء من يزور، وكتب من عائشة إلى عامة المسلمين، إلى أهل فلان وفلان: أن عثمان لا نرتضي سيرته. وختمها، وهي ما كتبت، ولا ختمت، ولا وقعت. إذن، هذا من صور الكذب الذي اتخذ في تهييج الناس. الأمر الثالث الذي كان سببا في قوتهم وظهورهم: ما وجدوه من طبيعة عثمان رضي الله تعالى عنه، رجل حيي. قالها نبينا صلى الله عليه وسلم: ألا أستحي من رجل تستحي منه الملائكة. فكان عثمان في غاية من الحلم والترفق. حتى أن هؤلاء الأوباش، عندما تسللوا على عثمان في يوم مقتله، ماذا قال لهم؟ قال لهم: والله، أتدرون ما الذي جرأكم علي؟ ما جرأكم علي إلا حلمي. هذا الحقيقة حلمه، لكن بعض الناس، سبحان الله، تلين معه، يركب عليك. فعلى عثمان أنه لا يرد طبعا. القصة هذه مختصرة إلى أنه قد ظفر بهم وتركهم، وسامحهم، وعفى عنهم. لكن قال: ما جرأكم علي إلا حلمي. هذا الذي يجعلكم تستمدون هذه القوة، وهذا التكتيل، لما رأيتم من نبلي، ومن أخلاقي. يقول ابن عمر رضي الله تعالى عنه: والله، والله، لقد نقموا على عثمان أشياء، لو فعلها عمر ما تكلم منهم أحد. عمر قد مضى معنا درس أمس، ما الذي فعله عمر؟ صلب في الحق، رضي الله تعالى عنه. قالها ابن عمر: والله، هذه الأشياء التي أخذتموها على عثمان، والله، لو فعلها عمر ما تكلم أحد، ولن يجرأ أحد. ما حسن يجرأ. لكن لما وافقوا عثمان بأخلاقه النبيلة، استغلوا هذا، لأجل أن يوقعوا الضعف، بل الأخلاق العالية، رضي الله تعالى عنه. فاستطاعوا أن يستغلوا هذا. يبقى السؤال: ما هي الأشياء التي انتقدوها على عثمان، حتى يهيجوا الناس، حتى يثيروا الضغائن على إسقاط خلافته؟ الأشياء التي أخذت على عثمان، كما يقول علماء، هي على أحد أمور ثلاثة: إما أنها أمور كذب، كذب، كما أنهم دسوا في سيرته، وفي خبره: أنه كسر أضلاع عمار بن ياسر، وأنه ضرب ابن مسعود حتى فتق أمعاءه. لا، ما صار هذا، ولا ذاك. لكن طبعا هناك أخبار منقطعة، ما هناك تواصل. الناس في الشرق، الناس في غرب، يسمعون، فصعب أن يتحققوا. فيأتوا مثل هؤلاء الهمج، ويصدقون هذه الأكاذيب: أن عثمان تهجم على أصحاب رسول الله، بقتلهم، بضربهم، بتعذيبهم. من هذه الأكاذيب والدسائس التي قالوها في عثمان. أو أشياء ثانية، مما أخذوها على عثمان: أنها أشياء اجتهادية، والإنسان في باب الاجتهاد، مهما كان منزلة، هو بين الأجر والأجرين. فما ظنك إذا كان المجتهد والي من ولاة الأمور؟ فلو حق الاجتهاد فيما يفعل، يعني مما أخذ على عثمان، وشنعوا عليه: أنه ولأ الأقارب في الحكم والسلطة والأمارة. ولاهم هم أقاربه، مع أن العلماء دافعوا عن عثمان في هذه المسألة، إذ أنه من نظر إلى ولاة الولى والأمراء الذين أعطاهم عثمان الإمارات، وهم من قرابته: أنهم ممن يستحقونها. هذا ما فيه غضاضة، لأنه يعرفهم، ويعرف كيف هم، ويعرف كيف ما يكون من عدلهم. فلماذا تنقمون عليه؟ بل من العجيب أن مما أخذ على عثمان محاسن. هل تدرون؟ على أن مما أخذوا أخذوا على عثمان: أنه جمع المصاحف على مصحف واحد، وأحرق جميع النسخ. هذا ينتقد على عثمان، وقد أجمع العلماء أن هذا من مفاخر عثمان، مفخرة حسنة من عظيم محاسنه: أن ألغى جميع المصاحف، بما فيها من الأقوال والقراءات والتلاوات الشاذة، وجعل على القراءة الصحيحة. وهذا مما يحمد عليه عثمان، لكن عندهم انتقدوه. ومن العجيب أنهم انتقدوا على عثمان: أنه تخلف عن بيعة الرضوان. يا جماعة، بيعة الرضوان أعظم منقبة لعثمان، حين تخلف لعذر. بل إن النبي بايع بيده نيابة عن عثمان، مفخرة لعثمان. وعند الأوباش جعلوها منقصة. المهم، الجماعة جمعوا مثل هذه السقطات واللقطات، وهي ما تخرج أقصى ما يقال: أنها أمور اجتهادية. لكنها استغلوها لشيء في نفوسهم. فجمعوا الناس، ثم تحركوا. التحرك كان بترتيب وتخطيط وتنسيق. تحركوا في أيام الحج، في أيام الحج، وذلك حتى لا أحد يشعر بهذا التحرك الجماعي، لأن في أيام الحج تأتي الجماعات من هنا، ويأتي أناس من هنا، وموكب من هنا. لأن هؤلاء جاءوا من عدة بلدان: أحدهم جاء من البصرة، وأحدهم جاء من بلاد مصر، وأحدهم جاء من الكوفة. تواعدوا، فكان المجيء في هذا الوقت، ما أحد يشعر به. هنا فجاج لبيت، لا جاءوا من كل فج عميق. فاستغلوا هذا المقام، فجاءوا إلى المدينة. وكان عدة القوم كما يقول بعض المؤرخين: ما بين أربعة آلاف، قد ينقصون قليلا أو يزيدون قليلا. أربعة آلاف، ألف من هنا، ألفان من هنا، وتجمعوا حتى وصلوا. عندما جاءوا نزلوا إلى المدينة، لماذا المدينة؟ مقر عثمان رضي الله تعالى عنه. وكان هذا الاجتماع في أواخر ذي القعدة من عام خمس وثلاثين للهجرة. فقام هؤلاء على حين غرة، وحاصروا عثمان، حاصروا بيته. والمكان الذي فيه آلاف مؤلفة، آلاف مؤلفة، حاصروا عثمان، وضربوا عليه الحصار. والحصار دام ليالي وأيام، إلى أن وصل بهم الأمر إلى أن تسللوا إلى بيته، فقتلوه رضي الله تعالى عنه. هذه قصة عثمان، وما جرى مع الثوار. ذكرتها لأني سأحتاج إلى هذه القصة في مسألة الخوارج، سيأتي في حينها. يبقى السؤال: كيف هذا بهذه السهولة يقتل عثمان؟ يقتل خليفة؟ يقتل رجل بلغ ملكه إلى أفريقيا وإلى آسيا، فتوحات عظيمة في زمنه؟ هكذا يقتل؟ ينبغي أن نعلم إخواني في الله أن مقتل عثمان له حقائق كثيرة. ولست في هذا الصدد، لكن بما أن لا شك أن الأنظار والأذهان تطمع إلى معرفة هذا الجواب: كيف قتل عثمان بهذه السهولة؟ ينبغي أن نعلم أولا ما سمعتم من السياق: أن هؤلاء فاجأوا، ما أحد كان يتوقع هذا الحصار بهذه الأعداد الضخمة، آلاف آلاف. قد يكون أكثر من أربعة آلاف، كما ذكر خمسة آلاف، بل منهم من أوصل إلى ستة آلاف. عدد كبير من هؤلاء الحشد الغفير. وهؤلاء متى جاءوا؟ جاءوا في زمن الحج، والذي فيه كان الصحابة الكثير منهم أين؟ في مكة. وهؤلاء على حين غرة اجتمعوا في المدينة. والصحابة ذهبوا إلى مكة لأداء مناسك الحج. زد على ذلك أن من الصحابة من كان في الثغور في الجهاد. زد على ذلك أن من الصحابة من توزع وسكن خارج مكة والمدينة: من سكن في أرض العراق، ومن سكن في بلاد الشام، ومن سكن في بلاد الشرق والغرب. توزع الصحابة. إذن هذا ينبغي أن يكون في الحسبان. والصحابة الكثر ما كانوا المتواجدين في تلك الملحظة. زد على ذلك أنهم قد تواجد لا تقل ما هناك أحد تواجد أبناء الصحابة. وذكر العلماء أن قد بلغ من كان يحمي عثمان سبعمائة من أبناء الصحابة، من الصحابة ومن أبنائهم، جندوا أنفسهم حماية لعثمان. لكن السبب الأعظم الذي سهل لهؤلاء الأوباش أن يحاصروا عثمان وأن يقتلوه: موقف عثمان، وهو أن عثمان رضي الله تعالى عنه منع الناس من حمايته. منع الناس من حمايته. جاء في كتب السيرة: أن زيد بن ثابت رضي الله تعالى عنه دخل على عثمان في يوم حصاره. فقال زيد: يا عثمان، هذه الأنصار على الباب، يقولون: إن شئت أن نكون أنصار الله مرتين، كما كنا مع النبي عليه الصلاة والسلام، نكون معك. ماذا كان رد عثمان؟ قال رضي الله تعالى عنه: أما قتال فلا، ما عندي. لا أحد يقاتل عني. بل خرج عليهم رضي الله تعالى عنه، وقال: أعزم على كل من رأى أن عليه سمعا وطاعة إلا كف يده وسلاحه. هذا أمر من ولي الأمر. أعزم عليكم: كل من يرى أن عليه سمع وطاعة مني، يضع يده وسلاحه. لا أحد يرفع السلاح هنا. ما الذي يفعل الناس؟ هل سيخرجون على ولي الأمر بمعصية، بعناد؟ حين ترك عثمان الأمر هكذا. قد يقول قائل: ولماذا لم يفعل عثمان ذلك؟ ترك نفسه لهؤلاء. العلماء أعطوا معاذير وأعذار لعثمان. منها قالوا: أن عثمان ما كان يتوقع أن الأمر يصل إلى القتل، لأن هؤلاء قد مضت لهم سوابق، رفعوا شكاوى، فكان عثمان يرى أن هؤلاء إنما هو ناس لهم مطالب، وأنه من خلال الأخذ والعطاء والتفاهم سينتهي معهم، بإقامة الحجة، بالدلائل، فستنتهي الفتنة. فما كان عثمان يتوقع أن الأمر يسيل إلى قتل. هذا أمر. والأمر الثاني قالوا: أن عثمان رضي الله تعالى عنه ما أراد أن يجعل المدينة ساحة للقتال، وإسالة للدماء، صيانة لهذا المكان المقدس المعظم، لحرمات الله، تعظيما لحرمات الله. أقتل أنا واحد، ولا تقتل آلاف مؤلفة، إذا اجتمعت الجيوش مع بعض. فرأى أن المصلحة تقتضي الكف لهذا. أمر الناس بالكف عن الدفاع عنه. هنا إخواني في الله ننتهي من مسألة عثمان رضي الله تعالى عنه كما قلنا. والقصد من هذه القصة أني أشير إلى أولئك الذين خرجوا على عثمان، لأني أحتاج إليهم في مسائل ستتفرع من مسألة الخوارج. أنتقل الآن إلى خلافة علي رضي الله تعالى عنه. بعد مقتل عثمان، آلت الأمور إلى علي. وعلي في خلافته في أمر لا يحسد عليه، الفتن تأججت، والقتال، والأمور كما قال شيخ الإسلام: كثرت الفرق وتفرق الناس بعد مقتل عثمان رضي الله تعالى عنه. ولست بصدد ذكر الحوادث والمواقف لعلي من مسائل، لكن أريد أن أتحدث في خلافة علي ما له تعلق بالخوارج. أنا حديثي عن الخوارج، أحاول أني ما أبعد عنه كثيرا. أذكر ما يتعلق بمسألة الخوارج مع علي رضي الله تعالى عنه في معركة صفين. معركة صفين وهي المعركة التي تلاقى فيها علي رضي الله تعالى عنه مع معاوية رضي الله تعالى عنه، ورضي الله عن أصحاب رسول الله جميعا. تلاقوا في هذه المعركة. وهنا لابد كذلك أن أوضح أمرا، وهذا الإيضاح لابد أن يذكر، لأن كثرة المقالة من أهل البدع، ومن السبابين لأصحاب رسول الله، يصطادون بالماء العكر في هذه القضية. فأوضح ما وضحه العلماء في هذه المسألة فيما جرى في حقيقة الخلاف بين علي ومعاوية بشكل مبسط. القتال الذي وقع في صفين هو من جراء مقتل عثمان. كيف هذا؟ لما قتل عثمان رضي الله تعالى عنه، وكان أمره عظيم جلل، هز المدينة، بل هز العالم الإسلامي، مقتل خليفة. حينها طالب الناس بالانتقام. وعلى رأس من طالب بالانتقام معاوية بن أبي سفيان رضي الله تعالى عنه. قد يقول قائل: ولماذا معاوية؟ معاوية هو من أقرب الناس إلى عثمان، بينهم صلة قرابة. وشرعنا قد أعطى لأولياء الدم حق المطالبة، فقد جعلنا لوليه سلطانا، فلا يسرف في القتل، ولي المقتول يتابع القضية. فمعاوية يرى أنه ولي لعثمان، ولهذا من هذا الباب الشرعي طالب بتسليم قتلة عثمان. يفتح الملف: من الذي قتل عثمان؟ من الذي داهمه؟ من الذي انغمس ولاغ في دمه؟ العجيب أن قتلة عثمان كانوا في صف علي رضي الله تعالى عنه، كانوا في صف علي، كانوا من ضمن جنده، من ضمن معسكره. علي رضي الله تعالى عنه تلك الفترة كان يطالب معاوية بأن يذعن للخلافة إلى علي، لأنه الحاكم الفعلي. معاوية رضي الله تعالى عنه قال: أنا مسلم لحقك، سلم لي قاتلة عثمان، وما أنازعك في شيء أبدا، أنت الخليفة. علي رضي الله تعالى عنه قال: لا، تسليم قتلة عثمان الآن لا. علي يرى أن المصلحة تقتضي أن تثبت الدولة الإسلامية، دنيا، هذه فتن، قلاقل. أراد علي أنه يبسط نفوذ الخلافة على كامل الدولة الإسلامية، كامل الدولة الإسلامية. فلا زال عدم التفاهم واضح. علي له مطلب، رفض معاوية له اعتراض. فوجدوا أن الأمور لا بد أن يكون فيها حسم، وما هناك حسم بمثل القتال. القتال هو الذي سيسود في إحلال الأمر. لا هذا سيريد أن يتنازل، ولا هذا سيريد أن يوفي بالخلافة. علق الأمر إلى هذه المسألة. طيب، إذا كانت قتلة عثمان في صف علي رضي الله تعالى عنه، فلماذا ما يسلمهم علي؟ ليش علي ما يسلم القتلة، وهم أهل إجرام، وأهل إفساد، وخاضوا في عرض وخالق، وخاضوا في دم صحابي جليل بغير جرم؟ علي رضي الله تعالى عنه له وجهة نظر، ونظره له وجهة نظر سديدة وقوية. ومن سمع بها سيعذره. أولاها يقول لك علي: من هؤلاء أربعة أهلاف، ما أعرف بعضهم، ما أستطيع أن أتي بالكل من الزعماء والرؤساء. أنا ما عندي قدرة على أن أطالبك بهم. هذا يصعب عليه. الأمر الثاني: أن هؤلاء الذين قد عرف عنهم المشاركة، أنهم في الحقيقة أعيان، وجهاء أصحاب عشائر، لهم مناصب في القبائل. يعني فكوني أسلم واحد، سيتقوم ثائرة القبيلة بأسرها. أنا ما أستطيع أن أسلم هؤلاء. يعني سأخذ خمسة، ولا عشرة، ولا عشرين. إليك، معاوية، سيأتي بعد ذلك ألوف، كله يحتمي. وتعفد النزعات الأهلية العربية، والنخوة كما يسمونها البعض. فعلي يرى أن المصلحة ما أستطيع الآن، وهؤلاء لهم مجاهة في قومهم. زد على ذلكم أن عليا يرى أن الأمر مضطرب، مضطرب، والأوضاع مشتتة. فأراد علي فقط من معاوية أنه يمهله فقط. أنا أعترف علي أعترف أن هؤلاء قتلة، وأنه سيتفرغ لهم يوما ما، لكن ليس الآن. وما فعله علي رضي الله تعالى عنه له وجه شرعي. مثاله في زمن نبينا عليه الصلاة والسلام، وقعت حادثة الإفك، تكلم من تكلم في عرض عائشة رضي الله تعالى عنها. فقام نبينا وأخذ هؤلاء ممن خاضوا: فلان، وفلان، وفلانة، وأقام عليهم الحد، إلا رجل من هو؟ عبد الله بن أبي بن أبي سلول. ما استطاع نبينا أن يقيم عليه الحد، لماذا؟ لهذه العلة، رجل له وجاهة حتى أن النبي قام بين الناس، كما في الصحيح، قام بين الناس، قال: يا قوم، من يعذرني في رجل قد بلغ أذاه إلى أهلي؟ يتركوني أنا وإياه، لا أحد يتدخل إذا فعل به شيء. من يعذرني في رجل بلغ أذاه إلى أهلي؟ ومن الذي يعنيه نبينا؟ ابن أبي. أتدرون؟ في هذه الحادثة، وهو في الصحيح: أنه قام تنازع بين الصحابة، ذاك يدافع، وذاك يحامي، وذاك ضده. حتى زاد اللغط في مقامه عليه الصلاة والسلام. فما استطاع نبينا إلا أن يسكتهم. انظر: يسكتهم. إنما فقط: ماذا؟ يستأذن في قتله. لماذا؟ لأن ابن أبي كانت له وجاهة عظيمة في المدينة. من قرأ السيرة يعرف: أنه أخذ ورجع بثلث الجيش في أحد، ثلث الجيش رجعه. إذا هو منزلة مهاب عند قومه. فنبي يعرف: أنه إذا أقام عليه الحد، هذا لن يستقم من شره، ومن فتنة ترجع إلى الإسلام. لهذا ما استطاع نبينا. أليس هذا وجه شرعي؟ هذا مثل عند علي. هل يعرف هذه الأمثلة؟ قال: إذا أخذت هؤلاء وجلتهم، أو سلمتهم لك يا معاوية، أنا ما سأسلم من شر هؤلاء. والعجيب أن الأمور لما آلت إلى معاوية، كما سيأتي في السيرة، ومعروف هذا. آلت إلى معاوية، واستتب الحكم لمعاوية. أتدرون أن معاوية هو بنفسه ما قتلهم؟ تأمن ما قتلهم. لماذا؟ لأنه شعر حينها بالذي كان عليه علي. علم ما كان الذي يراه علي. لم يراه معاوية حينها، لما استتبت الأمور. كان ينبغي لمعاوية أنه يأتي بهؤلاء كلهم ويقتص منهم. لكن ما استطاع. نعم، قتل بعضهم، وأما البعض تركه، ما قتل آخرهم إلا في زمن الحجاج، في خلافة عبد الملك. فعلي رضي الله تعالى عنه في زمنه، عندما ترك قتل هؤلاء القتلة، ما كان عن تمالي، ولا عن محابة، حاشاه. يعرف أن هؤلاء أهل إجرام، لكن أراد الفرصة السانحة. فأراد من معاوية أنه يأتي معه. ننتهي من موضوع الخلافة. نصف الحسابات رجع الخلافة إليه، وأنا أكون تحت طوعك، وتبايعني على الخلافة. وحينها سنتفرغ لقتلة عثمان. لكن معاوية رضي الله تعالى عنه كان يريد الأمر الآن، بينما علي يريد تطبيقه في المآل. وهنا كانت وجهة نظر الخلاف. هذا إخواني في الله من باب الإيضاح، وينبغي أن نعلم هذه الحقائق حق المعرفة، حتى لا يختلط الحابل بالنابل. نرجع إلى معركة صفين. كما قلنا، لهذه المسائل وقعت معركة صفين. وصفين هي منطقة تقع قرب منطقة تسمى الرقة، وهي حاليا في سوريا. سميت بمعركة صفين، اسم القرية، وهي قريبة من الرقة في بلاد سوريا حاليا. التقى الصفان في شهر صفر من السنة السابعة والثلاثين للهجرة. التقوا هناك، واستمر القتال، ثم انتهى القتال إلى التحكيم. تأتي الآن مسألة التحكيم، وهذه مهمة. ما هي قضية التحكيم التي جاءت من جراء معركة صفين؟ ذكر بعض الأئمة، كالإمام ابن العربي المالكي رحمه الله تعالى: أن معركة صفين تمت يوم الأربعاء، تحديدا يوم الأربعاء، سبعة صفر، من العام السابع والثلاثين للهجرة. واستمرت الخميس والجمعة، إلى ليلة السبت. وقعت فيها أشياء حينها: رفعت المصاحف، أقوام ربطوا المصاحف على الرماح ورفعوها. وهذا الرفع كان من معسكر الشام. طبعا معاوية جيشه جيش الشام، وعلي جيشه جيش العراق، أهل الكوفة وأهل الشام. المصاحف رفعت في الساحات، رفعت الرماح. نظروا الناس في صف علي: الرماح فيها مصاحف. أعلموا أن الإشارة مؤداها الحكم والتحاكم إلى كتاب الله. قفوا، نقف إلى هذا الحد، وكفى سفكا للدماء. نتحاكم. يذكر فيما يذكر: أن عليا والله تعالى أعلم، هذه من بعض الأخبار: أن عليا ما كان موافق على هذا. لماذا؟ لأن جيش الشام كان على وشك الانكسار، على وشك الانكسار، والفرصة سانحة لعلي إلى أنه يبسط يده. لكن لما ظهرت هذه الفعلة، ورفعت المصاحف على الرماح، قام ناس من معسكر علي وأوقفوه: قف يا علي، كتاب الله. فلم تر إلى الذين أوتوا نصيبا من الكتاب يدعون إلى كتاب الله ليحكم بينهم؟ دعينا إلى كتاب الله. قف يا علي. فأوقفوه هنا. جاءت قضية التحاكم والمحاكمة، مؤداها أولا: تقف الحرب. ثانيا: يرجع كل طرف إلى بلده. ثم الندب والانتداب: علي رضي الله تعالى عنه ينتدب شخصا ينوبه، ومعاوية ينتدب شخصا ينوبه، في مسألة التفاوض على هذه القضايا التي وقع فيها النزاع. علي رضي الله تعالى عنه وكل وفوض أبا موسى الأشعري. ومعاوية وكل عمر بن العاص رضي الله تعالى عنه. هذا طبعا على أساس أنهم لما تفرقوا، كما قلنا، في صفر، الواقع في صفر، في هذا العام، سبعة وثلاثين. وأن يكون اجتماع الحكمان في رمضان، في رمضان، يتفقان على الذي يتفقان عليه. طيب، جاء موعد التحكيم، وجاء الحكمان للتحاكم: أبو موسى، وعمر بن العاص رضي الله تعالى عنهما. ما الذي صار في قضية التحكيم؟ طبعا هذه مسألة لها علاقة بالخوارج. الذي صار نبدأ بالقصة الشهيرة المعروفة: أنه طلب عمر بن العاص من أبي موسى. قال: يا أبا موسى، حاول أن يقنعه: أن هذه الفتنة صارت بفعل علي، وفعل معاوية، وأهم الذين أثاروا هذه الأشياء. وما كان ينبغي، ونحن في سلام، وفي عافية. يا أبا موسى، نخلع هؤلاء من الخلافة. أنت اسقط صاحبك، ونحن نسقط صاحبنا، ونختار من نراه مناسبا للمسلمين. أبو موسى وافق على هذه الفكرة. واجتمعوا، واجتمع الناس لكي يسمعوا ما تم من الصلح. فبدأ أبو موسى الأشعري بذكره ما تم الاتفاق عليه. وقال: أنا مفوض من قبل علي رضي الله تعالى عنه. وتم التفاهم على أني أنزع علي من الخلافة، كما أنزع هذا الخاتم. قام عمر، كان ينبغي أن يفعل نفس الحركة، يتنازل على ما اتفق عليه. فقام عمر رضي الله تعالى عنه، قال: وإني لأنزع عليا من الخلافة، كما نزعه أبو موسى، كنزع لهذا الخاتم. وأثبت الخلافة لمعاوية، كما أثبت هذا الخاتم. ضج الزحام، الغلط، زاد اللغط. يعني: ايش الذي صار؟ صار كذب. يعني عمر يقول: أبو موسى، إحنا نويناك، بنسقط هذا، بنسقط هذا، وانتهينا، نختار الذي نرى. لكن في الواقع أمام الملأ، لا، وقعت خديعة. كما سيأتي معنا: خديعة، أن أبا موسى تم استغفاله، وتنازل، وأسقط الخلافة عن علي أمام الناس. بينما عمر أثبت الخلافة لمعاوية. إذن من الوالي الحقيقي معاوية رضي الله تعالى عنه. هذه القصة يا عبد الله هي شهيرة، مشهورة، ومستفيضة. لكنها كذب، لكنها دجل، لكنها محرفت، تراءت على أصحاب رسول الله عامة، وعلى قضية التحكيم خاصة. والرد على هذه القصة إخواني في الله من عدة أوجه. الوجه الأول: الإسناد الذي جاءت به هذه القصة، إسناد ساقط، إسناد تالف. فهو قد جاء من طريق أبي مخنف، من طريق أبي مخنف، واسمه لوط بن يحيى. حتى منهم من رماه بأنه شيعي. لوط بن يحيى هذا، لوط، متكلم فيه. قال عنه أبو حاتم: متروك الحديث. وقال ابن حبان: روى الموضوعات عن الثقات. وقال الذهبي: إخباري تالف، لا يثق به. إذا كان هذا الناقل بهذه الصفات، رمي بالكذب، رمي بالتالف، هل بالله عليكم يفرح له بمثل هذه القصة التي فيها الطعن والغمز في أصحاب رسول الله عليه الصلاة والسلام؟ يرمي الأول بالسذاجة، ويرمي الثاني بالدهاء. ما يمكن. إذن هذا الأمر الأول. الرد الثاني على هذه القصة: أن عزل ولاة الأمور ليست بهذه الصورة: خاتم، ما خاتم، بهذه الصورة تنزع، والي وتسقط، والي وتأتي بوالي. ما عرفت بالأحكام الشرعية. هناك الاستفاضة، هناك الغلبة، هناك أهل الحل، أهل العقد، هناك مسائل شرعية. لا يستطيع هذه الصورة، وهذه السذاجة: إسقاط، طبعا. وهذا تفنن القصة في بعض الروايات: أنه قال: أضع سيفي. وهي رواية: أضع خاتمي. ولا هذا يدل على أنها مسألة ملفقة، ملفقة، ولا تصح. هذا الأمر الثاني. الأمر الثالث: إيش قضية علي ومعاوية؟ أن علي يثبت ومعاوية؟ وهل معاوية يا شباب هل معاوية يدعي الخلافة لنفسه؟ الجواب: لا. انتبهوا لهذه المسألة. معاوية ما تدعى الخلافة، معاوية في قضيته عبارة عن إمارة، تبع لعثمان، تبع لعثمان. مات عثمان رضي الله تعالى عنه، علي طالبه بأن ترجع الإمارة إليه فقط. ما هناك أحد ادعى الخلافة، حتى معاوية ما تدعاها، ما تدعاها أصلا. ولهذا ستعرفون أن معاوية ما أصبح خليفة إلا في عام الجماعة، سمي حينها بأم